مقالات

رسالة أرمن تركيا إلى أوروبا: الحرب في ناغورني قره باغ ليست حربا دينية

(رويترز)
(رويترز)

في الأسبوع الماضي وفي الوقت الذي كانت التحركات المعادية للإسلام التي يتزعمها الرئيس الفرنسي ماكرون تجتاح الشارع الأوروبي، كان رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان يشارك في مراسم جنازة في إحدى الكنائس الأرمنية في إسطنبول، ليوجه بذلك رسالة قوية إلى أوروبا خصوصا والعالم أجمع عموما.

 

كانت الجنازة التي شارك فيها أردوغان لعضو البرلمان عن حزب العدالة والتنمية ماركر أسيان، الذي كان يصارع مرض السرطان منذ مدة، وقد تكون وفاة ماركر أسيان وسيلة وفرصة عرف من خلالها الكثير من الناس عن وجود رجل أرمني مثّل الحزب في البرلمان، وكان عضوا في مجلس القرار المركزي لحزب العدالة والتنمية.

والحقيقة أن ماركر أسيان كان اسما له وزن وثقل واحترام، أضِف إلى ذلك أنه كان معروفا بهويته الأرمنية، وكان قد شغل منصب مساعد الرئيس العام ومسؤولا عن ملف حقوق الإنسان في الحزب -وكنت قد عملت معه فترة من الزمن- كان ماركر يمثل الأرمن، ويمثل جميع الأقليات الدينية، ويعمل على التوعية بالصعوبات الممكنة، ويبذل قصارى جهده من أجل تخطيها وحلها.

وفاة ماركر أسيان، التي كانت وسيلة لزيارة رئيس الجمهورية التركية أردوغان مع أعضاء من أركان الدولة لكنيسة أرمنية في الوقت الذي يحتدم فيه الصراع بين أرمينيا وأذربيجان في ناغورني قره باغ، ويقع فيه تداول خطابات الكراهية والعداء، أثبتت أن هذه الزيارة تحمل في طياتها دلائل إيجابية.

في الواقع، يعد وضع الأرمن في تركيا مختلفا كليا عما يسعى الشتات الأرمني للترويج له في أوروبا، فالشتات ومن خلال الدعاية المشوهة والفعالة في الوقت نفسه يسعى لإقناع العالم بأسره بأن أحداث عام 1915 كانت مذابح إبادة عرقية ضد الأرمن، وأنه لا مكان للأرمن أو للأقليات في تركيا وغير مسموح لهم بالوجود حتى، كانت هذه الوفاة وهذه الجنازة فرصة للاطلاع على جميع التفاصيل المتعلقة بأحوال الأرمن في تركيا. وكما قال بطريرك الأرمن في تركيا الأب إسحاق مشاليان الذي ترأس المراسم الجنائزية في كنيسة الأم مريم، فإن وفاة ماركر أسيان بكل ما فيها من ألم وحسرة كانت وسيلة وفرصة لحدوث أمور خيرة.

 

لا شك بأن وفاة ماركر أسيان، التي كانت وسيلة لزيارة رئيس الجمهورية التركية أردوغان مع أعضاء من أركان الدولة لكنيسة أرمنية في الوقت الذي يحتدم فيه الصراع بين أرمينيا وأذربيجان في ناغورني قره باغ، ويقع فيه تداول خطابات الكراهية والعداء، أثبتت أن هذه الزيارة تحمل في طياتها دلائل إيجابية. وقد تكون مشاركة بهذا المستوى هي الأولى في تاريخ الجمهورية، وهذا ما يجعلها تحظى بأهمية كبرى. وعلى الرغم من أن هذه المشاركة هي الأولى من نوعها؛ إلا أن ذلك لا يعني أنها لم تُقترح من قبل، وإنما لم يحن الوقت بعد لتنفيذها. فتاريخيا، لم تكن هناك مشاكل بين الدولة التركية والأرمن، ولا وجود لأي دواع لظهور ضغائن في المستقبل كذلك.

 

وحسب قول الأب مشاليان، فإن ماركر أسيان كان مثال تركيا على الوحدة التي جمعت بين المسلمين والأرمن على مدار 1400 عام مرت، إذ قال "ماركر أسيان، هو أحد أبناء الأرمن الذين تعايشوا مع المسلمين لمدة 1400عام، والذين استوعبوا وفهموا خلاصة حكم قرون طويلة، وقد انتهج أفضل موقف سياسي، إذ آمن بقدسية بقاء الدولة والوطن الذي ينتمي إليه، ورأى أن دولته هي الأحق بإخلاصه ووفائه، واختار أن يخدم شعبه ويعيش فرحه وحزنه وسعادته وكدره متحدا ومترابطا مع أبناء وطنه تحت راية واحدة، فهذا جوهر ما سميناه (بالأمة الصادقة)، وهذا هو الموقف الذي يتعين على جميع أبناء الشعب تبنيه والسير عليه وليس الأرمن فقط".

 

كنت قد صادفت في أحد مقالات ماركر قوله "تذكرت عندما قرأت على وسائل التواصل الاجتماعي في منتصف يوليو/تموز جملة (لا تجعل الأذان يصمت) معلومة قديمة مفادها بأن أجراس الكنائس سوف تصمت لو صمتت المآذن" (17 مارس/آذار 2018).

 

لطالما آمن ماركر أسيان بضرورة قيام تركيا جديدة ترفع من شأن الجميع، ويسعى الجميع كذلك من أجل رفعتها، وكان قد أراد أن يكون له نصيب من هذه القضية العظيمة؛ إذ كتب في السابق "هذه الدولة لنا جميعا.. إذ ينبغي أن يشعر الجميع -بغض النظر عن الأطياف- بكل ما فيهم من ميزات وفروق، يجب أن يشعروا أنهم مواطنون من الدرجة الأولى، أن يشعروا بالأمان والحرية، فمثل هذه المشاعر هي ما تتأسس عليه وحدتنا" هكذا كان ماركر أسيان وجماعته.

 

عقّب الأب مشاليان على زيارة رئيس الجمهورية أردوغان إلى كنيسة أرمنية ليشارك الأرمن حزنهم رغم ما يدور هذه الأيام من صراع حاد في منطقة ناغورني قره باغ، بكلمات تحمل الكثير من الرسائل المهمة إذ قال "ليست الحرب المؤسفة في القوقاز حربا دينية، تماما مثل الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، إنها في الحقيقة عقدة صعبة خلفتها العقلية الإمبريالية، وتتمحور حول السيطرة على الأرض؛ لكن ليست الحروب والصراعات سوى تفاصيل بالنسبة لشعوب تجاورت طيلة قرون طويلة بصداقة وسلام، وتبقى الصداقة المشتركة هي الأساس، ولا مجال للحديث أو التشكيك في الدور المهم والقيّم، الذي يؤديه رئيس الجمهورية التركية بشكل شخصي من أجل بناء هذه الصداقة.. أرجو من الله ان يجعلكم وسيلة لإحلال السلام والرفاهية ولتفريق غيوم الحرب السوداء.. سيدعو لك شعبك من الأرمن بالصحة والعافية".

 

أردوغان، بدوره وفي رده على هذه الكلمات، قال في خطابه "كما كنا حتى اليوم، سنستمر في دعم أبناء الجماعة الأرمنية، الذين يشكلون طيفا مهما من أطياف تركيا القوية".

 

كان خطاب كلا من بطريرك الأرمن في تركيا وخطاب رئيس الجمهورية مهما، خاصة في الوقت الذي نشهد فيه دعم بعض الدول لأرمينيا فقط لأنها مسيحية، رغم تقبل العالم أجمع فكرة أنها تحتل منطقة ناغورني قره باغ، ومع ظهور موجة عنصرية بغيضة ضد المسلمين في أوروبا، لا شك في أن كلا يتصرف على شاكلته.

 

 

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة