مقالات

نظرات وعبرات | مبارك يا عرب.. فاز "جوترامب"!

(أسوشيتد برس)
(أسوشيتد برس)

مبارك يا عرب، أخيرا فاز "جوترامب" في انتخابات الرئاسة الأميركية.. صبرتم ونلتم، تعبت عيونكم لطول النظر في شاشات التلفزيون والهاتف المحمول ومواقع الإنترنت، وتعبت حناجركم من النقاشات الجوفاء والجدال الذي لا نهاية له، وأخيرا جاءت توقعاتكم في محلها، وفاز مرشحكم العتيد "جوترامب" بالرئاسة، فهنيئا لكم، ثم هنيئا لكم.

لا أدري لماذا استفزني هذه المرة حجم التغطية الإعلامية العربية للانتخابات الأميركية، رغم أنها تتشابه مع سابقاتها، مما اضطرني إلى التوقف مؤقتا عن مواصلة الحديث حول أصل حكاية كورونا، للتعليق على هذه الظاهرة المتكررة، والوقوف على أبعادها، وما يترتب عليها، وما إذا كانت ستستمر على ما هي عليه أم ستتجه إلى معالجة نوعية تأخذ باعتبارها ظروف المنطقة وتطلعات الجمهور المخاطب.

 

ألا تفكر المؤسسات الإعلامية العربية في المسؤولية الأخلاقية تجاه جمهورها، وأولوياته وقضاياه واهتماماته، والآثار الفادحة المترتبة عليه بسبب هذه التغطيات؟

 

انتخابات أميركية أم عربية؟

لا ينتظر الإعلام العربي حدثا مثلما ينتظر الانتخابات الأميركية، في دورات متتابعة كل ٤ أعوام، استعدادات مبكرة، خطط شاملة، موازنات مفتوحة، تغطيات على مدار الساعة، قائمة طويلة من الضيوف الثابتين والمتغيرين، من سياسيين وأكاديميين وخبراء ومحللين، مذيعون ومراسلون ينتشرون في العاصمة والولايات الكبرى، أفلام تعريفية، ورسومات توضيحية، الكثير من الأسئلة والقليل من الإجابات المفيدة، تنام وتصبح على المعلومات والآراء المكررة ذاتها على مدى أيام متتالية، متابعات خجولة موجزة لأهم الأحداث العربية والدولية، تكاد لا تظهر في زحمة التفاصيل الكثيرة المملة عن الحياة السياسية في الولايات المتحدة وولاياتها وتركيبتها السكانية واتجاهاتها السياسية والاجتماعية، وسط منافسات محمومة بين وسائل ومنصات الإعلام المختلفة، حتى داخل المؤسسة الواحدة.

وشيئا فشيئا يندمج الجمهور العربي مع الحدث، ويصبح جزءا منه، وسرعان ما تضج منصات التواصل الاجتماعي بالآراء والتعليقات من كل حدب وصوب، وكأن الأمة العربية في عرس انتخابي لزعيمها القومي؛ ولم لا!.. لقد بدا الأمر وكأنه أكثر من ذلك، بدا وكأن الرئيس الأميركي هو الحاكم الفعلي للدول العربية، حتى إن وسائل الإعلام الرسمية في العديد من الدول العربية تبنت تأييد مرشح ضد آخر، وكأن تأييدها هذا هو عنصر الحسم الرئيسي في فوز أحد المرشحَين. ألا تفكر هذه المؤسسات في المسؤولية الإعلامية الأخلاقية تجاه جمهورها، وأولوياته وقضاياه واهتماماته، والآثار الفادحة المترتبة عليه بسبب هذه التغطيات؟

أبعاد الظاهرة

نكتفي في هذا الصدد بالوقوف عند البعدين السياسي والإعلامي، في محاولة لفهم هذه الظاهرة وخلفياتها، بدون أن نغفل أثر البعدين الاجتماعي والنفسي فيها.

أولا: البعد السياسي

الولايات المتحدة هي الشريك القسري القهري المفروض على كل الدول العربية، الحليفة منها وغير الحليفة، فالظروف العربية الراهنة المحلية والإقليمية، والتي لا تريد أن تنتهي، تسمح للولايات المتحدة بقدر كبير من التدخل، ودون مقاومة، في شؤون الدول العربية سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وذلك لأسباب كثيرة، نذكر منها ما يأتي:

  • هشاشة الأنظمة السياسية، وضعف اقتصاداتها.
  • اعتماد الأنظمة على القهر والاستبداد.
  • التجاوزات الأخلاقية المترتبة على الممارسات الاستبدادية والقمعية.
  • افتقاد الأنظمة للشرعية الدستورية الممثلة للشعب تمثيلا حقيقيا.
  • افتقاد الأنظمة للدعم الشعبي المبني على إرادة حرة.
  • انفجار الصراعات المسلحة في عدد من الدول العربية.
  • تفاقم الأزمات البينية على مستوى معظم الدول العربية.
  • انهيار المؤسسات الإقليمية.

مثل هذه الأسباب، تجعل الدول العربية حريصة على استمالة الإدارات الأميركية المتعاقبة، وعدم الاصطدام معها، ضمانا لبقائها في السلطة، وتعزيزا لتحالفها معها، وتجنبا للوقوع تحت مطرقة الابتزازات والعقوبات، أو تجنبا لضغوطها الداخلية عليها، وزعزعتها لاستقرارها أمنيا وسياسيا، أو تجنبا لانقلابها عليها، واستبدالها في أسوأ الظروف.

ولأن جميع المؤسسات الإعلامية العربية المتخصصة بمثل هذه التغطيات، والقادرة على تحمل نفقاتها المالية، هي مؤسسات تندرج تحت ما يُعرف بـ"الإعلام الحكومي"؛ أي الإعلام التابع للأنظمة الحاكمة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن من البديهي أن تخضع هذه المؤسسات لتوجيهات هذه الأنظمة ومصالحها في تغطية مثل هذه الأحداث.

ثانيا: البعد الإعلامي

تخضع عملية تخطيط وإنتاج المحتوى الإعلامي للمؤسسات الإعلامية (الحكومية) العربية على وجه الخصوص؛ للعوامل الرئيسية التالية:

  1. توجيهات النظام الحاكم ومصالحه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
  2. حجم الحدث وأهميته المحلية والإقليمية والدولية.
  3. طبيعة الجمهور المخاطب، ومدى اهتمامه بالحدث محل التغطية.
  4. حجم المنافسة في السوق الإعلامية العربية.

    ويمثل العامل الأول العمود الفقري للتغطية، ويهيمن بصورة تعسفية على سائر العوامل الأخرى، وخاصة عندما يكون حجم مصلحة النظام مرتفعا في الحدث الذي يجري تغطيته. وطبعا؛ هذا التعسف لا يعني احتلال التغطية لسائر مساحة البث على نحو ما نرى في تغطية الانتخابات الأميركية؛ ولكن يعني بدرجة أساسية إعطاء أهمية خاصة لمصلحة النظام في التغطية. ومن هنا نجد المؤسسات الإعلامية العربية (الحكومية) في تغطيتها للانتخابات الأميركية، تجاوزت الاعتبارات الإعلامية المهنية في الجوانب التالية:

1.  تخصيص الغالبية العظمى من مساحة البث لحدث لا يعدو كونه مجرد انتخابات دورية، ورغم الخصوصية التي تحتلها هذه الانتخابات، كونها تجري في الدولة القطب المهيمنة على العالم في العصر الراهن، وما يترتب على نتيجة انتخاباتها؛ يؤثر بصورة أو بأخرى على المشهد السياسي والاقتصادي في معظم دول العالم، ولا بد من متابعة ما يجري فيها، وترقب نتيجتها، واستقراء ما سيترتب عليها، ورغم ذلك تبقى انتخابات روتينية تخص بالدرجة الأساسية دولتها وشعبها، ويمكن للجمهور العربي، بكل مستوياته، متابعتها المتعمقة عن طريق خمس الوقت المخصص لها على أكثر تقدير.

2.  جاءت التغطية على حساب القضايا الرئيسية التي تحتل اهتمام الجمهور العربي، والتي لم يعد لها مكان إلا على شكل مواجز سريعة في ثنايا حصص تغطية الانتخابات، ما أثر كثيرا على قدرة الجمهور على متابعة قضاياه الأساسية الإقليمية والدولية.

3.  اعتماد موازنات إضافية للتغطية في غير محلها، وحسب ما ذكرت آنفا، فإن التغطية كان يمكن أن تؤدي دورها المطلوب على أفضل وجه بخمس الوقت المخصص لها على الأكثر، وهذا يعني توفير 4 أخماس الموازنة المعتمدة للتغطية.

4.  رغم كل ذلك، غابت الأهداف الإستراتيجية للتغطية لدى الجميع.

وقد كان للمنافسة بين المؤسسات الإعلامية العربية في هذه التغطية، حتى على مستوى منصات المؤسسة الواحدة، دور كبير في زيادة التخمة والضجر لدى الجمهور العربي، الذي يصعب عليه الوقوف على أي تميز يذكر بين مؤسسة وأخرى؛ إلا بقدر تفاوتها في التوجهات السياسية، والضوابط التحريرية.

مخاطر هذه التغطية للانتخابات الأميركية

الغريب في شأن المؤسسات الإعلامية العربية المنخرطة في تغطية الانتخابات الأميركية، أنها مملوكة لأنظمة سياسية غير ديمقراطية، ومن شأن زيادة مساحة التغطية، والمبالغة في عرض التفاصيل الدقيقة للتجربة الأميركية على النحو الذي شهدناه؛ أن يتسبب في العديد من المخاطر، لما تتركه هذه التغطية المكثفة على الجمهور العربي من آثار سلبية لا تحمد عقباها، ومن ذلك على سبيل المثال:

1.  الانبهار بالتجربة الديمقراطية، وزيادة الإيمان بها لدى النخب العربية والشباب، كحل للتوتر السياسي الذي تشهده المنطقة العربية.

2.  زيادة الإحساس بحجم الاستبداد القائم في الدول العربية، وممارساتها القمعية لمصادرة الإرادة الشعبية، وشطب حق الشعب في المشاركة السياسية الحرة.

3.  زيادة الإحباط النفسي والشعور بالحرمان لدى الجمهور العربي المتابع لتفاصيل هذه التجربة الانتخابية الهائلة على كافة المستويات، بينما لا يملك هو الحد الأدنى من حرية الرأي والتعبير والمشاركة السياسية.

4.  زيادة الإحباط لدى الجمهور العربي، بسبب اليأس من إصلاح الواقع السياسي المحيط به، واليأس من إمكانية فتح صفحة جديدة في تاريخ الأمة تقوم على العدالة والحرية والمساواة.

5.  زيادة الإحساس بالفجوة الهائلة بين مستوى الديمقراطية العربية والديمقراطية الأميركية خاصة والغربية بشكل عام، وزيادة الإدراك بأن ما يدور في بلداننا عبارة عن مسرحية هزلية، كاتبها وممثلها ومخرجها وجمهورها هو النظام الحاكم، والغائب الوحيد هو الشعب المقهور.

6.  زيادة الإحساس لدى الشباب خاصة، بضرورة التمرد على الاستبداد، والمطالبة بالحرية والشفافية والحق الدستوري الكامل في الترشح والانتخاب، بعيدا عن أي ضغوط أو قمع أو ترهيب أو مصادرة.

 

ختاما، نقول مبارك للشعب الأميركي فوز جو بايدن، ونقول مبارك للعرب فوز "جوترامب".

إن الجمهور العربي ينتظر من المؤسسات الإعلامية العربية، أن تقدم له تغطية إعلامية مهنية متوازنة لسير عملية الانتخابات الأميركية، ولكن ليس بهذه الطريقة.

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة