مقالات

نكبة تسطيح كتب التاريخ بأيدي أبنائه.. مصر نموذجا

لم تقتصر نكبة العرب في عام 1948 على الهزيمة العسكرية وعمليات التطهير العرقي التي ارتكبتها العصابات اليهودية المسلحة بدعم غربي مباشر، وإنما امتدت تداعياتها إلى عقول ووجدان أجيال عدة.

وتلقي هذه المقالة الضوء على ما يُصيب عقول تلاميذ التعليم الأساسي من ضرر نتيجة تدهور كتب التاريخ المدرسية في مصر، الدولة العربية الكبرى التي خاض جيشها مع جيوش عربية أخرى عدة حروب لأجل منع إقامة دولة لليهود في فلسطين (1948) ودفاعًا عن سيناء (1956)، وصدًا لاعتداء محتمل على سوريا والأمن القومي العربي (1967) ولتحرير سيناء (1973).

كما ساهت جموع من المصريين كمتطوعين في صفوف المقاومة الفلسطينية في مراحل مختلفة. ولعل في هذه المقالة ما يساهم في تنبيه الغافلين أو ردع المتواطئين أو في تقديم البدائل.  

1- تدهور مقررات التاريخ: تراجعت كتب التاريخ المدرسية في مصر منذ مطلع التسعينيات كمًّا وكيفًا، ضمن التراجع العام الذي شمل معظم المقررات وخاصة تلك المتصلة باللغة العربيةوالتربية الدينية.

تراجعت كتب التاريخ المدرسية بحجة تخفيف المناهج ضمن ما سُمي "تطوير المناهج"، وتزامن أيضا مع تحولات جذرية شهدتها مصر، أهمها اعتماد نهج التسويات السلمية المنفردة، بجانب تطورات أخرى كانتشار التعليم الخاص، وظاهرة استيراد المناهج الأجنبية، والاعتماد على المعونات الأجنبية التي يذهب جزء منها إلى قطاع التعليم بهدف "تطويره" و"تدريب كواده" و"تعزيز ثقافة التسامح والسلام"

وقد تم هذا التراجع بحجة تخفيف المناهج ضمن ما سُمي "تطوير المناهج"، وتزامن أيضا مع تحولات جذرية شهدتها مصر، أهمها اعتماد نهج التسويات السلمية المنفردة، بجانب تطورات أخرى كانتشار التعليم الخاص، وظاهرة استيراد المناهج الأجنبية، والاعتماد على المعونات الأجنبية التي يذهب جزء منها إلى قطاع التعليم بهدف "تطويره" و"تدريب كواده" و"تعزيز ثقافة التسامح والسلام".

لا يقتصر الأمر على مصر؛ فقد امتد إلى دول عربية أخرى. وفي 14 يونيو/حزيران 2017 أفاد وزير الخارجية الأميركي السابق ريكس تيلرسون -في شهادة أمام الكونغرس– بأن من مهام "المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف" تغيير المناهج والكتب السعودية، وهذا هدف غير معلن على الموقع الإلكتروني للمركز، لكن لم يكذبه أحد من المسؤولين السعوديين.

تأسس هذا المركز بعد القمة الإسلامية الأميركية التي جمعت في الرياض (أيار/مايو 2017) حكام معظم الدول الإسلامية والرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أقام حملته الانتخابية للرئاسة على محاربة ما أسماه "أيديولوجية الإسلام المتطرف"، وتضم إداراته متطرفين يعادون علنا الإسلام كديانة.

وإذا عدنا إلى مصر؛ فقد اتضح لي خلال عمل بحثي أوسع أقوم به أن نظرة سريعة في عناوين ومحتويات كتب التاريخ المدرسية -عبر حقب زمنية مختلفة- تكشف حجم الضرر الذي لحق بأجيال عديدة.

وتكشف المقارنات عن مدى التسطيح الذي أصاب عقول التلاميذ في المراحل التعليمية المختلفة، فقد كان تلاميذ الصف الخامس الابتدائي في مصر يدرسون -حتى عام 1973- في كتب الدراسات الاجتماعية (التاريخ) كمًّا ومضمونا أفضل مما يدرسه طلاب الصف الثاني الثانوي هذا العام 2017/2018.

وكان تلاميذ الصف "الثالث الابتدائي" يدرسون عام 1921 كتابا بعنوان "صفوة تاريخ مصر والدول العربية"، يقع في أكثر من 250 صفحة ويتناول (بعد مقدمة في تعريف علم التاريخ وغرضه وأقسامه) الموضوعات التالية: "تاريخ القدماء المصريين" و"قصص الأنبياء" و"عهد الإغريق والرومان"، و"تاريخ الأمة العربية" و"انتشار الإسلام بعد الهجرة" و"الأمويون والعباسيون"، و"تاريخ مصر بعد أن استقلت عن الدولة العباسية"، و"تاريخ مصر من الفتح العثماني" وحتى الاحتلال البريطاني.

وهناك كتب أخرى، منها "تاريخ أوروبا الحديثة وآثار حضارتها" في نحو 418 صفحة لطلاب الثانوية عام 1920، وكتاب "النظم اليونانية والرومانية والإسلامية" لطلاب السنة التوجيهية الخامسة عام 1937، يضم تفاصيل كثيرة عن أنظمة الحكم لدى الإغريق والرومان، فضلا عما أسماه الكتاب "النظم الإسلامية".

وفي الثلاثينيات والأربعينيات كان من مقررات السنة التوجيهية كتاب عنوانه "النظم الإسلامية"، يعرض -في نحو 130 صفحة- موضوعات: الخلافة، الوزارة، القضاء، الحسبة، إمرة الجيش، وموارد بيت المال عبر العصور المختلفة للمسلمين. ويلاحظ اعتماد هذه الكتب على مصادر أولية وعلى أمهات كتب التاريخ العالمية، وكانت مكتوبة بلغة عربية سليمة وجميلة.

ومقابل تراجع وحصار تدريس العلوم السياسية في الكثير من الجامعات المصرية والعربية بشكل عام اليوم؛ كان طلبة الثانوية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين يدرسون العلوم السياسية والتاريخ الدستوري.

ففي عهد عباس حلمي الثاني (خديوي مصر من 1892-1914)؛ كان هناك كتاب لطلاب السنة الرابعة بمرحلة البكالوريا عنوانه "مبادئ العلوم السياسية والتاريخ الدستوري"، وبه موضوعات مثل الحكومات منذ الإغريق، ووظائف الحكومة والفصل بين السلطات، والتاريخ الدستوري لإنجلترا وفرنسا، وثورات وحروب أوروبا، ونظم الحكم الأوروبية والأميركية وفي الدولة العلية العثمانية ومصر.

كان التلاميذ المصريون يدرسون القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، أي اعتداء من الاستعمار الأوروبي والصهيوني على الأرض العربية، يبدأ من فلسطين ويمتد من النيل إلى الفرات، وكانوا يتعلمون أنها قضية حقوق شرعية ودفاع ضد عصابات يهودية وصهيونية إرهابية مدعومة من الاستعمار الأوروبي. تغير هذا منذ التسعينيات عندما بدأت لغة الكتب المقررة تبتعد تدريجيا عن هذا الخطاب

كان هذا كتابٌ في "العلوم" السياسية، وكان يستهدف -كما أوضحت المقدمة- التوعية بأهمية الحصول على "دستور" مثل "سائر الأمم المتحضرة"، وهذا هدف لم ينتزعه المصريون بعدُ.

2- فلسطين في كتب التاريخ: أما تتبع كيف تناولت كتب التاريخ المدرسية المصرية قضية فلسطين فيعبر تعبيرا دقيقا عن نكبتنا العربية الشاملة، التي امتدت إلى قطاع التعليم الذي يلعب دورا محوريا في التنشئة الوطنية وتشكيل الوعي الجمعي العربي، ويحدد اتجاهات النشء وسلوكياتهم في المستقبل.   

كانت ذروة تناول قضية فلسطين في الخمسينيات بحكم توجه مصر القومي الوحدي آنذاك، ولكن بعد سنوات قليلة من صلح السادات المنفرد عام 1979، وبعد إنشاء مركز "تطوير المناهج والمواد التعليمية" عام 1988 (الذي صار مرتبطا بشكل أو بآخر بالمعونة الأجنبية ولاسيما الأميركية)؛ تعرضت الكتب المدرسية لتغييرات كثيرة في المضامين.

وصارت هذه الكتب تعرض موضوعاتها في شكل نقاط مختصرة للغاية، ولم يتم تفعيل الكثير من الوسائل التعليمية المكملة التي أدخلتها شكلا عمليات التطوير.

كان تلاميذ المدارس المصرية يدرسون التطورات التاريخية للقضية الفلسطينية بشكل شبه مكتمل قبل 1991، أما بعد هذا التاريخ فقد بدأ التقليص تدريجيا حتى تم تجاهل موضوعات عدة أو المرور عليها سريعا، مع تخصيص الجزء الأكبر من المساحة للعمليات العسكرية لحروب مصر مع الإسرائيليين. 

كان التلاميذ المصريون يدرسون القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، أي اعتداء من الاستعمار الأوروبي والصهيوني على الأرض العربية، يبدأ من فلسطين ويمتد من النيل إلى الفرات، وكانوا يتعلمون أنها قضية حقوق شرعية ودفاع ضد عصابات يهودية وصهيونية إرهابية مدعومة من الاستعمار الأوروبي. تغير هذا منذ التسعينيات عندما بدأت لغة الكتب المقررة تبتعد تدريجيا عن هذا الخطاب.

وظلت الكتب الصادرة حتى الثمانينيات تستخدم مصطلحات مثل: "اليهود"، "العصابات الصهيونية"، "الإرهاب اليهودي في فلسطين"، "الإرهاب الصهيوني"، "الإرهابيين اليهود"، "العصابات اليهودية المسلحة" وغيرها.

أما بعد سنوات معدودة من معاهدة السلام وإنشاء مركز تطوير المناهج؛ فلم يستخدم كتاب "تاريخ مصر والعرب الحديث" (الصادر 1991-1992 للمستوى الثانوي) مصطلحات مثل "الاستعمار الصهيوني"، "الإرهاب الصهيوني"، "الإرهاب اليهودي"، ووردت كلمة "إرهابيين" فقط عند الحديث عن نسف فندق الملك داود بالقدس عام 1946، ومذبحة دير ياسين.

عند الحديث عن حرب 1948 وبدلا من استخدام كلمة "العصابات اليهودية المسلحة" ظهرت عبارة "العناصر العسكرية اليهودية". لكن -والحمد لله- لا تزال كلمة "العدو" مستخدمة في الكتب الحالية ضمن الحديث عن العمليات العسكرية للحروب العربية الإسرائيلية!

كما أن الخرائط المصاحبة للموضوع الفلسطيني ما زالت تستخدم -حتى يومنا هذا- كلمات "فلسطين"، و"فلسطين المحتلة"، و"الأراضي المحتلة".

وبخصوص حلول الصراع؛ ظلت كتب التاريخ تتحدث عن المقاومة العسكرية والوحدة العربية والمقاطعة الاقتصادية كحلول لقضية فلسطين، وذلك حتى منتصف الثمانينيات حينما حلت التسوية السلمية محل المقاومة.

ففي نسخة 1984 من "تاريخ العرب الحديث والمعاصر" لطلاب المستوى الثانوي؛ أضيفت صفحتان بعنوان: "جهود مصر في إنهاء النزاع العربي الإسرائيلي"، لتبدأ كلمة "النزاع" في الظهور تدريجيا بدلا من "الصراع".

الحمد لله أن طلابنا لا يعتمدون على مقرراتنا التعليمية فقط؛ فرغم كل هذا التدهور لا تزال هناك شرائح واعية في مجتمعاتنا، ولاسيما مع شيوع أدوات تعليم إلكترونية متعددة، ومع صمود الشعب الفلسطيني وبقاء وتعدد طرق مقاومته، بدءا من السلاح والحجارة وانتهاءً بالكاوتشوك والطائرات الورقية

وكان من اللافت أن كتاب "تاريخ مصر والعرب الحديث" لطلاب الثانوية (الصادر عام 1991) اختتم جزء حرب 1948 بعبارة: "ولكن الدول العربية رفضت الاعتراف بدولة إسرائيل، ومن ثم أصبحت القضية ساخنة باستمرار وتنفجر من وقت لآخر، كما سيتبين بعد ذلك؛ وخاصة في عهد ثورة 1952 في مصر وقيادتها للحركة الوحدوية العربية". وهذه العبارة توحي بأن عدم الاعتراف العربي هو الذي عقّد المشكلة! وظلت هذه العبارة موجودة حتى في الكتاب المقرر 2017/2018.  

ويرى كتاب التاريخ الصادر 1995 لطلاب الثانوية أن مصر حصلت على مكاسب أكبر مما يحصل عليه العرب في اتفاق أوسلو، وأن هناك رابطا بين كامب ديفد ومفاوضات مدريد وأوسلو.

والحقيقة أن هذه الأمور وُضعت في سياق مجتزَأ، لم يعرض للصورة الكبرى التي تضم التداعيات السلبية لاتفاقيتيْ كامب ديفد والسلام على الأمن القومي العربي، ونزع سلاح سيناء وحصول مصر عليها منقوصة السيادة، ومقاطعة العرب لمصر وتجميد عضويتها في الجامعة العربية، ومقتل السادات على أيدي مناهضين عسكريين احتجاجا على الاتفاقية، وغير ذلك.

ومنذ نهاية التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة؛ كانت بعض كتب التاريخ المصرية تبرر التوجه نحو السلام بالمكاسب الاقتصادية التي ستجنيها مصر، تحت عنوان بارز هو "مزايا تحقيق السلام وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي".

وهنا تذكر الكتب مكاسب مثل تعمير سيناء، والتنمية وحل مشكلات مصر المزمنة، والأمن الغذائي، وحل مشكلات الصحة والتعليم والمرافق، بل وتشجيع رؤوس الأموال العربية والأجنبية للاستثمار، وتنشيط حركة السياحة وتوفير العملات الأجنبية! وهذه أمور لم يتحقق معظمها حتى اليوم.

ومع تدهور أحوال كتب التاريخ؛ دأبت هذه الكتب في السنوات الأخيرة على إيراد ما تسميه "القضايا المتضمنة"، وذلك على شكل نقاط مختصرة للإشارة إلى أهم الموضوعات التي يعرضها كل فصل.

ومن العجيب أن القضايا المذكورة تكاد تنحصر في "التسامح الديني" و"السلام"، بل هناك أمور لا علاقة لها بالموضوع مثل "المواطنة" و"حقوق الإنسان"، أو لم تكن مستخدمة خلال الفترة التي يتحدث عنها الفصل مثل "العولمة"! ويتم هذا في فصول تتحدث عن "مصر والقضية الفلسطينية"، و"حرب أكتوبر 1973″، و"التوسع الاستعماري"!

***

الحمد لله أن طلابنا لا يعتمدون على مقرراتنا التعليمية فقط؛ فرغم كل هذا التدهور لا تزال هناك شرائح واعية في مجتمعاتنا، ولاسيما مع شيوع أدوات تعليم إلكترونية متعددة، ومع صمود الشعب الفلسطيني وبقاء وتعدد طرق مقاومته، بدءا من السلاح والحجارة وانتهاءً بالكاوتشوك والطائرات الورقية.

إن القضايا العادلة لا تموت، وكما أن التاريخ مليء بحكام خانعين وخائبين وخائنين، فإنه مليء أيضا بأفراد وجماعات تتمسك بالحقوق والثوابت وتنقلها من جيل إلى جيل.



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

يتعين على الساعين لتعزيز الانفتاح بالعالم العربي أن يركزوا على التعليم، فأحد التفسيرات المحتملة للفجوة الملحوظة في القيم الاجتماعية تتلخص في استخدام التعليم عمدا كأداة للتلقين، بغرض توطيد الحكومات الاستبدادية.

في نوفمبر/تشرين الثاني، تحدثت بمجلس الأمن الدولي للمرة الأولى منذ 13عاما. وقد لفت انتباهي مدى اختلاف المزاج الآن. كان العالم يبدو مختلفا، فآنذاك كنا نحاول تبيان وتفصيل النظام الأمني الجديد بالعقد التالي لسقوط سور برلين.

إصلاح التعليم قضية قديمة جديدة طرحت منذ بداية القرن العشرين في سياق فكرة الإصلاح والتجديد لمواجهة الاستعمار الأوروبي, وهي اليوم تتجدد في ظل ظرف عربي داخلي دقيق ووضع عالمي مطبوع باتساع دائرة فعل العولمة والهيمنة الأميركية.

يناقش الكاتب أزمة التعليم في العالم العربي من حيث معطيات الواقع والتحديات القائمة والمتغيرات المتسارعة التي تفرض ضرورة المراجعة المستمرة للنظم التعليمية والأخذ بالمستجدات في هذا المضمار, ويضع رؤية مستقبلية للنهوض بالتعليم الذي يشكل أساس عملية التنمية والتقدم والرقي.

الأكثر قراءة