الطابور الخامس الشعبوي في أوروبا

European Union flags flutter outside the EU Commission headquarters in Brussels, Belgium, May 2, 2018. REUTERS/Francois Lenoir

يعتمد الأمن الأوروبي في الأساس على حلف شمال الأطلسي ومبدأ الدفاع المشترك، وعلى التعاون بين أجهزة الاستخبارات الوطنية التي تعمل على منع العنف ضد الناس والأصول الوطنية. ولكن في عصر حيث أصبحت التهديدات تأتي من متطرفين محليين فضلا عن قوى فاعلة تابعة لدول أو غير تابعة لدول بعينها تسعى إلى تقويض المؤسسات الديمقراطية، فإن كل هذا لم يعد كافيا.

في السنوات الأخيرة، عمل تبادل المعلومات الاستخبارية على إعاقة مخططات إرهابية لا حصر لها من قِبَل متطرفين إسلاميين وجماعات يمينية متطرفة. لكن الفشل في تبادل المعلومات عبر الحدود أسفر أيضا عن وقوع هجمات مروعة في بروكسل، ومانشستر، ومدن أخرى.

بعد طول تأخير، بدأت أجهزة الأمن الأوروبية أيضا التركيز على التهديد الذي تفرضه روسيا على الديمقراطية الليبرالية. على مدار الدورات الانتخابية الأخيرة، أثبت الكرملين نجاحه في الإضرار بالعملية الديمقراطية وتلويث الخطاب العام. وما يزيد الطين بلة أن صعود الشعبويين من أقصى اليمين في بلدان رئيسية يعمل على تقويض الجهاز الأمني اللازم لمواجهة العدوان الروسي. ويتطلب تبادل المعلومات الثقة المتبادلة، لكن التحالفات التي وفرت ذات يوم الأساس للثقة أصبحت الآن خاضعة لضغوط متزايدة.

ويتضح هذا بجلاء في مختلف أنحاء أوروبا؛ ففي ألمانيا، أشار رئيس الاستخبارات السابق مؤخرا لصحيفة بيلد إلى أن أجهزة الاستخبارات في النمسا ليست محل ثقة ما دام حزب الحرية اليميني في النمسا شريكا في التحالف الحاكم. ففي شهر فبراير/شباط، اتخذ وزير الداخلية من حزب الحرية في النمسا قرارا غير عادي بإصدار الأوامر بشن غارات شرطية على وكالة الاستخبارات المحلية الرئيسية في النمسا، وإزالة ملفات ومعلومات حساسة.

صعود الشعبويين من أقصى اليمين في بلدان رئيسية بأوروبا يعمل على تقويض الجهاز الأمني اللازم لمواجهة العدوان الروسي. ويتطلب تبادل المعلومات الثقة المتبادلة، لكن التحالفات التي وفرت ذات يوم الأساس للثقة أصبحت الآن خاضعة لضغوط متزايدة

وأبرم حزب الحرية في النمسا "اتفاقية تعاون" مع حزب روسيا المتحدة بقيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ عام 2016. الأمر الأكثر إثارة للقلق والانزعاج هو أن هذه الاتفاقية تقضي بتبادل المعلومات بشأن قضايا تتعلق بالعلاقات الثنائية والدولية. وإذا كان هناك من الأسباب ما يجعلنا نعتقد أن المعلومات تنقل من فيينا إلى موسكو، فربما تُقطَع عن النمسا كميات ضخمة من البيانات اللازمة للتصدي للتطرف والإرهاب. ومع ذلك فإن هذا من شأنه أن يقوض أمن جميع الأوروبيين.

في إيطاليا، أبرم حزب الرابطة اليميني المتطرف، الذي يحكم ضمن ائتلاف مع حركة النجوم الخمسة، اتفاقية تعاون أيضا مع روسيا المتحدة. كما يعارض زعيم الرابطة ووزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، كما جرى تصويره وهو يرتدي قمصان بوتين، وهو زائر منتظم لموسكو.

في المجر، حيث رحب رئيس الوزراء فيكتور أوربان بحرارة بكل من سالفيني ومرشد "اليمين البديل" الأميركي ستيفن بانون، أوردت التقارير أن أجهزة الاستخبارات الروسية حافظت على علاقات وثيقة مع مجموعات اليمين المتطرف لسنوات. وعلاوة على ذلك، يسيطر أوربان وحزبه فيدسز على أغلب وسائل الإعلام، التي تنشر دون تمييز أو انتقاد دعاية الدولة الروسية.

وأخيرا، في بولندا، جرى اتهام أنطوني ماسيريفيتش، الذي أطيح به من منصبه وزيرا للدفاع في يناير/كانون الثاني الماضي، بالحفاظ على علاقات مع مجموعات يمينية متطرفة موالية للكرملين ورجل العصابات الروسي سيميون موجيليفيتش. أثناء توليه منصبه، تسببت محاولات ماسيريفيتش لإعادة تنظيم الجيش ووزارة الدفاع في دفع حلفاء بولندا في حلف شمال الأطلسي إلى التساؤل حول إمكانية الاعتماد على بولندا في مواجهة روسيا.

في كل هذه الأمثلة، لا يكتفي الشعبويون من اليمن المتطرف بإحداث احتكاك بين أجهزة الاستخبارات الوطنية فحسب؛ بل ويعملون بنجاح أيضا على تسييس المؤسسات والأدوات القانونية التي يعتمد عليها الأمن الأوروبي.

على سبيل المثال، كما يعمد الكرملين إلى تسييس الإنتربول (البوليس الدولي) بهدف مضايقة خصومه السياسيين في الخارج، استخدم حزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا حق النقض (الفيتو) كدولة عضو في الاتحاد الأوروبي لمنع واحدة من منتقديه، الناشطة الحقوقية الأوكرانية لودميلا كوزلوفسكا، من دخول منطقة شنغن في الاتحاد الأوروبي.

من العبث أن نعتقد أن ناشطة في مجال حقوق الإنسان يمكن منعها من دخول الاتحاد الأوروبي بسبب انتقاد إحدى الحكومات في حين يُسمَح للقوميين اليمينيين المتطرفين من ذوي البشرة البيضاء من أمثال بانون بالتسكع بحرية في مختلف أنحاء القارة يحرضون على التطرف والخوف من الإسلام. ويتعين على سلطات الاتحاد الأوروبي أن تتحقق من دوافع الحكومة البولندية لضمان عدم استغلال البنية الأمنية في الاتحاد الأوروبي لخدمة أغراض سياسية.

لا يكتفي الشعبويون من اليمن المتطرف في أوروبا بإحداث احتكاك بين أجهزة الاستخبارات الوطنية فحسب؛ بل ويعملون بنجاح أيضا على تسييس المؤسسات والأدوات القانونية التي يعتمد عليها الأمن الأوروبي

منذ غزو شرق أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم في مارس/آذار 2014، شن بوتين حربا هجينة معقدة ضد الغرب، فجمع بين حرب المعلومات والحرب السيبرانية وبين العمليات الخاصة النشطة لعرقلة المؤسسات الأوروبية. ولتحقيق هذه الغاية، يدعم الكرملين بنشاط وقوة الحركات والأحزاب السياسية الشعبوية الأوروبية وجهودها الرامية إلى استغلال التوترات التاريخية وخلق الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي.

تصب مثل هذه الانقسامات في مصلحة بوتين مباشرة. فالغرب المنقسم الذي يعتمد بشكل أقل على التعاون الاستخباراتي يتعرض لمخاطر أعظم كثيرا ويصبح أكثر ضعفا في مواجهة التطرف الداخلي وانعدام الثقة في المؤسسات الديمقراطية. ولا يرغب بوتين في شيء أكثر من تحويل الاتحاد الأوروبي إلى جحيم مقيم.

كيف ينبغي أن يكون رد الساسة والمواطنين المهتمين إذن؟ بادئ ذي بدء، من الواضح أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى إجراء تحقيق شامل في التدخل الروسي في الشؤون الأوروبية، على غرار التحقيق الذي يجريه المستشار الخاص روبرت مولر في الولايات المتحدة. ولابد من تعقب وفضح الروس الذين يمولون الجماعات الشعبوية الأوروبية، ولابد من وقف عمليات الحرب الروسية الهجينة داخل الاتحاد الأوروبي.

علاوة على ذلك، لابد أن يُمنَح اليوروبول الصلاحيات التي يحتاج إليها لملاحقة أولئك الذين يقوضون المصالح الأوروبية. كما تحتاج أوروبا إلى مكتب تحقيقات فيدرالي خاص بها، وكالة لإنفاذ القانون وجمع المعلومات المضادة قادرة على العمل عبر الحدود إلى جانب السلطات على المستوى الوطني.

ولكن لا شيء يمكن أن يحل محل المواطنين المطلعين على الحقائق. ففي أيام الديمقراطية المظلمة هذه، يجب علينا جميعا أن نطالب حكوماتنا بالخضوع للمساءلة، وأن نصر على صيانة حكم القانون ومؤسساتنا العزيزة.



حول هذه القصة

U.S. President Donald Trump speaks about trade relations with President of the European Commission Jean-Claude Juncker in the Rose Garden of the White House in Washington, U.S., July 25, 2018. REUTERS/Joshua Roberts

رغم قدراته الانتقامية التي تبدو غير محدودة، فمن الخطأ تفسير قرار ترامب بسحب التصريح الأمني من جون برينان على أنه أحدث عملية انتقامية من أحد مرتكبي جريمة “الخيانة العظمى”.

opinion by كينت هارينجتون
Published On 27/8/2018
Participants in a march of right-wing groups walk past the Federal Chancellery and carry a banner written with 'Citizen's Alliance Havelland - non-violent, independent, partyless - We are one people' in Berlin, Germany, 07 May 2016. The right-wing populist movement 'Wir fuer Berlin & Wir fuer Deutschland' (We for Berlin & We for Germany) called for a demonstration with the slogan 'Merkel must go.' Multiple alliances of citizens' and left-wing groups and parties

يبدو أن المواجهة بين القومية والعولمة -وليس بين الشعبوية والنخبوية- باتت تحدد شكل الصراع السياسي خلال هذا العقد؛ وحيثما نظرنا تقريبا نجد الارتفاع المفاجئ في المشاعر الوطنية القوةَ الدافعة للأحداث.

opinion by أناتول كالتسكي
Published On 24/6/2018
Participants in a march of right-wing groups walk past the Federal Chancellery and carry a banner written with 'Citizen's Alliance Havelland - non-violent, independent, partyless - We are one people' in Berlin, Germany, 07 May 2016. The right-wing populist movement 'Wir fuer Berlin & Wir fuer Deutschland' (We for Berlin & We for Germany) called for a demonstration with the slogan 'Merkel must go.' Multiple alliances of citizens' and left-wing groups and parties

توقع المعلقون أن 2017 سيكون عام صعود للقوى الشعبوية نحو تسلم السلطة بأوروبا. أو على الأقل، رأوا أنها ستجني مكاسب ليست بالهينة في الانتخابات التي جرت في مختلف البلدان الأوروبية.

opinion by يان ياب دي روتر
Published On 18/7/2017
epa05755132 US President Donald J. Trump (R), with British Prime Minister Theresa May (L), delivers remarks during a joint press conference in the East Room of the White House in Washington, DC, USA, 27 January 2017. Prime Minister May is the first foreign head of state to meet with President Trump at the White House. EPA/SHAWN THEW

كان الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب دونالد ترمب رئيسا لأميركا الرمزين التوأم للثورة الشعبوية ضد النُّخَب العالمية. وبالعكس انتخبت فرنسا -في شخص إيمانويل ماكرون- “رجل دافوس” الأصيل.

opinion by أناتول كالتسكي
Published On 5/6/2017
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة