مقالات

ثمن شخصنة علاقات الرياض بترامب وكوشنر

(الجزيرة)
(الجزيرة)

يُتوقع أن تتعرض علاقات المملكة السعودية مع الولايات المتحدة لاختبار قاس مع مغادرة الرئيس دونالد ترامب البيت الأبيض في 20 يناير/كانون الثاني المقبل، وشهدت علاقات الرياض بواشنطن خلال حكم الرئيس ترامب تطورات تاريخية اختلفت تماما عما عرفته علاقات الدولتين منذ بدايتها قبل ما يزيد عن 75 عاما. فقد سعت الرياض على يد ولي العهد محمد بن سلمان لتأسيس نمط علاقات جديد من خلال شخصنة العلاقات لنحو غير مسبوق بين البيت الأبيض وبيت الحكم السعودي، وهو ما يؤدي لتهديد استمرار إستراتيجية العلاقات بين الدولتين.

على يد الرئيس ثيودور روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود، تم التأسيس لعلاقات خاصة وإستراتيجية تمحورت حول ضمان واشنطن أمن السعودية وأمن حدودها، مقابل توفير النفط للولايات المتحدة وللأسواق العالمية بأسعار مناسبة، ولم تكن العلاقة قائمة بالأساس على أي كيمياء شخصية بين زعيمين، ولا على أدوار يؤديانها في تصورات الآخر عن مستقبل المنطقة، بعد أشهر من اللقاء توفي الرئيس روزفلت، وبعد 7 سنوات توفي الملك عبدالعزيز، وخلف الملك عبدالعزيز أولاده بدءا من الملك سعود ثم فيصل ثم خالد ثم فهد ثم عبدالله ومن ثم الملك سلمان. وعلى الجانب الأميركي جاء الرئيس الديمقراطي ترومان، والجمهوري أيزنهاور، والديمقراطي كينيدي، والديمقراطي جونسون، والجمهوري نيكسون، والجمهوري فورد، والديمقراطي كارتر، والجمهوري ريغان، والجمهوري بوش الأب، والديمقراطي كلينتون، والجمهوري بوش الابن، ثم الديمقراطي أوباما، وصولا لدونالد ترامب.

ولم تؤثر وفاة ملك سعودي أو تغيير رئيس أميركي في ثوابت علاقات الرياض وواشنطن، ومن هنا صمدت العلاقات الخاصة بينهما أمام أزمات كبرى؛ منها على سبيل المثال تبعات حرب أكتوبر/تشرين الأول على سوق النفط، والثورة الإيرانية، وغزو العراق للكويت، وأحداث 11 سبتمبر/أيلول والربيع العربي والاتفاق النووي وقانون جاستا.

ومع وصول ترامب للحكم في يناير/كانون الثاني 2017، وما تبعه من وصل محمد بن سلمان لولاية العرش في يونيو/حزيران من العام نفسه، انتقلت العلاقات الإستراتيجية الخاصة بين الدولتين إلى علاقات شخصية تعتمد على الكيمياء بين ترامب وصهره جاريد كوشنر من جانب، وولي العهد السعودي من جانب آخر.

ويعرض الكاتب الشهير بوب ودورد فى كتابه "الخوف: ترامب في البيت الأبيض" كيف تم بناء علاقات خاصة بين صهره كوشنر ومحمد بن سلمان، وكيف أنه كان يتم استبعاد كبار الدبلوماسيين الأميركيين من لقاءات كوشنر مع بن سلمان الفردية، والتي كانت تمتد لساعات الصباح الأولى.

كشف كتاب بوب ودورد "الغضب" عن تفاخر الرئيس ترامب بأنه أنقذ محمد بن سلمان من تدخل الكونغرس بعد اغتيال جمال خاشقجي، وأضاف ترامب "لقد نجحت في إقناع الكونغرس بأن يتركوه وشأنه".

وأشار بعض المعلقين إلى مخاطر تعرض مستقبل العلاقات السعودية الأميركية للخطر؛ بسبب ما أطلق عليه البعض "تحالف بن سلمان وجاريد كوشنر". ويعرض الكاتب كيف تم بناء علاقات خاصة بين كوشنر وبن سلمان، إذ خول لكوشنر التخطيط لزيارة ترامب الأولى الخارجية والتي أخذته إلى الرياض. اعتقد كوشنر، وفقا لوودورد، أن الزيارة تخدم هدف جمع السعودية وإسرائيل في جبهة واحدة ضد إيران، وهو ما يمهد الطريق لحوار مباشر بين الرياض وتل أبيب لاحقا.

وأثارت خطوات كوشنر تجاه السعودية قلقا في أوساط الأجهزة الأميركية، واشتكت وزارات مثل الخارجية والدفاع وأجهزة الاستخبارات من أن أساليب كوشنر، التي تعتمد على العلاقات الشخصية بدلا من القنوات الدبلوماسية والسياسية المتعارف عليها، لها مخاطر كبيرة خاصة مع عدم اطلاع مسؤولي الإدارات المختصة على فحوى ما يدار بينهما خلف الأبواب المغلقة.

وهزت جريمة قتل الكاتب الصحفي جمال خاشقجي علاقات الدولتين، خاصة مع الموقف الذي اتخذه البيت الأبيض بالوقوف إلى جانب محمد بن سلمان.

وكشف كتاب بوب ودورد "الغضب" عن تفاخر الرئيس ترامب بأنه أنقذ محمد بن سلمان من تدخل الكونغرس بعد اغتيال جمال خاشقجي، وأضاف ترامب "لقد نجحت في إقناع الكونغرس بأن يتركوه وشأنه".

ما خرج حتى الآن من جانب الرئيس المنتخب جو بايدن وأركان إدارته، تجاه السعودية غير مبشر على الإطلاق لولي العهد السعودي، ربما يكون توقيع اتفاق مع إسرائيل هو الجائزة أو العربون، الذي تقدمه الرياض للإدارة الجديدة بعدما اصطدم رهانها على ترامب بخسارته الانتخابات.

وكان بايدن قد انتقد في عدد من اللقاءات الصحفية خلال حملته الرئاسية بشدة الدعم غير المحدود، الذي يقدمه ترامب لولي العهد السعودي، وأشار بايدن إلى أن ترامب يجد مبررات لولي العهد السعودي بعيدا عن الحقائق، وهذا يضر بالولايات المتحدة وسمعتها الدولية، ودعا بايدن كذلك لإنهاء الدعم الأميركي للحرب السعودية على اليمن.

في النهاية، مثل سعي ولي العهد محمد بن سلمان في التأسيس لعلاقات مع الولايات المتحدة معتمدة على شخصنة العلاقات لنحو غير مسبوق بين البيت الأبيض وبيت الحكم السعودي تهديدا لإستراتيجية العلاقات بين واشنطن والرياض في مقتل.

وضاعفت سيطرة محمد بن سلمان على كل مراكز القوة داخل منظومة الحكم السعودية المتشعبة إلى نهاية وجود علاقات متشعبة أميركية مع مراكز الدولة السعودية الأمنية والاقتصادية والعسكرية والسياسية.

تجميع كل هذه الدوائر في يد محمد بن سلمان، واستثماره الواسع والشخصي في إدارة ترامب، وتهكمه على الديمقراطيين ينبئ بإعادة مراجعة واسعة للعلاقات الثنائية من جانب واشنطن.

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة