مقالات

كيف تنقذ أوروبا اتفاق إيران النووي

هذا الأسبوع؛ لَفَت مسؤول ألماني كبير انتباهي إلى أن "الاتفاق النووي مع إيران يُعَد الجدار الناري الأخير الذي يمنع التوترات العسكرية بالمنطقة -وهي الأكثر قابلية للاشتعال في العالَم- من التحول إلى حرب نووية".

والواقع أن هذه اللغة مغرقة في التشاؤم إلى حد غير عادي، لكنها تعكس تخوفا حقيقيا من إقدام الرئيس الأميركي دونالد ترمب قريبا على تفكيك خط الدفاع المصيري الذي يشعر الألمان وأوروبيون آخرون بالفخر لمشاركتهم في بنائه (أعلن ترامب فعلا انسحابه من الاتفاق النووي يوم الثلاثاء 8 مايو/أيار).

كان القادة الألمان في حالة ترقب دفاعية منذ يناير/كانون الثاني الماضي، عندما أعطاهم ترمب مهلة أخيرة تنتهي في 12 مايو/أيار "لإصلاح العيوب الفظيعة التي تشوب الاتفاق النووي مع إيران"، وإلا فإنه سيعيد فرض العقوبات على إيران.

وتتلخص اعتراضات ترمب الرئيسية على الاتفاق في أنه لا يعالج سوء سلوك إيران في المنطقة، ولا برنامجها لتصنيع الصواريخ البالستيكية؛ ولا يمنعها من استئناف برنامجها النووي بعد عام 2025.

تتلخص اعتراضات ترمب الرئيسية على الاتفاق في أنه لا يعالج سوء سلوك إيران في المنطقة، ولا برنامجها لتصنيع الصواريخ البالستيكية؛ ولا يمنعها من استئناف برنامجها النووي بعد عام 2025. والآن بعد أن قام ترمب بتعيين فريق جديد متشدد في إدارة السياسة الخارجية؛ يخشى الدبلوماسيون الأوروبيون أن تتدهور الأمور

والآن بعد أن قام ترمب بتعيين فريق جديد متشدد في إدارة السياسة الخارجية، يضم جون بولتون في منصب مستشار الأمن القومي، ومايك بومبيو في منصب وزير الخارجية؛ يخشى الدبلوماسيون الأوروبيون أن تتدهور الأمور.

على مدار الأشهر القليلة المنصرمة؛ كانت الحكومات الألمانية والفرنسية والبريطانية منهمكة في تجميع حزمة من التدابير -بما في ذلك عقوبات محتملة ضد نخب إيرانية- لمعالجة مخاوف ترمب. وقام كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بزيارة البيت الأبيض لإقناع ترمب بأنه من الأفضل البناء على الاتفاق بدلا من هدمه.

في الأمد القريب؛ أمّل الأوروبيون أن تسمح تدابيرهم المقترحة لترمب بإعلان النصر مع البقاء في الاتفاق. وكانوا حريصين على تذكير ترمب بأن الحل الدبلوماسي لأزمة كوريا الشمالية النووية ربما يتوقف على ما إن كان ترمب سيتخلى من جانب واحد عن التزامات أميركا تجاه إيران، بموجب "خطة العمل المشتركة الشاملة".

ولكن في الأمد البعيد، سترتبط قدرة قادة أوروبا على إنقاذ الاتفاق بمدى تمكنهم من التصرف بما يحقق مصالحهم، وليس بوصفهم رهينة لنزوات إدارة ترمب.

من المنطقي أن تحتل قضية إيران الصدارة في الذكرى السنوية الخامسة عشرة لحرب العراق (غزو العراق). فمن منظور الدبلوماسيين الأوروبيين؛ تمثل تلك الكارثة ونجاح "خطة العمل المشتركة الشاملة" طرفي النقيض في السياسة الخارجية.

كان العراق الساعة الأشد حلكة في تاريخ أوروبا بعد الحرب الباردة، حيث اصطفت الدول الأوروبية ضد بعضها بعضا لدعم أو معارضة الحرب، رغم أن أيا منها لم يكن لها أي تأثير حقيقي على القرارات الأميركية.

وعلى النقيض من ذلك؛ تُعَد "خطة العمل المشتركة الشاملة" من نجاحات أوروبا الحديثة اللامعة، ففي محاولة يائسة لتجنب اندلاع حرب أخرى بالشرق الأوسط، بدأ الأوروبيون منذ 2005 في تحديد مصالحهم في المنطقة.

وفي ظل الهدف المزدوج المتمثل في منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، وتجنب نشوب حرب أخرى؛ ابتكر الأوروبيون عددا من أدوات الترغيب والترهيب لتشكيل التصرفات الإيرانية والأميركية.

فعرض الدبلوماسيون الأوروبيون على إيران الاختيار بين مستقبلين: في الأول تجمد إيران برنامجها النووي وتنهي عزلتها الدولية؛ وفي الثاني تستبقي برنامجها النووي وتواجه عقوبات متزايدة القسوة، وربما الحرب.

وفي الوقت نفسه؛ وبعد إقناع روسيا والصين بدعم إستراتيجيتهم، اقترب الأوروبيون من الولايات المتحدة باختيار آخر صارخ: فإما أن تنضم إلى تحالف دولي لفرض الضغوط الدبلوماسية على إيران، أو تتخذ بمفردها تدابير عسكرية مشكوكا في فعاليتها.

اليوم؛ تدور الأهداف الرئيسية التي يسعى القادة الأوروبيون إلى تحقيقها في منطقة الشرق الأوسط حول قضايا: تهدئة الصراع على الهيمنة بين إيران والسعودية، ومنع الانتشار النووي، ومحاربة الإرهاب، ووقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا.

لكن العديد من هذه الأهداف يجري تقويضها بقوة الآن بسبب تصرفات إدارة ترمب، التي كانت حريصة على إظهار انحيازها إلى إسرائيل والسعودية ضد إيران في النزاعات الإقليمية، من اليمن والعراق إلى لبنان وسوريا.

لا بد من مواجهة ترمب باختيار واضح: فإما الحفاظ على "خطة العمل المشتركة الشاملة"، في مقابل الدعم الأوروبي للتعامل مع القضايا الإقليمية وبرنامج إيران الصاروخي؛ أو إلغاء الاتفاق والمجازفة بخسارة التعاون الأوروبي وظهور إيران المسلحة نوويا

بدأ الدبلوماسيون في بعض دول الاتحاد الأوروبي يشعرون بالقلق من اضطرارهم إلى اتخاذ مواقف هَدَّامة في سعيهم لاسترضاء ترمب، على نحو يشكل تكرارا للعلاقة بين رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الأميركي جورج دبليو بوش عام 2003.

وكما أسرّ لي أحد المسؤولين؛ فإن فرض عقوبات جديدة من شأنه أن يزيد صعوبة الإبقاء على التزام إيران بـ"خطة العمل المشتركة الشاملة"، ناهيك عن المشاركة معها في معالجة قضايا إقليمية أخرى.

ومع ذلك؛ كان النهج الأوروبي -حتى الآن- خاضعا لمعايرة دقيقة لكسب ترمب والحفاظ على التزام إيران بالاتفاق. وغني عن القول إن هذا يتطلب إيجاد توازن دقيق؛ فإذا أعطى الأوروبيون ترمب أكثر مما ينبغي، فإن تصرفهم هذا يصب في مصلحة المتشددين الأميركيين. وفي الوقت نفسه؛ سيُفضي هذا إلى تمكين المتشددين في إيران.

في مقابلة أجريتها معه مؤخرا؛ أخبرني العالِم السياسي ناصر هاديان (من جامعة طهران) بأن القادة الإيرانيين المعتدلين -مثل الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف– أصبحوا فعلا في موقف ضعيف، بينما يقول المتشددون الآن: "ألم نقل لكم؟".

ويرى هاديان أن الخطر الأعظم هو أن تحاول أوروبا استرضاء ترمب "بأي ثمن"، في حين ينبغي لها أن تعمل على "وضع خطة بديلة لإنقاذ الاتفاق في غياب الولايات المتحدة".

وينبغي لأي خطة بديلة أن تقدم لإيران -بين أمور أخرى- المعونة الاقتصادية إذا أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات، شريطة أن تستمر إيران في الامتثال لـ"خطة العمل المشتركة الشاملة"؛ كما يجب أن توفر الخطة البديلة الأساس لإستراتيجية أكبر في التواصل مع إيران، وغيرها من أصحاب المصلحة لتهدئة النزاعات الإقليمية.

وبطبيعة الحال؛ (كان) من الأفضل للجميع أن يوافق ترمب على عدم إلغاء الاتفاق النووي. ولكن لإقناعه بهذا؛ يتعين على أوروبا أن تُظهِر أنها على استعداد لمواصلة الأمر وحدها.

ولتحقيق هذه الغاية؛ لا بد من مواجهة ترمب باختيار واضح: فإما الحفاظ على "خطة العمل المشتركة الشاملة"، في مقابل الدعم الأوروبي للتعامل مع القضايا الإقليمية وبرنامج إيران الصاروخي؛ أو إلغاء الاتفاق والمجازفة بخسارة التعاون الأوروبي وظهور إيران المسلحة نوويا. وعلى حد تعبير محاوري الألماني؛ فإنه "يجب إبلاغ ترمب بأنه لا يمكنه نيل كل شيء دون التنازل عن أي شيء".



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

نادرا ما اتفقت الولايات المتحدة وإيران على كيفية مواصلة المحادثات النووية أو القضايا الأخرى الخاصة بعلاقاتهما الثنائية، لكن أوجه التعاضد والتشابه بين المتشددين الإيرانيين والصقور في الإدارة الأميركية الحالية عميقة.

الأكثر قراءة