مقالات

تعيين بولتون.. هل سيشكل ترمب حكومة حرب؟

مسيرة جدلية
بوادر التناقض

شكّلت تعيينات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخيرة -في النصف الثاني من مارس/آذار الماضي- نسقًا أكثر وضوحًا ومنطقيةً من السابق، نظرا لمجيئها بمسؤولين يشاطرونه آراءه السياسية.

وبينما عُرف وزير الخارجية الجديد مايك بومبيو بتطرفه ضد الأقليات وتشدّده تجاه إيران؛ فإن المستشار الجديد للأمن القومي جون بولتون كان جديرًا بأن يكون من أوائل موظفي الإدارة الجديدة، لأنه كان يحمل أفكار ترمب قبل دخول الأخير معترك السياسة.

روّج بولتون شعار "أميركا أولاً" قبل أن يكتشفه ترمب، وإبّان خدمته في إدارة جورج بوش الابن كان خصمًا عنيدًا للجمهوريين التقليديين مثل وزير الخارجية السابق كولن بأول، بل وحتى للمحافظين الجدد. ويمكن تصنيفه فكريا في خانة "المحافظين القدماء" (paleoconservatives).

لقد قاد المحافظون القدماء الحزبَ الجمهوري قبل الحرب العالمية الثانية، وتبنوا سياسةً منعزلة قوامها القوة ومُجردةً من أي مبدأ لكنها لا تؤمن بالمغامرات، على عكس "المحافظين الجدد" (Neoconservatism) الذين يؤمنون باستخدام القوة العسكرية لتعزيز القيم الغربية، حتى ولو استدعى ذلك القيام بمغامرات غير محسوبة مثل غزو العراق 2003.

وخلافًا لبومبيو الذي سيمثل أمام لجنة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي؛ سيعين بولتون مباشرة من قبل الرئيس في 9 أبريل/نيسان الجاري باعتباره مستشارا للأمن القومي يعمل في مكتب الرئيس، ولا يملك سلطة على أي من الوزارات. ويتلخص دوره في الوساطة بين وزارات الدفاع والخارجية والمالية وتقديم خيارات السياسة المتاحة للرئيس.

مسيرة جدلية
يمتلك المستشار الجديد للأمن القومي -مثل رئيسه- سيرة ذاتية حافلة بإثارة الجدل؛ فقد عمل على تنسيق جهود إلغاء قرار الأمم المتحدة الذي يُقرّ بأن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، وأوقف مساعي أممية لتفعيل اتفاقية الحد من الأسلحة البيولوجية، بحجة تعريض الأمن الأميركي للخطر لاحتمال تفتيش مواقع أميركية يشتبه في وجود أسلحة بيولوجية فيها.

خلافًا لبومبيو الذي سيمثل أمام لجنة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي؛ سيعين بولتون مباشرة من قبل الرئيس في 9 أبريل/نيسان الجاري باعتباره مستشارا للأمن القومي يعمل في مكتب الرئيس، ولا يملك سلطة على أي من الوزارات. ويتلخص دوره في الوساطة بين وزارات الدفاع والخارجية والمالية وتقديم خيارات السياسة المتاحة للرئيس

كما لعب دورًا كبيرًا في انسحاب الولايات المتحدة من محكمة الجنايات الدولية، حتى لا تتمكن من محاكمة المواطنين الأميركان، واصفًا ذلك بأنه يمثّل اللحظة الأسعد في مسيرته السياسية.

يوصف بولتون بأنه من صقور الحرب لعمله طوال ثلاثة عقود متتالية في إدارات أذكت الصراع بالشرق الأوسط؛ فقد شارك في التزويد السري لإيران بأسلحة متطورة فيما يُعرف بقضية "إيران كونترا"، وعمل على استصدار قرارات أممية تؤيد استخدام القوة العسكرية ضد العراق بعد احتلال الكويت.

وساهم أيضا في تبنّي معلومات خاطئة زعمت الاستخبارات البريطانية العثور عليها بشأن محاولة العراق شراء يورانيوم من النيجر، إبّان غزو العراق في 2003 الذي وُصف بولتون بأنّه من مهندسيه، وكان من داعمي الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006.

في عام 2005 عيّنه الرئيس بوش سفيرا لدى الأمم المتحدة، فوصفته مجلة إيكونوميست البريطانية بأنّه "أكثر سفراء أميركا لدى الأمم المتحدة إثارة للجدل"، إلا أن صحيفة نيويورك تايمز ردّت -في افتتاحية بعنوان "عار الأمم المتحدة"- بالإشادة بموقف بولتون الداعي إلى "إصلاح اللجنة الأممية لحقوق الإنسان المُخزية".

وفي نهاية 2006؛ رفض مجلس الشيوخ التجديد لبولتون في منصبه، من خلال بيان للجنة العلاقات الخارجية أعلن عدم رضا الشعب الأميركي عن السياسة الخارجية لإدارة بوش.

لم تمض ساعات على إعلان تعيين بولتون حتى تنصل من مواقفه السياسية السابقة؛ فقد رفض -في أولى مقابلاته مع قناة فوكس نيوز– التعليقَ على كل ما قاله في حياته السياسية عبر مقالاته وكتبه وخطاباته ومقابلاته، واصفا التركيز على ذلك بأنه غير منصف للرئيس ترمب الذي سيُسدي إليه نصائحه بسرية، إلا إذا أراد هو إعلانها.

كما اشتكى بولتون من استدعاء الصحفيين أسوأ ما فعله في ماضيه، واصفا ذلك بأنه "سيئ للناس وللبلاد ككلّ، ويُثبّط همّة المقدمين على العمل العام". وإذا تراجع بولتون عن معظم مواقفه السابقة؛ فمن المؤكد أنه لن يتراجع عن معارضته لإيران ودعمه لإسرائيل اللذين يتفق فيهما مع ترمب.

فقد كان آخر مواقفه تجاه إيران مطالبته في يناير/كانون الثاني الماضي بإنهاء الاتفاق النووي، وإعادة فرض العقوبات السابقة على النظام الإيراني. أما بالنسبة لإسرائيل فقد واصل بولتون -على امتداد مسيرته السياسية- دعم العنف الذي تمارسه ضد الفلسطينيين.

واقترح -في مقال نشرته واشنطن تايمز في أبريل/نيسان 2014- حلا يقوم على ثلاث دول، بحيث تكون هناك دولة إسرائيلية، وتعطى غزة لمصر، والضفة الغربية للأردن. وهي الفكرة نفسها التي رددها كبير إستراتيجيي إدارة ترمب السابق ستيف بانون؛ حسب مايكل وولف في كتابه "النار والغضب" الذي صدر مطلع 2018.

وقد سارعت وزيرة العدل الإسرائيلية أيليت شاكد بالتهليل لإعلان تعيين جون بولتون، مشيدة بإدارة ترمب التي وصفتها بأنها الأكثر دعما لإسرائيل.

بوادر التناقض
ناقش ترمب مع بولتون -في يوليو/تموز 2017- التغييرات المحتملة في إدارته، وعرض عليه منصب نائب مستشار الأمن القومي، إلا أن بولتون رفض الاقتراح مطالبا بمنصب المستشار نفسه.

وجود بولتون في إدارة ترمب قد لا يضمن امتلاكه تأثيرا كبيرا في سياستها، بالنظر إلى أنه لم يتبوأ منصبًا عاليًا وخدم مع شخصيات كانت أقدر منه في المراحل الحرجة السابقة، مثل ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي السابق، ووزير الدفاع السابق بول وولفويتز. لكن اتفاقه مع ترمب في آرائه وشخصيته يدل على ارتباط تعيينه بتوجه جديد لإدارة حرب

ويُتوقع أن يجري بولتون -مع شركاء سابقين له- تعديلات كبيرة في فريق الأمن القومي، من شأنها أن تقود دفة السياسة الأميركية نحو مزيد من التشدد، والبعد عن الدبلوماسية عبر أطر الأمم المتحدة أو العمل مع الاتحاد الأوروبي، خاصة تجاه إيران وكوريا الشمالية.

وقد نقلت مجلة فورين بوليسي عن موظف سابق في البيت الأبيض أن بولتون سيطيح بمسؤولين غير موالين للرئيس ترمب، فضلا عن كل من عينهم سلفه الجنرال هربرت مكماستر، أو من يصفهم بـ"بقايا إدارة أوباما".

ومن أبرز المرشحين للإقالة ناديا شادلو نائبة مستشار الأمن القومي للشؤون الإستراتيجية، التي صاغت إستراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترمب مؤخرًا، ووُصفت بالمفاجئة نظرا لتأكيدها عددا من المواقف التقليدية للسياسة الخارجية الأميركية التي يسعى ترمب لمخالفتها.

مع اقتراب ظهور التشكيلة الجديدة للإدارة الأميركية؛ بدأت بوادر مشاحنات بين أعضائها في الظهور، خاصة مع بقاء مسؤولين لا يحملون الآراء السياسية ذاتها لكن وجودهم ما زال ضروريا، مثل كبير موظفي البيت الأبيض الجنرال المتقاعد جون كيلي.

وقد أشار مصدر مقرب من بولتون إلى احتمال نشوء توتر بينه وبين كيلي، بحيث تكون العلاقة بينهما هي الاختبار الأول لقدرة كل منهما على إدارة الوضع الجديد، وربما تكون مقياسا لتوجه الإدارة القادم جديرا بالنظر.

ويواجه بولتون معضلة أخرى تتمثل في موقفه المتشدد تجاه روسيا، وهو ما يناقض موقف ترمب منها. فرغم قيام الولايات المتحدة بطرد 60 جاسوسا روسياً من أرضها، وإغلاقها القنصلية الروسية بولاية سياتل، في موقف حازم تجاه موسكو؛ فإن ترمب لم يُدلِ بتصريح في هذا الصدد، وترك هذه المهمة لمسؤولي إدارته.

ويفتح ذلك مجالا للحديث عن عدم تغير موقف ترمب تجاه روسيا التي هنأ رئيسها قبل أيام بفوزه في الانتخابات. وبالتالي قد يكون موقف بولتون السابق تجاه روسيا وأثر خلافه مع الرئيس في هذا الشأن، مثارَ توتر جديد في الإدارة.

إن وجود بولتون في إدارة ترمب قد لا يضمن امتلاكه تأثيرا كبيرا في سياستها، بالنظر إلى أنه لم يتبوأ منصبًا عاليًا وخدم مع شخصيات كانت أقدر منه في المراحل الحرجة السابقة، مثل ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي السابق، ووزير الدفاع السابق بول وولفويتز.

لكن اتفاقه مع ترمب في آرائه وشخصيته يدل على ارتباط تعيينه بتوجه جديد لإدارة حرب تتمثل سياستها بالشرق الأوسط في: علاقة أقوى مع دول الخليج، ودعم أكبر لإسرائيل، وتشدد تجاه إيران قد يظهر أثره في سوريا والعراق وفي المنطقة برمتها.



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

الأكثر قراءة