مقالات

كورونا أصل الحكاية | لماذا عام 2020؟

(شترستوك)
(شترستوك)

تذكر دائما أن أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، ليست مجرد أهداف تنموية لتحسين ظروف الحياة في الدول النامية، وإنما هي أهداف تحويلية شاملة تستهدف البشر في كل دول العالم، المتقدمة منها والنامية، للانتقال إلى مرحلة جديدة تتحكم فيها التكنولوجيا في معظم مجالات الحياة؛ السياسية والاقتصادية والتعليمية والصحية والحقوقية والبيئية والمناخية، وقد قررت دول العالم مجتمعة الدخول في هذا التحوّل عام 2015 لاستكمال تحقيقه في المجالات المختلفة عام 2030، وقد قدّرت الأمم المتحدة تكلفته السنوية بحوالي 6 تريليونات دولار على مدار 15 عاما، أي حوالي 6.8% من إجمالي الناتج المحلي العالمي السنوي، الذي وصل إلى 87.7 تريليون دولار عام 2019.

 

هل كان لظهور جائحة كورونا علاقة بخطة أهداف التنمية المستدامة؟ هل كانت الأمم المتحدة أو شركاؤها في التنمية بحاجة إلى مثل هذا الحدث لتحريك العالم باتجاه زيادة التجاوب مع أهداف التنمية المستدامة، وإحداث التحول المطلوب؟

 

سد الفجوة المالية الهائلة

هذه التكلفة السنوية الضخمة جعلت من تنفيذ خطة التنمية المستدامة 2030 أكبر عملية إنفاق عرفتها البشرية على الإطلاق، وبلا شك، سيتسابق القطاع الاستثماري بشقيه الحكومي والخاص على السواء، سعيا للفوز بنصيب من أرباح الاستثمار في آلاف المشروعات، التي تحتاجها عملية تحقيق أهداف التنمية المستدامة وإحداث التحول المنشود. هذه التكلفة الضخمة، يقابلها في الوقت نفسه معاناة شديدة، لدى معظم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، من أزمات اقتصادية متلاحقة، جعلتها تئن تحت وطأة الديون وفوائدها.

حيث بلغ حجم الديون العالمية في نهاية مارس/آذار 2018، 247 تريليون دولار، بزيادة قدرها 25 تريليون دولار عن العام الذي قبله، حسب معهد التمويل الدولي (IIF)، وارتفع حجم الدين المحلي في الدول النامية من 36% من إجمالي الناتج المحلي عام 2012 إلى 15% عام 2018، مما سيجعل نصيب الأسد في هذه المشروعات لصالح الدول الغربية المتقدمة ذات الاقتصادات القوية، والمؤسسات الاستثمارية الضخمة، الأقدر على تمويل المشروعات، والأكثر استقرارا ونجاحا وانتشارا ونفوذا وتمتعا بالحماية الدولية. إضافة إلى الكيانات الاستثمارية الطفيلية المرتبطة بها، وسيكون لهذه الدول والمؤسسات الدور الأكبر في قيادة عملية تحويل العالم عن طريق تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، على نحو ما سنرى في المقالات القادمة بإذن الله.

بعد مرور 4 سنوات

انطلقت أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة مع بداية عام 2016، وسيطرت أهدافها الـ17 على اهتمامات الشركاء، الذين حملوا على عاتقهم تحقيق هذه الأهداف مع حلول عام 2030، وعلى رأسهم الدول الأعضاء ومنظمات الأمم المتحدة والقطاع الخاص. وبدأ العمل بوتيرة متسارعة على مستوى هذه الجهات الثلاث، فتشكلت المنظمات واللجان، وتعاقبت المؤتمرات بانتظام، وصدرت الخطط والكتب والتقارير التعريفية والإرشادية والتحفيزية، وانطلقت المبادرات المتخصصة من هنا وهناك، وهرع النشطاء من كل حدب وصوب محليا وعالميا، كل يدلي بدلوه في هذه العملية التحويلية الضخمة، التي تخضع لها البشرية، وتوالت التقارير الدورية تتابع الأداء وتقيس معدلات الإنجاز، وترصد المشكلات وتقترح الحلول.

وفي يونيو/حزيران من كل عام، يجتمع المنتدى السياسي رفيع المستوى في نيويورك ليراجع سير الأداء في أهداف التنمية، ويرفع تقريره لقمة الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر/أيلول من كل عام.

تتابعت السنوات، وصدر تقرير الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2019، ورُفع إلى القمة المنعقدة في سبتمبر/أيلول، ليقرع ناقوس الخطر من جديد، حيث لم يبق على تنفيذ الخطة سوى 10 سنوات، ورغم تحقيق تقدم في بعض المجالات؛ إلا أن هناك مجالات كثيرة ما زالت تحتاج إلى اهتمام جماعي عاجل، فالبيئة الطبيعية آخذة في التدهور بمعدل ينذر بالخطر، والتحرك يتم ببطء شديد لإنهاء المعاناة الإنسانية وخلق الفرصة لجميع الناس، وأصبح هدف إنهاء الفقر المدقع بحلول 2030 معرضا للخطر، مع تفاقم الحرمان المترسخ، والنزاعات العنيفة، والافتقار إلى الخدمات الصحية الأساسية.

تقرير المنتدى السياسي رفيع المستوى المرفوع للقمة عام 2019، تفاءل بأن العالم سيدخل قريبا عقدا حاسما لكل من الأجيال الحالية والمقبلة، ولكل أشكال الحياة على هذا الكوكب، وتقع على عاتق العالم مسؤولية جعله عقدا للعمل والتنفيذ لتحقيق التنمية المستدامة. ما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في القمة، إلى إطلاق العنان للتحولات الاجتماعية والاقتصادية اللازمة لإنجاز أهداف 2030، عن طريق "التمويل، والقدرة على الصمود، واستدامة الاقتصاد وشموله للجميع، وإقامة مؤسسات أكثر فعالية، والعمل على المستوى المحلي، وتحسين استخدام البيانات، وتسخير العلم والتكنولوجيا والابتكار بتركيز أكبر على التحول الرقمي"، وشدد على أن 2019 هي السنة الحاسمة لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وعلى أن العقد القادم هو عقد العمل والحركة.

العام 2020 هو بداية انطلاق عقد العمل والحركة، الذي شدد عليه الأمين العام للأمم المتحدة، وهو عام الاحتفال بمرور 75 عاما على تأسيس الأمم المتحدة، وهو عام الهوية الرقمية "آي دي 2020" (ID2020)، وهو عام جائحة كورونا

الشركاء الكبار

هذا الحماس لدى الأمين العام بعقد قادم مليء بالعمل والحركة والالتزام والإنجاز بدءا من عام 2020 وحتى 2030، مبعثه ما يلي:

1.  الإرادة الدولية على مستوى القمة، حيث يتم رعاية التحول على مستوى قمة دول العالم، وبمتابعة سنوية مباشرة على أكثر من مستوى وأكثر من تخصص.

2.  الإصرار على تحقيق الأهداف وإحداث التحول، وعدم السماح لأي دولة بالتخلف عن الركب.

3.  تفاعل الدول الأعضاء مع الخطة، وإدماجها بنسب متفاوتة ضمن برامجها الوطنية في مختلف القطاعات.

4.  مشاركة القطاع الخاص بثقله في عملية التنمية المستدامة.

5.  ضخامة المشروعات التي يجري العمل على إنجازها، والتي تتشارك فيها دول العالم وتتكامل جهودها وخبراتها وقدراتها.

6.  المبادرات الكبرى التي انطلقت للمساهمة في إحداث التحول في عدة مجالات.

7.  الجهود الكبيرة التي تبذلها منظمات الأمم المتحدة والمنظمات المختصة لرصد المشكلات ووضع الحلول وتجاوز العقبات.

8.  وأخيرا وليس آخرا، أن خطة التحول تسير في اتجاه واحد لا رجعة فيه، وأنه مهما بلغ من المشكلات والعقبات التي تواجه الخطة، فإنه سيتم التغلب عليها بصورة أو بأخرى.

ساهم فتح الباب لتنويع الشركاء بدور كبير في زيادة الثقة في هذه الخطة، وزيادة الفرص أمامها لتحقيق أهدافها في نهاية المدة المحددة، أو في نهاية مدد تالية، ويقف على رأس هؤلاء الشركاء 4 شركاء رئيسيين يتحملون العبء الأكبر، ويقومون بالدور الأكبر في تنفيذ الخطة، وهم:

1.  الدول الأعضاء التي تتوجه إليها كافة برامج الخطة، على مستوى وطني أو دولي، وتتحمل مسؤولية كبيرة في تمويل المشروعات، وتنفيذ البرامج والاتفاقيات وتطوير التشريعات والإجراءات والسياسات.

2.  القطاع الخاص، الذي سيستثمر مليارات الدولارات في مشروعات الخطة في شتى المجالات.

3.  منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، المتخصصة في كافة مجالات التحول الواردة في خطة التنمية المستدامة.

4.  منظمات المجتمع المدني، وخاصة الكبرى منها التي تنفذ مشروعات سنوية بمليارات الدولارات.

هؤلاء الشركاء وحدهم، هم من يتحملون عبء تمويل عملية التحوّل، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

كورونا وعام 2020؟

العام 2020 هو بداية انطلاق عقد العمل والحركة، الذي شدد عليه الأمين العام للأمم المتحدة، وهو عام الاحتفال بمرور 75 عاما على تأسيس الأمم المتحدة، وهو عام الهوية الرقمية "آي دي 2020" (ID2020)، وهو عام جائحة كورونا. فهل كان لظهور الجائحة علاقة بخطة التنمية المستدامة؟ هل كانت الأمم المتحدة أو شركاؤها في التنمية بحاجة إلى مثل هذا الحدث لتحريك العالم باتجاه زيادة التجاوب مع أهداف التنمية المستدامة، وإحداث التحول المطلوب؟

وبعيدا عن الاستطراد في التحليل وسرد الاعتبارات المنطقية في الاتجاهين، فقد لفت نظري كثيرا أن أبحث في وثائق وتقارير خطة التنمية المستدامة، وما ورد في تقرير تمويل أهداف التنمية لعام 2018 من تفاصيل كثيرة تخص عالم ما بعد التحول، وأذكر هنا أمرين اثنين أثارا عندي الكثير من الفضول، لعلاقتهما بما شهده العالم في فترة الإغلاق بسبب جائحة كورونا، وهذان الأمران هما:

الأول: التكنولوجيا البيولوجية

حيث ورد في جدول التقنيات المستجدة الضرورية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs) بحلول عام 2030، في الصفحة 161 من تقرير تمويل أهداف التنمية المستدامة 2018، تحت عنوان: "التقنيات المستجدة الحاسمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030″، أن مجال التكنولوجيا الحيوية يشمل علم الجينوم والبروتيوميات، وتقنيات تعديل الجينات، وتسلسل الحمض النووي المصمم خصيصا، والكائنات الحية المعدلة وراثيا، والخلايا الجذعية والهندسة البشرية، والتحفيز الحيوي، وعلم الأحياء الاصطناعية، وتكنولوجيا الزراعة المستدامة.

وهي تدخل في أهداف التنمية المستدامة الخاصة بـ: صحة الإنسان، والأدوية، والمحاصيل الغذائية، والمواد، والبيئة، والوقود.

وذكر أن من المهددات المحتملة لهذا النوع من التكنولوجيا: استخدامها في المجال العسكري، وأنها تغييرات لا رجعة فيها على الصحة والبيئة. وهو شبيه بما سمعناه كثيرا من عدد من الشخصيات الدولية الرائدة في جائحة كورونا، من أن العالم بعد كورونا ليس هو العالم قبل كورونا، وأن العالم لن يعود إلى ما كان عليه إلا بعد اكتشاف لقاح للفيروس، والتأكد من تطعيم كافة البشر في الكرة الأرضية.

الثاني: كيفية الحصول على العمل اللائق

حيث ورد تحت عنوان "التقنيات الجديدة وأسواق العمل" في الصفحة 152 من تقرير تمويل أهداف التنمية المستدامة لعام 2019، أن سوق العمل سيتأثر كثيرا؛ بسبب زيادة دخول التكنولوجيا في سوق العمل، حيث من المتوقع أن ينخفض عدد الوظائف من 10% إلى 50% في الدول النامية، مما سيؤدي إلى زيادة البطالة إلى أكثر من ربع القوى العاملة، كما أنه سيؤدي في المقابل إلى تخفيض في تكلفة الإنتاج. ويرى التقرير أن الحصول على العمل اللائق يكون بالتركيز على الإنتاج بدلا من الموظف الكامل، واقترح التقرير على صانعي السياسات في الدول الأعضاء تعديل السياسات والتشريعات وآليات الضمان الاجتماعي، بما يمنع القطاع الخاص من تقويض الحماية القائمة للعمالة، والعمل على رفع المهارات التقنية للعمال بما يتناسب مع العصر الرقمي.

وقد تم إخضاع هذا الأمر إلى التجربة العملية الواسعة على مستوى العالم وفي معظم قطاعات سوق العمل، أثناء الإغلاق الذي شهده العالم بسبب جائحة كورونا في النصف الأول من هذا العام.

فهل كانت "كورونا" بمثابة إطلاق غير رسمي لصافرة البداية للتحول باتجاه العالم الجديد؟

ما زال الوقت مبكرا للإجابة الحاسمة على هذا السؤال.

 

 

 



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة