مقالات

حقوق ترامب المقدسة

قد لا يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يشترك في الكثير من السمات مع دكتاتور كوريا الشمالية كيم جونغ أون، لكن ميول ترامب الاستبدادية تصبح أشد وضوحا بمرور كل يوم.

والواقع أن المقترحات المتعلقة بمساحة السلطة الرئاسية التي كان المرء سيعتبرها سخيفة ومنافية للعقل ذات يوم -سواء من الناحية الدستورية أو وفقا للممارسات المعتادة- تُطرح الآن للمناقشة وكأنها أفكار طبيعية.

وقد يجد كيم في ترامب -وهو أول رئيس أميركي يلتقي بزعيم كوري شمالي (وتلك هدية لكيم حتى قبل بدء المحادثات)- روحا قريبة منه، على الأقل مقارنة بالرؤساء الأميركيين السابقين؛ لكن الفزع كان سيتملك من أنفس مؤسسي أميركا بسبب ما آلت إليه الأفكار التي حرصوا على تكريسها في الدستور الأميركي.

فقد عقدوا العزم على عدم تثبيت ملِك آخر، واعتبروا الكونغرس أكثر أهمية من الرئاسة، فوضعوه أولا في دستور الولايات المتحدة، مع تحديد السلطات الرئاسية في المادة الثانية. والآن يستهدف ترامب مفهوما أساسيا بشكل مباشر: مساءلة الرئيس أمام المواطنين.

اندلع مؤخرا الغضب بشأن المفهوم الملكي للرئاسة الذي يتبناه ترامب، عندما كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن رسائل كتبها محامو الرئيس إلى المستشار الخاص الأميركي روبرت مولر، الذي يتولى قيادة التحقيقات في قضايا متصلة بإعاقة العدالة والتواطؤ المحتمل بين حملة ترامب الرئاسية وروسيا

ورغم ازدياد قوة الرئاسة على مر السنين؛ فإن الكونغرس كان أثناء إدارة ترامب خجولا وخاضعا. وهذا لأن قادة الحزب الجمهوري -الذي يسيطر على كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ- استسلموا للخوف من قاعدة ترامب.

وذلك فإنهم لا يملكون ترف تنفير نحو 30% إلى 35% من الأميركيين الذين يدعمونه بحماسة، ويتجاهلون تجاوزاته الشخصية، ويتحملون إهاناته للخطاب المدني في البلاد، ويفضلون معاملته الوحشية لأسر المهاجرين، ولا يمانعون في جعله الولايات المتحدة بلا أصدقاء تقريبا في العالَم.

تشكل هذه القاعدة نسبة عالية جدا من الجمهوريين الذين صوتوا في الانتخابات التمهيدية، حيث يتم اختيار المرشحين لمجلسيْ النواب والشيوخ.

لا عجب إذن أن يكون أعضاء الكونغرس من الجمهوريين -الذين يشعرون بالقلق من تحديهم في الانتخابات التمهيدية للحزب- عازفين عن إثارة حفيظة هذه القاعدة، التي زرعها ترامب ورعاها. وما دامت هذه القاعدة سليمة فسيظل محتفظا بالقدر الأكبر من قوته.

والواقع أن العدد القليل من الجمهوريين -الذين تحدثوا علنا وبقوة ضد بعض ممارسات ترامب- هم من بين العدد الكبير -بشكل غير معتاد- من النواب الحاليين الذين قرروا عدم الترشح مرة أخرى.

وأغلبهم سئموا من النزعة الحزبية العميقة التي ابتُليت بها السياسة الأميركية، وشبه الشلل في الكونغرس نتيجة لهذه النزعة. لكن مزاعم الرئيس بشأن السلطة أصبحت غير عادية، إلى الحد الذي يجعل حتى بعض الجمهوريين المخلصين يشعرون بالقلق الشديد.

مؤخرا؛ اندلع الغضب بشأن المفهوم الملكي للرئاسة الذي يتبناه ترامب، عندما كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن رسائل كتبها محامو الرئيس إلى المستشار الخاص الأميركي روبرت مولر، الذي يتولى قيادة التحقيقات في قضايا متصلة بإعاقة العدالة والتواطؤ المحتمل بين حملة ترامب الرئاسية وروسيا.

فقد استعرض محامو ترامب ادعاءات سلطوية واسعة النطاق، ونشر ترامب على موقع تويتر موافقته على العديد من هذه الادعاءات، بما في ذلك أن الرئيس يستطيع العفو عن نفسه وبالتالي إبطال أي اتهامات قانونية ضده. وبطبيعة الحال؛ يسارع أولئك الذين يدعون مثل هذه الصلاحية -بما في ذلك ترامب- إلى الإصرار على أنه لن يكون هناك أي سبب لاستخدامها.

هذا الأسبوع؛ تسبب رئيس مجلس النواب بول ريان -الذي كان حتى الآن من مؤيدي ترامب وسمح لبعض أفراد زمرته من الجمهوريين باتخاذ إجراءات غير مسبوقة لتقويض تحقيق مولر- في إثارة الدهشة بواشنطن عندما أعلن أنه يرى أنه من غير الحكمة أن يعفو الرئيس عن نفسه. ويبدو أن ريان كان يعني أنها فكرة سيئة من الناحية السياسية، وليست فكرة سيئة من حيث المبدأ.

الواقع أن ريان -وهو واحد من 44 عضوا جمهوريا في مجلس النواب سيغادرون المجلس بعد هذه الدورة (وربما قبل ذلك إذا ما تمكنت قواته الأكثر تحفظا والمتوترة الآن من فرض إرادتها)- أصدر إعلان استقلال أكثر جرأة.

فقد اتفق مع عضو الكونغرس المحافظ القوي تري جاودي في رفضه لمزاعم ترامب بأن مكتب التحقيقات الفدرالي طلب -في أعقاب ممارسة روتينية- من أحد المخبرين أن ينظر في علاقات مريبة بين مساعدي حملة ترامب وأشخاص روسيين، مرتبطين بنظام الرئيس فلاديمير بوتين.

والواقع أن هجمات ترامب التي لا تلين على مكتب التحقيقات الفدرالي، والتي حطمت الحياة المهنية لكثيرين وأحبطت معنويات المؤسسة التي تلعب دورا بالغ الأهمية في الحفاظ على أمن أميركا؛ أصبحت تمثل تجاوزا أكبر مما ينبغي في نظر جاودي.

يصر محامو ترامب على أن الرئيس لا يمكن استدعاؤه للحضور أمام هيئة محلفين كبرى، وهو السيناريو الذي يحاولون تجنبه بأي ثمن، من أجل منع عميلهم -وهو الغافل المولع بالكذب- من الإدلاء بشهادته تحت القسم، وربما مواجهة الاتهام بالحنث في اليمين أو بشهادة الزور

لكن ترامب نجح فعلا في تخويف نائب المدعي العام الذي يتولى الإشراف على التحقيق في مزاعم تتعلق بمشاركته معلومات بالغة الحساسية مع حلفائه في الكونغرس، في استهزاء بكل السوابق. وكان المفترض أن كل ما عَلِمه حلفاء ترامب سينقل إلى البيت الأبيض، مما يقوض المفهوم الأساسي لرقابة الكونغرس على السطلة التنفيذية.

لكن فريق المحامين عن ترامب زعموا أن صلاحياته الدستورية تمتد حتى إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهم يدّعون مثلا أن الرئيس قادر على إنهاء تحقيق مولر في أي وقت ولأي سبب. كما يزعمون -فضلا عن ذلك- أن ترامب (بوصفه مسؤولا فعليا عن التحقيق) من غير الممكن أن يعتبَر معرقلا للعدالة، لأنه من غير الممكن أن يعرقل نفسه.

ويصر محامو ترامب على أن الرئيس لا يمكن استدعاؤه للحضور أمام هيئة محلفين كبرى، وهو السيناريو الذي يحاولون تجنبه بأي ثمن، من أجل منع عميلهم -وهو الغافل المولع بالكذب- من الإدلاء بشهادته تحت القسم، وربما مواجهة الاتهام بالحنث في اليمين أو بشهادة الزور.

لكن الادعاء الأشد غرابة جاء على لسان عمدة مدينة نيويورك السابق رودي جولياني، الذي انضم إلى فريق الرئيس بعد كتابة الرسائل إلى مولر. فقد أكد جولياني أن ترامب كان بوسعه أن يطلق النار على مدير مكتب التحقيقات الفدرالي السابق جيمس كومي فيقتله في المكتب البيضوي، ولا يتم توجيه الاتهام إليه بأي شيء.

وكان مقصده من هذا التصريح أن الرئيس لا يمكن توجيه الاتهام إليه، ولكن يمكن عزله فقط من قِبَل مجلس النواب، وربما تعقب ذلك إدانتُه من قِبَل مجلس الشيوخ التي تتطلب ثلثيْ الأصوات (أو 67 عضوا في مجلس الشيوخ)، وهو سقف مرتفع للغاية ولا يمكن معه إقالة الرئيس من منصبه.

وعلى هذا؛ يركّز أعضاء فريق الرئيس الآن على ضمان حصوله على تأييد 34 جمهوريا من أعضاء مجلس الشيوخ لإبقائه في منصبه.

لا أحد من خارج التحقيق يعرف الأدلة التي جمعها مولر، وما الذي لا يزال يسعى إلى الحصول عليه. وفي الوقت نفسه؛ يحاول الرئيس تقويض الثقة العامة في التحقيق بمهاجمته بشكل روتيني، في حين يتشاحن مع أقرب حلفاء أميركا ويستعرض التعاطف مع الحكام المستبدين في العالَم.

والواقع أن تصريحات ترامب حول النطاق شبه الملكي لسلطاته لا يحدثنا عن براءته، بل ينبئنا بفزعه ويأسه المتزايد. والآن ينتظر الأميركيون أن يجهر المزيدُ من الجمهوريين بالكلام.



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

الأكثر قراءة