مشكلات منهجية بالعمل الخيري خلال الأزمات الطويلة

In this photo provided by Turkey's Islamic aid group of IHH, Syrians fleeing the conflicts in Azaz region, are seen at a temporary accommodation center set up by the group near the Bab al-Salam border gate, Syria, Friday, Feb. 5, 2016. Turkish officials say thousands of Syrians have massed on the Syrian side of the border seeking refuge in Turkey. Officials at the government’s crisis management agency said Friday it was not clear when Turkey would open the border to allow the group in and start processing them. The refugees who fled bombing in Aleppo, were waiting at the Bab al-Salam crossing, opposite the Turkish province of Kilis.(IHH via AP)

ما من شكّ في أنّ العداء السّافر للعمل الخيري ذي الهويّة الإسلاميّة -لا سيما الفاعل في بلاد الأزمات الطويلة- واستهدافه بتجفيف المنابع، وملاحقة العاملين فيه، وترهيبهم بشمّاعة الإرهاب ودعمه، في حالةٍ تفرضها قوانين التدافع بينَ الخير والشرّ والحقّ والباطل التي تحكم البشريّة؛ قد أسهم في إحداث ارتباكات كبيرة في بنية العمل ومؤسساته وآليّات التنفيذ.

غيرَ أنَّ هذا لا يعني تبرئة العمل من وجود مشكلات في بنيته ومنهجية تعاطيه مع الأزمات الطارئة والطّويلة. وحصرُ المبرّرات لما يعانيه العمل الخيري في عامل المؤامرة وحده هو أسهل التعليلات للخلاص من المراجعة والهروب من استحقاقات مواجهة الذات، وهو الوصفة السّحريّة لإبقاء الحال على ما هو عليه، بل والإيغال في تردّيه.

من أعظم ما يمكن أن يحقّقه العمل الخيري في الأزمات الطّويلة -التي تنطوي على تدمير واسعٍ للبنية البشرية والماديّة، وتفقيرٍ ممنهجٍ وتجهيلٍ كارثيّ- هو فكّ الرّقاب من ربقة الجهل، وتكسير أغلال الفقر، وتحرير المحتاج من العبوديّة وذلّ السؤال

وهنا -في هذا المقال- نحاول تلمّس بعض المشكلات المنهجيّة التي تكتنف العمل الخيري في مؤسّساته وكياناته العاملة في بلاد الأزمات الطويلة، دون سعيٍ لحصرها من جهةٍ أو الغوص في تفاصيل الآليّات التنفيذيّة وإشكالاتها من جهةٍ أخرى.

1- بينَ مقصد الحريّة النظريّ والاستعباد التطبيقي: إنَّ من أهمّ مقاصد العمل الخيري في الفكر الإسلامي تحقيقَ حريّة الإنسان الذي تمثّلُ الحاجةُ والفقر والمرضُ والجهل أبرزَ عناوين استعباده، والعمل الخيري هو إحدى أهمّ بوّابات تحقيق الحريّة.

فمن أعظم ما يمكن أن يحقّقه  في الأزمات الطّويلة -التي تنطوي على تدمير واسعٍ للبنية البشرية والماديّة، وتفقيرٍ ممنهجٍ وتجهيلٍ كارثيّ- هو فكّ الرّقاب من ربقة الجهل، وتكسير أغلال الفقر، وتحرير المحتاج من العبوديّة وذلّ السؤال.

إلَّا أنَّ ما يجري من محاولاتٍ لفرضِ توجّهاتٍ سياسيّةٍ أو فكريّةٍ تتبنّاها الجهاتُ الدّاعمة أو المؤسسات الإغاثيّة والجمعيّات الخيريّة، أو الابتزاز مقابل الانتصار لاتّجاهٍ سياسيّ أو تنظيمٍ أو جماعةٍ فكريّةٍ أو شرعيّةٍ؛ يتناقضُ تمامًا مع الحريّةِ التي ينبغي أن تكون القيمةَ الأسمى عند هذه المؤسسات.

ولا يعدو هذا النّوع من العمل الخيريّ أن يكون نقلًا للإنسانِ إلى شكلٍ جديدٍ من العبوديّة، فتحريرُ الإنسان من الفقر أو الجهل مقابلَ إخضاعِه للتّوجّه السياسي أو الديني هو من صور النّخاسة التي تلقى رواجًا في سوق العمل الخيري.

2- غياب الرّساليّة والإنسانيّة: العمل الخيري عملٌ رساليّ إنسانيّ، وهو سمة المجتمعات الإنسانيّة والشرائع كلّها، غيرَ أنّه بالنسبة للمسلمين يعدّ مرتَكزًا أساسيًّا في البناء والتغيير، منبثقًا من تعاليم الإسلام الذي يحضّ على خدمة الإنسان بغضّ النّظر عن دينه وعرقه وجنسه وجنسيّته وانتمائه.

وهو من أبرز أعمال المجتمع الإسلامي في السّلم والحرب؛ فهو في السّلم زكاةٌ مفروضة وصدقةٌ تبرهن على صدق إيمان صاحبها، وفي الحرب جهادٌ بالمالِ يتقدّم ذكره على الجهاد بالنّفس في عموم النّصوص الشرعيّة، ويستوي في الأجر الباذلُ والعاملُ والسّاعي.

ومن أهمّ أهدافِ العملّ الخيري تحقيقُ وبناء السّلم الأهلي والمجتمعي من خلال إعلاء قيمة الإنسان، وترسيخُ أنّ لهفتَه تُغاثُ فقط لأنّه إنسانٌ بغضّ النّظر عن انتماءاته وأفكاره، وتختلّ هذه السّمة وتغيبُ عندما تغلب على المؤسسات أو العاملين فيها النّظرة الضّيقة، والأنانيّة المناطقيّةُ أو الحزبيّة أو العصبيّة الجاهلة للدّين.

من أهمّ أهدافِ العملّ الخيري تحقيقُ وبناء السّلم الأهلي والمجتمعي من خلال إعلاء قيمة الإنسان، وترسيخُ أنّ لهفتَه تُغاثُ فقط لأنّه إنسانٌ بغضّ النّظر عن انتماءاته وأفكاره، وتختلّ هذه السّمة وتغيبُ عندما تغلب على المؤسسات أو العاملين فيها النّظرة الضّيقة، والأنانيّة المناطقيّةُ أو الحزبيّة أو العصبيّة الجاهلة للدّين

عندها يتمّ فرز النّاس مع طول الأزمةِ وإعادة صياغة المجتمع على شكل كنتونات هويّاتيّة فكريًّا وحزبيًّا وسياسيًّا، بعد تشظّي الهويّة الإنسانيّة الجامعة؛ فيكون غياب الرّساليّة والإنسانيّة واستحكام الأنانيّة الضيّقة في العمل الخيري سببًا في تمزيق هذا النّسيج الاجتماعي، بدل رتقه وإعادة خياطة ما مزّقته الحروب العلنيّة والخفيّة.

3- بين الإسعاف والتنمية: إنَّ التّعامل مع الأزمات الطّويلة بطريقة الإغاثة الإسعافيّة يمثّل إشكالًا عميقًا في منهجيّة تعامل الجمعيّات الخيريّة، فالإسعاف العاجل هو أحد أهمّ صور العمل الخيري الذي يجبُ أن تبادر المؤسسات إلى التحضير له قبل الكوارث المتوقّعة والمرتقبة، كفصل الشتاء والعواصف الثلجيّة التي تستهدف خيام اللاجئين ومواطن مكوثهم، وكذلك الإسراع للنجدة بعد وقوع الطارئ من الكوارث كالقصفِ والتدميرِ والتّهجير المفاجئ.

وقد أسّست الشريعة الإسلاميّة لهذا المعنى في مواضع كثيرة منها ما ينقله الصّحابيّ أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: بينما نحن في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل على راحلةٍ فجعل يضرب يمينا وشمالًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، يقول أبو سعيد: فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حقّ لأحدٍ منّا في فضل.

فقد استشعر النبي صلى الله عليه وسلّم حاجة الرّجل المنكوب دون إلجائه إلى الاستغاثة والاستصراخ، وسارع إلى إسعافه إغاثيًّا مستنفرًا الطّاقات كلّها رغم أنّه كان في سفرٍ، وعادةً ما يكون النّاس في السّفر قليلي المال وفي حاجةٍ إلى كلّ ما يحملونه منه، غير أنَّ هذا النّوع من الإسعاف الإغاثيّ ليس هو الأصل في العمل الخيريّ.

بل إنَّ جوهر العمل الإغاثي والخيري الأصيل يقوم على التنمية الشّاملة لا سيما في الأزمات الطّويلة، التنمية القائمة على الانتقال بمتلقّي المساعدات والمحتاجين إليها من السلبيّة إلى الإيجابيّة والفاعليّة، وبناء الفرد القادر على الاعتماد على نفسه، المساهمِ في الإنقاذ بعد انتشاله من أعماق الحاجة، ونشر ثقافة اليد العليا المعطية وعدم استسهال القبول باليد السفلى الآخذة.

وانتهاج التنمية يفرض على المؤسسات الخيرية العاملة في مجتمعات الأزمات الطويلة استثمار المقدرات المالية، وتحويلها إلى فرص عمل بدل توزيعها بالطريقة النمطيّة. وهذا ما رسّخه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين قدم المدينة، وأراد الأنصار قسمة مزارع النخيل التي يملكونها مع المهاجرين.

فرفضَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هذا التوجّه وأمر بالتحوّل إلى أسلوبٍ آخر، وهو بقاء ملكيّة مزارع النخيل لأصحابها من الأنصار على أن يقوموا بفتح أبواب العمل وتهيئةِ فُرَصِه أمام المهاجرين للعمل في هذه المزارع، على أن تكون الثمرة شراكةً بين الطرفين.

ومن التنمية المطلوبة التّوقف عن البذل المالي النمطيّ للطلّاب، واستثماره في توجيههم إلى التخصصات الدّراسيّة التي يحتاجها المجتمع لتحقيق التحرير والتغيير والبناء والإصلاح المرتجَى، لا سيما في ظلّ هذه العشوائيّة الكبيرة والتّيه عند شباب بلاد الأزمات، وغياب الموجّه الرّاشد الذي يجب أن يكون جزءًا من العمل الخيري التعليمي.

الغاية من العمل الخيري أصلا هي اجتثاث الفقر والقضاء عليه، وإنهاء الحاجة ومظاهرها، وتحقيق عوامل الاكتفاء والاستقرار في المجتمع؛ لكنَّ الاستمرار على المنهجيّة ذاتها القائمة على كون الجمعيّات الخيريّة مجرّد ساعي بريد بين الغنيّ والفقير (تجمع التبرعات وتعيدُ توزيعها)، لا يمكن له أن يحقّق الغاية من العمل الخيري

إنَّ عدم التحول في العمل الخيري من الإغاثة إلى التنمية في الأزمات الطويلة ينذر بتكريس أثرين خطيرين هما:

نشر ثقافة التسوّل الخفي: فعندما يعتاد النّاس استقبال المعونات الماليّة والعينيّة بشكلٍ دوريّ ولمدّةٍ طويلةٍ؛ فإنَّ هذا يساهم في نشر الخمول وصناعة الكسل وتكريس مفهوم التسوّل غير الصّريح، ممّا ينذر بخطر جسيم يتهدّد المجتمع عند انجلاء الأزمة أو انقطاع الدّعم.

والذين تعشّش فيهم هذه الثقافة لا يمكنهم أن يكونوا جزءًا من البناء الذّاتي الشّخصي أو المجتمعيّ العام، فاستمرار الإغاثة النمطيّة في الأزمات الطويلة على قاعدة اصطياد السمك للفقير وعدم تعليمه الصّيد يقضي على المستهدف بالمساعدة؛ فيزيده غرقًا بدل انتشاله والنهوض به ومساعدته في الانطلاق من جديدٍ في دروب الحياة الوعرة.

الإبقاء على الفقر: إنَّ الغاية من العمل الخيري -من حيثُ الأصل- هي اجتثاث الفقر والقضاء عليه، وإنهاء الحاجة ومظاهرها، وتحقيق عوامل الاكتفاء والاستقرار في المجتمع؛ لكنَّ الاستمرار على المنهجيّة ذاتها القائمة على كون الجمعيّات الخيريّة مجرّد ساعي بريد بين الغنيّ والفقير (تجمع التبرعات وتعيدُ توزيعها)، لا يمكن له أن يحقّق الغاية من العمل الخيري.

فما دامت النمطيّة الإغاثية هي السائدة من حيث الابتعاد عن التنمية، وتقطير توزيع التبرعات وتشطيرُها وتفتيتُها تحت فلسفة تعميم الخير على أكبر شريحةٍ أفقيّة؛ فإن ذلك لا يحقّقُ أكثرَ من تقليم بعض فروع شجرة الفقر ومفرزاته التي يزداد جذرها رسوخًا وعودها اشتدادًا.

ومن المؤكّد أنّ مشكلاتٍ منهجيّة عديدة -غير ما ذكرتُه- تكتنفُ عمل الجمعيّات والمؤسسات الخيريّة والإغاثيّة في بلاد الأزمات الطويلة، ولكنّها محاولةٌ لفتح الباب على مراجعاتٍ حقيقيّةٍ وجادّةٍ، تمكّن هذه الجمعيّات من الارتقاء بالعمل، والقدرة على معالجة الوقائع ومجاراة الواقع، وتحقيق الغاية من وجودها إسعافًا وبناءً، والتحصّن في وجه المكائد التي تُحاك وتدبّرُ لها ليلَ نهار.

كما أنّه من المؤكّد أنّ الحديث عن هذه المشكلات لا يبخس مؤسسات العمل الإغاثيّ والجمعيّات الخيريّة دورَها، ولا يقلّلُ من قيمة ما تقوم به في بلاد الأزمات الطّويلة.

فرجالها الذين أريقت دماؤهم لأجل رسم ابتسامةٍ على شفاه يتيمٍ، والذين يقبعون في زنازين الطّغيان، وليس لهم من تهمةٍ سوى أنّهم ركبوا المخاطر لأجل المنكوبين في بلادنا المثخنة بالجراح، شاهدٌ عدلٌ على عظيمِ الدّور والأثر، ودماؤهم وأرواحهم ورسالة العمل الخيريّ تستحقُّ من المؤسسّات الخيريّة والعاملين عليها وقفاتِ مراجعةٍ ومصارحةٍ ومواجهة مع الذات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.