مقالات

ليلة سقوط دونالد ترامب

(رويترز)
(رويترز)

في 24 سبتمبر/أيلول 2019 أعلنت نانسي بيلوسي، زعيمة الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي، عن بدء محاكمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خلفية استغلاله لمنصبه الرئاسي من أجل تحقيق مكاسب شخصية متعلقة بتشويه سمعة نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عبر ترويج اتهامات لمزاعم بالفساد تتعلق بعمل ابنه، هانتر بايدن، في إحدى شركات الغاز الأوكرانية. وقتها استغرب البعض لماذا يقوم ترامب بذلك؟ ولماذا يخاطر برئاسته من أجل مطاردة بايدن؟ الإجابة عرفناها قبل يومين حين أُعلن عن فوز بايدن بالانتخابات الرئاسية الأميركية، ليصبح بذلك الرئيس 46 للولايات المتحدة.

حين بدأت الاستعدادات والتحضيرات داخل الحزب الديمقراطي من أجل خوض الانتخابات الرئاسية في الخريف الماضي، برزت أسماء عديدة كان البعض يعتقد أنها القادرة على هزيمة ترامب كان أبرزها السيناتور الديمقراطي عن ولاية ماساشوستس إليزابيث وارن والسيناتور المستقبل عن ولاية فيرمونت بيرني ساندرز.

لم يحظ بايدن، وقتها، بالاهتمام اللازم في وسائل الإعلام الأميركية التي ركزت الأضواء على كل من وارن وساندرز نتيجة لمواقفهما التقدمية وانتقاداتهما الشديدة لترامب، التي كانت تلهب حماس أنصار الحزب الديمقراطي خاصة بين الشباب والنساء والأقليات. ولذلك بدا مستغربا، وقتها، أن يقلق ترامب من بايدن، لا من وارن أو ساندرز، ويحاول تشويه سمعته حتى وإن كلفه الأمر عزله من الرئاسة الأميركية؛ ولكن على ما يبدو فإن ترامب كان محقا، فهو يدرك جيدا أن الناخب الأميركي ليس مستعدا، على الأقل حاليا، لتقبل رئيس من الجناح التقدّمي في الحزب الديمقراطي، وأنه ما زال يميل للتصويت لصالح تيار الوسط الذي يمثله بايدن، وبالتالي فإن حظوظ هذا الأخير في الفوز ببطاقة الترشح عن الحزب الديمقراطي تبدو أكبر من وارن وساندرز، وهو ما حدث بالفعل حيث اقتنص بايدن بطاقة خوض الانتخابات الرئاسية ممثلا عن الحزب الديمقراطي في أغسطس/آب الماضي.

دخل بايدن السباق الانتخابي مترددا، وذلك حسبما نقلت الصحافة الأميركية عن أصدقائه المقربين، خاصة مع كبر سنه واعتلال صحته، ناهيك عن حالته النفسية التي تأثرت كثيرا بعد الرحيل المفاجئ لابنه الأكبر "بو بايدن" عام 2015. كما أن فشله في مرتين سابقتين عامي 1987 و2008، كان قد خاض فيهما السباق الرئاسي، وخرج في مراحله الأولى، لا تشجعان على تكرار التجربة.

حتى فبراير/شباط الماضي، كان ترامب على يقين بأنه سوف يكسب ولاية رئاسية ثانية. ولم لا؟ الاقتصاد الأميركي في أفضل حالاته، مؤشرات بورصة "ول ستريت" (Wall Street) تصل لمستويات غير مسبوقة، البطالة في أدنى مستوياتها خلال عقود، التصدي للتوغل التجاري الصيني يبدو ناجحا؛ لكن فجأة حدث ما لم يكن في الحسبان. في منتصف شهر فبراير/شباط وصلت ترامب مكالمة هاتفية من براد بارسكال، المدير السابق لحملة ترامب الرئاسية، ينقل له خلالها خبرا غير سار مفاده أن فيروس كورونا، الذي كان قد بدأ قبل أيام قليلة في الظهور والانتشار بأميركا وخارجها، قد يكلفه رئاسته الثانية، وقد جاء رد ترامب على المكالمة، كعادته، مستخفا، وسأل بارسكال قائلا "ما علاقة هذا الفيروس اللعين بإعادة انتخابي؟".

دخل بايدن السباق الانتخابي مترددا، وذلك حسبما نقلت الصحافة الأميركية عن أصدقائه المقربين، خاصة مع كبر سنه واعتلال صحته، ناهيك عن حالته النفسية التي تأثرت كثيرا بعد الرحيل المفاجئ لابنه الأكبر "بو بايدن" عام 2015. كما أن فشله في مرتين سابقتين عامي 1987 و2008، كان قد خاض فيهما السباق الرئاسي، وخرج في مراحله الأولى، لا تشجعان على تكرار التجربة. ينقل السيناتور الديمقراطي كريستوفر كونز، الصديق المقرّب لبايدن، والذي أخذ مقعده في مجلس الشيوخ عن ولاية ديلاوير، أنه ظل مترددا في خوض السباق الرئاسي حتى أواخر العام الماضي، حيث كان يرى أن العمر قد تجاوزه، وأن ثمة من هم أكثر منه حيوية وشبابا داخل الحزب الديمقراطي، وبإمكانهم أداء المهمة؛ ولكن كونز نصحه قائلا "أنت الوحيد الذي يمكنه هزيمة دونالد ترامب".

لم يهتم ترامب بالآثار الوخيمة التي قد يخلفها فيروس كورنا المستجد على البلاد والعباد، خاصة بعد أن انتشر كالنار في الهشيم في كافة أنحاء الولايات والمدن الأميركية، ولم يكن استخفاف ترامب بالفيروس القاتل مجرد انعكاس لشخصيته المتهورة والحمقاء، بقدر ما كان قرارا إستراتيجيا ومغامرة جديدة من مغامراته. فقد أدرك جيدا أن إعطاء الفيروس المزيد من الاهتمام يعني إغلاق البلاد، وبالتالي وقف قطار الاقتصاد الذي كان يسير بأقصى سرعته، ما قد يكلفه ولايته الثانية.

ولكن بمرور الوقت زاد عدد الإصابات بشكل جنوني وخلال أسابيع قليلة كي يتجاوز عتبة المليون مصاب قبل أن يصل اليوم إلى 10 ملايين، وارتفعت الوفيات لتصل لمئات الآلاف، وأغلق الاقتصاد أبوابه، وتوقفت الأعمال، وخسر الملايين وظائفهم، واستمر الفيروس في الانتشار حتى وصل إلى البيت الأبيض وأصاب ترامب وعددا من إدارته وطاقم مساعديه، ورغم ذلك استمر ترامب في الاستخفاف والإنكار. "كوفيد-19" كانت هذه هي كلمة السر، تقول صحيفة "بوليتيكو" (POLITICO) الأميركية، التي التقطها جو بايدن وحملته الانتخابية، والتي كان عليها أن ترسل رسالة عكسية لكل ما يقوله ترامب حول الفيروس سواء ما يتعلق بارتداء الكمامات، والالتزام بالتباعد الاجتماعي، ووقف التجمعات الكبيرة، واتباع إجراءات النظافة والسلامة..إلخ باعتبارها السبيل الوحيد للحصول على ثقة المواطن الأميركي، وكسب صوته في الانتخابات، وهو ما حدث.

"أصبحت مؤمنا أن كل شيء مرتبط بالقدر، ولا شيء غيره" هكذا قال بايدن لصديقه المقرب فريد سيرس قبل 4 عقود، وذلك حسبما تنقل صحيفة "واشنطن بوست" (Washington Post) عن هذا الأخير في تقرير لها نشرته أواخر شهر أغسطس/آب الماضي. وللقدر، بخيره وشرّه، حكايات مع بايدن عبر مسيرته. فقد دخل العمل السياسي من أوسع أبوابه حين تم انتخابه عضوا في مجلس الشيوخ الأميركي أوائل السبعينيات من القرن الماضي، ولم يكن وقتها قد وصل 30 من عمره؛ ولكنه قبل أن يحلف اليمين الدستورية بأيام، وصله خبر وفاة زوجته الأولى نيليا وابنته نعومي في حادث سير أصاب ولديه بو وهانتر، وهو ما أصابه بجرح نفسي لم يفارقه منذ ذلك الوقت.

ولعله القدر، ولا شيء غيره، هو الذي هزم العنيد ترامب، وأوصل بايدن إلى البيت الأبيض، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة