ماكرون ومشروع "الصحوة الجمهورية" وحرية التعبير

ماكرون يعنف شرطيا إسرائيليا.. صورة الأسبوع في "سباق الأخبار"
(الجزيرة)

تسبب خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي في توتر وجدل لم يتوقفا بعد، سواء داخل فرنسا أم خارجها، وقد تبع الخطاب وقائع عدة: كقتل المدرس الفرنسي الذي عرض الرسوم الكاريكاتيرية الساخرة، والهجوم على كنيسة فرنسية، والهجوم على نساء مسلمات في باريس، وإعادة الدولة لنشر الرسوم، ومقاطعة البضائع الفرنسية، وغير ذلك.

تشكل هذه الوقائع ما أسميته -في مقال سابق- "حدثا"، ومن سمات الحدث التركيب والتعقيد والترابط بين حلقاته، ومن ثم يمكن أن تختلف زوايا النظر إليه وطرائق معالجته؛ نظرا لتعقيداته. فهو يجمع بين الديني (الموقف من الإسلام في فرنسا) والثقافي (كيفية تعريف الهوية الفرنسية وعلمانيتها) والسياسي (التنافس السياسي وصعود اليمين المتطرف والتدخلات السياسية الفرنسية حاليا) والقانوني (قانون حرية التعبير) والتاريخي (الإرث الاستعماري لفرنسا).

وقد ناقشت في المقالين السابقين جزئيتين تتصلان بالحدث: الأولى أهمية التمييز بين منهج معالجة الحدث ومنهج معالجة الفعل المحدد (كقتل المدرس؛ لأجل عرض الرسوم)، والثانية: الجدل الفقهي الإسلامي حول حكم ساب الرسول- صلى الله عليه وسلم- وما إذا كان يمكن تنزيله على هذه الواقعة، خصوصا أن هذا الحكم الفقهي التاريخي قد أُقحم في سياق الحدث الجاري؛ لتسويغ فعل القتل. أما هذا المقال الثالث فيعالج جزئية ثالثة من الحدث تتصل بمضمون خطاب ماكرون ومفهومه للعلمانية وحرية التعبير التي استُخدمت غطاء قانونيا وقيميا للدفاع عن الرسوم الساخرة.

انشغل الإعلام والناس بالرسوم نفسها، وصارت هي الحدث الذي تدور من حوله الوقائع، وأن شرعية عرضها لا قانونية معارضتها إنما تنبع من قيمة راسخة من قيم الجمهورية الفرنسية، وهي حرية التعبير؛ لكن خطاب ماكرون الذي استمر نحو 70 دقيقة شديد الأهمية وأوسع من ذلك بكثير.

دار الخطاب حول محور أساس هو "الصحوة الجمهورية"، بحسب التعبير الذي استعمله ماكرون في أكثر من موضع، وقد نفى -منذ البداية- أن يكون ثمة مشكلة في العلمانية الفرنسية؛ فالمشكلة إنما هي في الإسلام، بحسب تشخيصه. ورغم أنه أكد على عدم وصم المسلمين جميعا، وأن ثمة خطرا يتمثل في ما أسماه "الانفصالية الإسلامية"، فإن المدقق في نص خطابه يمكن أن يميز بين مستويين:

المستوى الأول: الحديث عن الإسلام كديانة تعيش أزمة، وهنا يقول "الإسلام ديانة تمر اليوم في أزمة في جميع أنحاء العالم"، وهذه الأزمة "تعتري الإسلام أينما تغلغل وأفسد بأشكاله وإغواءاته المتطرفة، وبتطلعه إلى الجهاد المبتدع المتمثل في تدمير الآخر"، ويتأكد هذا المعنى عندما يشير إشارة موجزة إلى أن أديانا أخرى تمتعت بهيكل ذاتي سمح لها بالتنظيم والتوافق مع قيم الجمهورية، ويفهم من السياق أن الإسلام ليس كذلك، وأنه لا تتوفر فيه تلك البنية أو الهيكلية الملائمة، ثم حين تحدث عن قانون عام 1905 قال إنه حين تم تشريع القانون لم يكن الإسلام حاضرا في فرنسا كما هو الآن، ومن ثم "فإننا أمام واقع لا يتوافق تنظيمه مع أساليبنا أو أدواتنا الخاصة"، والأهم من ذلك أنه تحدث عن "هيكلة الإسلام" في فرنسا وعن إنشاء "إسلام التنوير" الذي يتخلص في أنه يتوافق مع قيم الجمهورية.

المستوى الثاني: الحديث عن الإسلام السياسي، وهو الذي يعنيه عند الحديث عن "الانفصالية الإسلامية"، وأنها "مشروع سياسي ديني يتجسد في تناءٍ متكرر عن قيم الجمهورية، وغالبا ما ينعكس في إنشاء مجتمع مضاد" يبتدع قيما أخرى، وينشئ تنظيما موازيا "يفضي -على نحو تدريجي- إلى رفض حرية التعبير وحرية الوجدان والحق في التجديف". ويوضح أن هذه "المشاريع الدينية السياسية التي نراها في جميع بقاع العالم" هي أحد مظاهر أزمة الإسلام، أما ممثلو هذه الانفصالية فهم -كما يرد في الخطاب- "الوهابيون والسلفيون والإخوان المسلمون"، وبعضهم وإن نشأ كحركة سلمية؛ إلا أن أشكال تعبيرهم تطورت تدريجيا "حتى أصبحت متطرفة بحدّ ذاتها".

تتمثل إستراتيجية ماكرون الشاملة لمواجهة هذه "الانفصالية الإسلامية" في 5 محاور هي: (1) اتخاذ تدابير قانونية تسمح بالتدخل لحفظ "النظام العام" للجمهورية، وإزاحة ما ينافيه (كتخصيص وجبات طعام خاصة في مطاعم المدارس أو تخصيص أوقات معينة للنساء في المسابح، وكذلك بعض السلوكيات في القطاع الطبي والعمراني مما يخل بالمساواة بين الجنسين..)، (2) ضبط نشاط الجمعيات التي توفر أنشطة رياضية أو ثقافية أو فنية أو لغوية؛ لأنها -بحسب ماكرون- "ترمي في الواقع إلى غسل الأدمغة"، ومراقبة تمويلها وأنشطتها ونقلها من قانون 1901 إلى قانون 1905 الذي يهدف إلى تعزيز العلمانية، ويفرض قيودا معينة ونظاما ضريبيا خاصا، (3) مراقبة المدرسة لحماية الأطفال "بصورة كاملة إزاء أي إشارة دينية أو ديانة"؛ لأن المدرسة هي "المكان الذي نربي فيه الضمائر لدى الأطفال ليصبحوا مواطنين أحرارا وعقلانيين وقادرين على اختيار حياتهم". فمهمة المدرسة أن تغرس قيم الجمهورية لا قيم دين من الأديان، (4) بناء إسلام التنوير في فرنسا الذي يتوافق مع قيم الجمهورية، ومساعدة "هذه الديانة على تنظيم نفسها لتكون شريكا للجمهورية"، وذلك من خلال المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي أنشأته الدولة. ولم يُخفِ ماكرون أنه سيمارس "ضغطا هائلا" عليه، وأنه سيتم إعادة "هيكلة الإسلام" من خلاله بهدف "تحرير الإسلام في فرنسا من التأثيرات الأجنبية"، وهذا التحرير يقوم على أمرين: التحرر من "الإسلام القنصلي" الذي تتولاه قنصليات دول المغرب والجزائر وتركيا، ومراقبة التمويل الأجنبي. (5) جعل الجمهورية محبوبة من جديد وإعادة "إدخال الجمهورية في حياة الناس بصورة ملموسة".

وإذا تأملنا مظاهر هذه الانفصالية الخارجة على قيم الجمهورية سنجدها ممثلة -بحسب ماكرون- بأفكار وممارسات دينية إسلامية مثل الحجاب والنقاب، ووجبات الطعام الخاصة (الحلال) في المدارس، والاختلاط في التعليم والمسابح، وتعليم الموسيقى، وغيرها؛ ولكن بعض هذه المسائل (كالحجاب والطعام الحلال) يشكل ممارسة عامة لجمهور مسلمي فرنسا؛ ما يعني أنهم سيُصنَّفون -بحسب ماكرون- انفصاليين.

يقترب ماكرون في خطابه السابق من اليمين المتطرف الذي يرفض وجود الإسلام في فرنسا؛ ولكن الفارق بينهما أن ماكرون يدرك جيدا أنه لا يمكن تجاهل الواقع القائم، ولذلك فإنه لا يسعى إلى طرد المسلمين

يُظهر الخطاب أن مشروع ماكرون مشروع تبشيري بقيم الجمهورية التي تعلو على كل شيء ولا يزاحمها شيء، ويقوم على استخدام سلطة الدولة وتوسيع تدخلاتها؛ بل إنه من فرط اتكائه على سلطة الدولة يتأسف أن محبة قيم الجمهورية لا يمكن فرضها بقانون، وقد استعمل تعبير "الامتثال" لجميع قوانين الجمهورية؛ والامتثال مفهوم يُحيلنا إلى فكرة المقدس التي تجمع بين الظاهر والباطن، ما يوحي بأن قيم الجمهورية وقوانينها تحولت إلى مقدس حل محل المقدسات الدينية، وفي موضع آخر استعمل تعبير "الجمهوريين الصادقين"، كما تحدث عن "تحبيب الناس بقيم الجمهورية" ما يؤكد فكرة تجاوز ظاهر القانون إلى الضمائر التي ترد مرتين أو أكثر في الخطاب.

وفي لقائه مع قناة الجزيرة عاد ماكرون فأكد مضامين خطابه السابق، وأعاد شرح قيم الجمهورية وتصوراته لها، ولكن هذا الخطاب يضعنا أمام مفهومين مركزيين: العلمانية وعلاقتها بالدين في تصور ماكرون وتيار اليمين، وحرية التعبير وصلتها بأمرين: الممارسة الدينية في المجال العام وبالرسوم التي أصر عليها بوصفها أحد تطبيقات حرية التعبير، وإن زعم لاحقا أنه -شخصيا- لا يؤيدها.

يقترب ماكرون في خطابه السابق من اليمين المتطرف الذي يرفض وجود الإسلام في فرنسا؛ ولكن الفارق بينهما أن ماكرون يدرك جيدا أنه لا يمكن تجاهل الواقع القائم، ولذلك فإنه لا يسعى إلى طرد المسلمين (رغم أنه قال بوضوح لفئة غامضة منهم يصفهم بالانفصاليين: "لا مكان لكم في الجمهورية"). لكنه يسعى إلى تغيير المسلمين عبر ضبط مصادرهم المعرفية والمالية، والتضييق عليهم في ممارساتهم الاجتماعية والدينية من خلال مستويين:

(1) الحركة والنشاط وذلك عبر إحلال الدولة محل الجمعيات الإسلامية؛ بتقديم الخدمات التي تقوم بها تلك الجمعيات والاضطلاع بأدوارها: الثقافية والتعليمية واللغوية والدينية، فقد قال مثلا: إن الدولة ستتولى تعليم العربية لقطع الطريق على تلك الجمعيات.

(2) ويتناول المستوى الثاني التدخل في الخطاب الإسلامي ومضامينه، وهنا يتحدث عن تدريب الأئمة، وتنظيم الدولة للمرجعية الإسلامية في فرنسا، ورصد ميزانية لتوفير تخصص جامعي لدراسة الإسلام والتعمق فيه، وإنشاء معهد لتعليم علوم الإسلام، واعتماد مناهج العلوم الاجتماعية.

إن كلا المستويين من شأنه أن يعيد صياغة الوجود الإسلامي في فرنسا: خطابا وممارسة؛ ليتوافق مع "الصحوة الجمهورية" التي يبشر بها ماكرون، ومن اللافت أنه استعمل في خطابه تعبير "غسيل الأدمغة" الذي يرى أن هذه الجمعيات تمارسه عبر هذه الأنشطة التي تخلت عنها الدولة من قبل.

إنه -وفق هذا التصور- لا يمكن الفصل بوضوح بين الإسلام كديانة والمسلمين كجماعة؛ لعدة اعتبارات: فالدين المجرد وجوده ذهني، ومن ثم فلا بد له من تمثلات حتى يُدرك، وإنما يُدرك للعموم من خلال تطبيقاته وممثليه والمنتسبين إليه على تنوعهم، ولذلك وقع ماكرون في هذا الخلط والتداخل؛ خصوصا أن مشكلته مع الإسلام تكمن في تشريعاته وقيمه المناقضة لقيم الجمهورية، وليس في عقيدته التي تبقى في المساحة الفردية والداخلية، وإنما تندرج هذه الحركة وتلك الأنشطة في شكل الشريعة التي تتم ممارستها والحفاظ عليها بين المسلمين في فرنسا.

ولكن هل يتفق ما سماه ماكرون "الصحوة الجمهورية" بالفعل مع قيم الجمهورية التي تقوم على العلمانية والمساواة والعدالة والحرية؟

يدرك ماكرون اختلاف النموذج الفرنسي للعلمانية عن باقي النماذج، ويقول -في حواره مع الجزيرة- إنه لا يفاضل بين النماذج المختلفة، ولكنه معجب بالنموذج الفرنسي الذي يرده إلى وجود ثقافة فرنسية واحدة ومنسجمة؛ بخلاف النماذج الأخرى التي هي نتاج ثقافات متعددة، وهذا يفسر لماذا بدأ خطابه عبر القول: إن المشكلة ليست في العلمانية، في حين أن مشكلة ماكرون إنما هي في العلمانية الفرنسية نفسها التي يقر -ضمنيا- بأنها تعيش أزمة ويعترف ببعض مظاهرها في الخطاب. ومن مظاهر أزمتها: (1) أنها تشعر بالتهديد من الإسلام وهذا معلن في خطاب ماكرون، (2) وقد أتاح تساهلها للآخر المختلف ثقافيا التمدد في مساحات الحرية الرخوة التي تركتها الدولة، فملأتها الجمعيات ونفَذت من خلالها إلى التعليم والمساجد، (3) وتظهر أزمتها أيضا في ضيقها بالتنوع والتعدد ومقاومته باسم الدفاع عن قيم الجمهورية، (4) وفي صعود اليمين المتطرف الذي يعادي الإسلام والأجانب، ويسعى للتضييق على الحريات، وتقليص حقوق المواطنة.

يقدم خطاب ماكرون واليمين المتطرف عامة تصورا يصطدم مع العلمانية ومبادئ الجمهورية التي يدافع عنها، وبيان ذلك في النقاط الآتية:

أولا: تتفق النماذج العلمانية على حياد الدولة تجاه الدين وعدم التدخل فيه، وقد كرر هذا ماكرون في خطابه المطول وفي لقائه مع الجزيرة، إلا أن معضلة النموذج الفرنسي تكمن في عدم حياده، فهو متوتر تجاه الاختلاف الثقافي والديني في الفضاء العام، ثم إن صحوة ماكرون الجمهورية إنما تتأسس على هذا التوتر؛ لأنها تشعر بالتهديد من الإسلام، ومن ثم فإن مشروعه يتلخص في التدخل في الشأن الديني الإسلامي وفي توسيع سلطة الدولة لتشمل (كل نواحي المجال العام ولتحل محل الجمعيات، ولتشمل القطاع الخاص، وكل المدارس)، وتتناول هيكلة الشأن الديني (بواسطة مجلس رسمي تساهم فيه الدولة نفسها)، والإشراف على صياغة "إسلام التنوير".

ثانيا: المفترض بالنماذج العلمانية أنها تتفق على حرية الضمير، ومن ثم فهي لا تتدخل في ضمائر الناس وعقائدهم وقناعاتهم؛ ولكن ماكرون يريد التدخل لتربية الضمير الفرنسي في المدارس وصياغته وفق النموذج الفرنسي الذي يتبناه، والذي يرفض التنوع والتعددية، ولا يتسامح معها حتى على مستوى وجبة طعام خاصة في مطعم المدرسة. هذا فضلا عن أن صياغته لما يسميه إسلام التنوير الذي يتفق مع قيم الجمهورية يُخل بحرية الضمير والاختيار الحر للمواطنين؛ لأننا في هذه الحالة أمام فرض نموذج يُراد فرض الامتثال له ظاهرا وباطنا بواسطة القانون والعقوبات والضغط النفسي والتخويف.

ثالثا: معضلة حرية التعبير (وفق النموذج الذي يدافع عنه ماكرون) أنها تثير إشكالات عدة تتناقض مع قيم الديمقراطية الليبرالية؛ فهي تخل بقيم المساواة والعدالة والحرية من خلال:

(1) انحيازها ضد فئة دينية مستضعفة وغير قادرة على المشاركة في تقرير مصيرها ولا ممارسة حق النقد وحرية التعبير عن ضميرها في الفضاء العام، وكل هذا يخل بفكرة الديمقراطية الليبرالية والإرادة الحرة للمواطنين؛ بل يُراد ألا يُسمح لها حتى بتحديد نمط الحياة الذي يلائمها في المجتمع؛ بحجة تناقضه مع قيم الجمهورية.

(2) إن حرية التعبير ليست -ولن تكون- مطلقة في أي بلد ديمقراطي؛ لأنها ستبقى مقيدة بقيود تنظمها التشريعات القانونية، ومن هنا لا بد من التمييز بين عدة ثنائيات هي محل نقاش وليست محسومة؛ ولكن ماكرون وآخرين يقفزون فوقها حين يُصورون أن المسألة واضحة وبسيطة، وتتمثل هذه الثنائيات في التمييز بين حرية التعبير والسب والقذف، وبينها وبين التشهير أو التحريض على الكراهية أو ممارسة العنصرية، وفي التمييز بين نقد الفكرة والنيل من الأشخاص أو الرموز أيا كانوا، وفي التمييز بين حرية التعبير من جهة، والاستفزاز وإثارة النزاعات من جهة أخرى.

 

حرية التعبير تستلزم وجود تعددية ديمقراطية؛ لأنه لا يمكن لعموم الأفراد أن يتمثلوا رأيا واحدا، ولا يقتصر الأمر على الآراء السياسية فقط دون غيرها؛ بل كذلك الدينية، وحين يتم تقييد حرية مجموعة دينية من المواطنين في التعبير عن أنفسهم تكون مقولة حرية التعبير قد وقعت في تناقض داخلي وأخلّت بفكرتي الحرية والمساواة بين المواطنين، وتكون قد استخدمت لنفي ذاتها ولو جزئيا

إنه من غير المبرر أن يتم الخلط بين هذه الأمور جميعا؛ بحجة حرية تعبير غامضة وفوضوية، ومن المؤكد أن أي تمييز بين تلك الثنائيات على المستويين الأخلاقي والقانوني سيضع حدودا لحرية التعبير نفسها، وهذا التمييز ضروري؛ لأن حرية التعبير حق للأفراد، ولكنه حين يمس حقوق الآخرين سيخضع لمعايير وموازنات قانونية وأخلاقية، هذه الموازنة ستكون بين حق الفرد في ذاته وحق الآخر وحق الجماعة ككل خصوصا عندما يترتب على حرية التعبير إثارة توترات وانقسامات وعمليات عنف.

فحرية التعبير تستلزم وجود تعددية ديمقراطية؛ لأنه لا يمكن لعموم الأفراد أن يتمثلوا رأيا واحدا، ولا يقتصر الأمر على الآراء السياسية فقط دون غيرها؛ بل كذلك الدينية، وحين يتم تقييد حرية مجموعة دينية من المواطنين في التعبير عن أنفسهم تكون مقولة حرية التعبير قد وقعت في تناقض داخلي وأخلّت بفكرتي الحرية والمساواة بين المواطنين، وتكون قد استخدمت لنفي ذاتها ولو جزئيا. فحرية التعبير لا تتحقق بمجرد السماح للمختلفين بالوجود في الفضاء العام؛ بل لا بد أيضا من ضمان حقهم في التعبير عن أنفسهم في المجال العام، وإلا ستنعدم الحرية التي يتم التفاخر بها، وستتناقض هذه الممارسة مع خصائص الديمقراطية الليبرالية.

رابعا: المتأمل لخطاب ماكرون يرى أنه يتمركز حول فكرة القانون والقوننة باسم قيم الجمهورية، مع أن قيم الجمهورية ليست مجرد سلطة قانون. يتجاهل ماكرون هنا أن القانون تعبير عن الجماعة ومصالحها لا عن توجهات سياسية وانتخابية، ومن ثم فليس القانون سقف التصورات والقيم؛ بل يُفترض به أن يكون معبرا عنها، ومن ثم فلا يصح نقل النقاش من المستوى الفلسفي والأخلاقي حول القيم نفسها وتطبيقاتها إلى القانون وتصوير الخلاف حول بعض تطبيقات القيم على أنه خروج على القانون. يمكن للقانون أن يتغير وأن يتم اختيار تشريعات أخرى مغايرة بما يعبر عن مصالح الجماعة (كتقنين عملية تناول الرموز الدينية المتضمنة للإساءة مثلا).

ليس القانون مطلقا ولا مقدسا، ولا يصح التعامل معه على أنه الحاسم الوحيد في خلافاتنا الفلسفية والأخلاقية؛ لأنه في هذه الحالة سيتحول إلى آلية لإخضاع المختلف ثقافيا ودمجه في نموذج أحادي، أو سيتحول إلى سيف مسلط على شريحة معينة من مواطني الدولة لحشرهم في الزاوية وممارسة الضغوط الاجتماعية والسياسية عليهم، وهذا سيخل بقيم الجمهورية التي تقوم على حرية الضمير والمساواة والعدل بين المواطنين.

تتجاهل هذه القوننة التي يعبر عنها ماكرون الفرق بين القانوني والأخلاقي، فالإباحة القانونية لا تعني -بالضرورة- الإباحة الأخلاقية، فإذا شرع القانون حرية التعبير من حيث المبدأ، ثم سكت عن حكم بعض تطبيقاتها (كإهانة الرموز الدينية مثلا) فليس معنى ذلك الصمت القانوني أو حتى الإباحة القانونية أن ذلك الفعل أخلاقي؛ إذ لا تلازم بين القانوني والأخلاقي، ومن ثم فإن الإباحة القانونية لا تستلزم التحريض على ذلك الفعل المباح والدفاع عنه؛ بل قد يكون الواجب الأخلاقي في هذه الحالة حمل الناس على ممارسة حرية التعبير بمسؤولية؛ لضمان صيانة مصالح الجماعة واستقرار المجتمع وبقاء لحمته، بحيث لا يتسبب ذلك الفعل المباح قانونا في إثارة الانقسامات والتوترات داخل الجمهورية؛ فنحن هنا أمام تعارض بين قيمتين: إباحة قانونية وإخلال بقيمة أخلاقية.

على سبيل المثال، أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى إدراك بعض المذاهب الفقهية الإسلامية قديما لتعقيدات مسألة "السب والشتم" للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- من قبل أصحاب العقائد المخالفة للإسلام، ولذلك ميزوا بين نوعين من السب: (1) سب هو من صلب اعتقاد صاحبه المخالف دينيا لعقائد المسلمين، (2) وسب لا صلة له بالمعتقد، وإنما هو اختيار شخصي، ومن هنا حاولوا أن يضمنوا الموازنة بين حرية المعتقد الديني للمخالف وبين فعل الإساءة والإيذاء للآخرين؛ ولكن العلمانية الفرنسية تتعامل مع هذا الأمر بسطحية بالغة، وتفتقر إلى مثل هذه الرؤية التركيبية بعيدا عن توتراتها الداخلية.

خامسا: رغم أن ماكرون يذكر في خطابه مرتين -أو أكثر- أهمية كرامة الإنسان، وأنه لا بد من إضافة هذا المعيار لمراقبة نشاط الجمعيات وإلزامها به، فإنه يقع في انتقائية شديدة في استعمال هذه القيمة التي هي محل تسليم من الجميع، فهو يستعمل احترام كرامة الإنسان فقط حين يتعلق الأمر بالحجاب أو النقاب؛ لكنه حين يتعلق بإهانة المعتقدات والمشاعر الدينية -عبر الرسوم الكاريكاتيرية- يتحول إلى المبدأ العام، وهو حرية تعبير وينسى مفهوم كرامة الإنسان؛ أي إن ماكرون يستند إلى مبادئ ومقدمات عامة هي محل اتفاق، ولكنه يراوغ في تطبيقاتها التي هي محل نقاش وخلاف شديد وتتطلب نقاشات مجتمعية لا الذهاب إلى سلطة القانون ابتداء.

يتلخص مشروع ماكرون إذن في الانتقال من "علمنة الدولة" إلى "علمنة المجتمع" والدخول في الضمائر، فإذا كانت علمنة الدولة هي محل اتفاق داخل المجتمع الفرنسي وتعني حياد الدولة تجاه الاعتقاد أو عدم الاعتقاد، فإن علمنة المجتمع تقوم على تدخل الدولة في خيارات الأفراد وحرياتهم باسم الدفاع عن قيم الجمهورية، ومن ثم لن يكونوا أحرارا، وهذا النمط الجديد من علمنة المجتمع هو محل جدل داخل فرنسا نفسها، وقد سبق لجون بوبيرو أن سماه "العلمانية المزيفة"، ويرفع لواءها الآن اليمين الأوروبي، وهي تتحول إلى أداة استبداد ضد الأفراد والجماعات؛ لأنها تخالف الشرط الأساسي للعدالة بين المواطنين، والمسلمون هم أول ضحاياها.

يوضح خطاب ماكرون وما تبعه من وقائع أن الأزمة هي داخل فرنسا لا خارجها ولا في الإسلام كديانة عمرها 14 قرنا، وتلاقحت مع حضارات عريقة وممتدة عربية وفارسية وتركية وأوروبية. ففرنسا اليوم خائفة على هويتها المتخيلة وعلى ثقافتها التي كانت -بحسب تصور ماكرون- واحدة ومنسجمة، والإسلام أحد عوامل هذا التهديد؛ خصوصا مع صعود اليمين المتطرف داخل أوروبا عامة، ومع المشروع الإماراتي الذي يلتقي تماما مع أفكار اليمين المتطرف في محاربة الحضور الإسلامي والإسلام السياسي معا، وهذا يفسر لماذا اصطف محور السعودية الإمارات إلى جانب ماكرون في أزمته؛ بل ذهبوا أبعد من ذلك إلى القول: إن حملات المقاطعة والغضب الإسلامي ضد الرسوم الكاريكاتيرية هي من فعل جماعات الإخوان المسلمين، وسماهم ماكرون بالفئة القليلة والراديكالية.

يواجه الوجود الإسلامي في فرنسا اليوم تحديا كبيرا ومعقدا على 3 مستويات: (1) فمن جهة يعاني من فوضى وانقسامات داخلية على المستويين التنظيمي والفكري بين جماعات أيديولوجية شعبية مختلفة من الإخوان والسلفيين وغيرهم. (2) ومن جهة ثمة تدخل خارجي في الجمعيات والهيئات الإسلامية الأوروبية، سواء من دول المنشأ كالمغرب والجزائر وتركيا، أم من دول الصراع السياسي كالإمارات التي تتسع إستراتيجيتها في محاربة الإسلام السياسي لتشمل الساحة الأوروبية، (3) ومن جهة ثمة الجهود الداخلية لبعض الدول الأوروبية كفرنسا التي تريد أن تتولى بنفسها الشأن الديني الإسلامي على طريقة أنظمتنا العربية؛ لاستئناس الدين واستتباعه لتوجهات النظام القائم.

وفي مجابهة ذلك التحدي المثلث سيكون على المُنظرين الإسلاميين والفقهاء إعادة التفكير في الأسس النظرية وبعض الأحكام الشرعية التي يراد منعها بسلطة الدولة (كالحجاب والطعام والعلاقات بين الجنسين…)، وقد شغل السؤال عن حكم الإقامة في الغرب تفكير المسلمين ردحا من الزمن إلى أن تكيفوا معه على أساس فكرة مركزية، وهي أن شرعية العيش والتجنس والاندماج في تلك المجتمعات قائمة على حرية ممارسة الشعائر الدينية؛ ولكن إستراتيجية ماكرون واليمين المتطرف عامة ستضعهم في ورطة وخيار صعب في حال انعدام تلك الحرية: فعليهم إما تقديم تأويلات جديدة تتكيف مع الواقع الجديد الذي يراد فرضه، أو مغادرة تلك البلاد إذا لم تعد حرية الممارسة الدينية مكفولة، أو لجوء فئات منهم إلى المقاومة بالعنف تحت هذا الضغط الهائل الذي يعيشه مسلمو فرنسا وغيرهم، ومن ثم سنكون أمام صدام متطرفين من الجانبين. ولله الأمر من قبل وبعد.