ليبرالية اجتماعية للتهرب من السياسية!!

People attend the performance of actor John Travolta at APEX Convention Center in Riyadh, Saudi Arabia December 15, 2017. REUTERS/Faisal al Nasser - RC182D50CD10

لا يمضي أسبوع إلا ونسمع عن تطور جديد فيما يخصّ الليبرالية الاجتماعية -إن جاز التعبير- في بعض الدول العربية، فما كان محرّما يغدو حلالا، وما كان ممنوعا يصبح مسموحا به.

ولا يمضي أسبوع إلا ونسمع عن قصة جديدة تستهدف بعض رموز الدين، من المساجد إلى الأذان إلى الحجاب، إلى قضايا أخرى متصلة بقضايا الأحوال الشخصية، فضلا عن استهداف بعض الرموز ذوي المكانة في الوعي الجمعي بالتحطيم وليس النقد، أعني الرموز القديمة وليس العلماء الجدد الذين يكون من الطبيعي أن يختلف الناس حولهم ضمن أدب الخلاف.

وحين يضجّ الناس بالاحتجاج -وغالبا عبر مواقع التواصل الاجتماعي- يتم تنفيس الموقف بالتحقيق مع الجهة المسؤولة شخصا أو مؤسسة؛ وقد باتت وسائل إعلام جديدة تتفنن في كسر "المحرَّمات" تباعا، وتتسابق على هذا الصعيد تحت سمع وبصر المعنيين في بعض الدول.

لا يمضي أسبوع إلا ونسمع عن قصة جديدة تستهدف بعض رموز الدين، من المساجد إلى الأذان إلى الحجاب، إلى قضايا أخرى متصلة بقضايا الأحوال الشخصية، فضلا عن استهداف بعض الرموز ذوي المكانة في الوعي الجمعي بالتحطيم وليس النقد، أعني الرموز القديمة وليس العلماء الجدد

لا يحتاج المرء إلى كثير من الدراية بالسياسة والتحليل كي يدرك ما وراء هذه الظواهر التي لا يمكن القول إنها عفوية، فالأمر واضح كل الوضوح، إذ يرى من يشجّعونها أن ظاهرة التدين (يسميها البعض الصحوة)، باتت عبئا يجب التخلص منه لأنها ببساطة تمنح حاضنة لما يسمى "الإسلام السياسي".

أي ذلك اللون الذي يطالب بالإصلاح والتعددية والشراكة السياسية، ولا يمكن التخلص منه إلا بضرب حاضنته الشعبية، وبالتالي إعادة الأوضاع إلى ما قبل السبعينيات حين كان الدين أكثر من هامشي في واقع المجتمعات العربية.

هي إذن عملية "تحديث" (المصطلح مجازي بالطبع) قسري كما هو واضح، أو لنقل "لَبْرَلَة" قسرية، ذلك أنها تصطدم مع الوعي الجمعي للغالبية.

ولا نعني هنا بعض القناعات التي كانت تنزع إلى التشدد، ولها أبعادها الاجتماعية أكثر من الدينية كما في بعض قضايا المرأة، بل أشياء كثيرة لا حاجة لتعدادها هنا، وتتعلق بالقيم الراسخة في الوعي الجمعي للغالبية.

لا شك أن هناك الكثير من الأشياء التي جرى ربطها بالدين تعسفا، وهي ذات صلة بالعادات الاجتماعية ولا تمانع الغالبية في تغييرها، لكن الإشكالية تبقى كامنة في أدوات التغيير وطرائقه، وما إن كان يتم عبر حوارات مجتمعية، أو بقرارات من أعلى تستخدم سوط السلطة.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ذلك المتعلق بقدرة هذا اللون من "اللبرلة" -إن جاز التعبير- على ضرب "الصحوة الدينية"، أو مدّ التدين في المجتمعات العربية.

وهنا يمكن القول إن بعض من يقفون خلف هذه السياسة لا يدركون عمق الصحوة الدينية التي عرفتها الألفية الجديدة، وصعوبة ضربها عبر هذا السياسة. وهم يتجاهلون أيضا أن الصحوة الدينية لم تكن نتاج رعاية رسمية حتى يجري شطبها بقرار رسمي.

ومن يقرأ تحولات الصحوة يدرك أن قرار التحجيم التدريجي لها قد اتُّخِذ أصلا منذ مطلع التسعينيات، وتحديدا بعد حرب الخليج الثانية؛ وبعد أن اتسع نطاق التسييس في خطابها، ولم يعد في الساحة السياسية سوى القوى الإسلامية المسيَّسة.

لكن المفاجأة كانت في أن ظاهرة التدين زادت اتساعا على نحو فاجأ الأنظمة، بل فاجأ قوى الإسلام السياسي أيضا، حتى إنها عجزت عن استيعابه، وذهب -في كثير من تجلياته- نحو الخطاب السلفي التقليدي.

وحدثت المفاجأة حتى في دول كانت تأخذ شهادات حسن سلوك من الغرب بعد قدرتها على ضرب الظاهرة، وفي مقدمتها تونس. بل كان لافتا أن ذلك البلد قد أنتج "سلفية جهادية" أيضا.

ولا شك أن ثورة الفضائيات -وتاليا مواقع التواصل الاجتماعي- قد لعبت دورا لافتا في تعزيز الصحوة الدينية، حيث أصبحت المعارف الدينية متاحة كما لم يحدث من قبل في أي مرحلة من مراحل التاريخ.

المصيبة هي أن "اللبرلة" الاجتماعية التي نتابعها في دول عربية هي -في واقع الحال- هروب من التعددية، ومن أسئلة الإصلاح السياسي قبل أي شيء آخر، وبالطبع عبر ما ذكرناه من القناعة بأن التدين هو حاضنة "الإسلام السياسي"؛ وأنه بالتخلص من الأول يتم التخلص من الثاني

هناك جانب آخر يتجاهله أصحاب السياسة الجديدة، وهو أن افتضاح أهداف "اللبرلة" الجديدة سينتج ردة فعل عند قطاعات من المتدينين، وإن استقطب قطاعات أخرى.

هذا مع العلم بأن القبول بأشكال معينة من الترفيه -بل والمشاركة فيها- لا يعني بالضرورة تناقضا مع الدين، ولا حتى مع قوىً إسلامية ترفع شعاره في الإطار السياسي.

هنا ينشأ البعد الأهم ممثلا في أن هذا اللون من "اللبرلة" يتجاوز البُعد الأهم الذي يعني الناس، ممثلا في البُعد السياسي من حيث الحاجة إلى التعددية، التي تتيح لهم المشاركة في تقرير مصيرهم على مختلف الأصعدة، وأن يقرروا شؤون حياتهم في كل مجال، ومن ضمن ذلك المجالات التي تتعلق بالدين والأبعاد الاجتماعية.

لكن المصيبة هي أن "اللبرلة" الاجتماعية التي نتابعها هي -في واقع الحال- هروب من التعددية، ومن أسئلة الإصلاح السياسي قبل أي شيء آخر، وبالطبع عبر ما ذكرناه من القناعة بأن التدين هو حاضنة "الإسلام السياسي"؛ وأنه بالتخلص من الأول يتم التخلص من الثاني.

أما المفارقة الأكبر إثارة للسخرية فهي قبول أدعياء الليبرالية بهذه اللعبة كرها في الإسلام وأهله، وقناعة بأن أي تعددية ستتركهم على الهامش بلا قيمة، بينما تمنحهم حالة الحرب على "الإسلام السياسي" حضورا كبيرا في المجال الإعلامي والسياسي في آنٍ.

يبقى القول إن لهذه اللعبة جانبا يتعلق بمجاملة الأنظمة للغرب، الذي يبدو أنه بات -مثل بعض ليبراليي العرب- معنيا بهذه الأبعاد الاجتماعية، أكثر من عنايته بالليبرالية في بعدها السياسي.

فقد أخرج الغرب قضايا الديمقراطية والحريات من قاموسه السياسي لا سيما بعد أن اكتشف مخاطرها بعد ربيع العرب، من حيث فوز قوىً تناهضه، وتدعو للاستقلالية في القرار السياسي.

ليس أمام القوى الحيّة في المنطقة -وفي مقدمتها القوى "الإسلامية"- سوى أن تواصل النضال من أجل التعددية والشراكة السياسية والحريات.

وفي ذات الوقت عليها أن ترفض فرض السياسات الاجتماعية على الناس بسطوة السلطة، بل لا بد من أن يتم ذلك من خلال أطر تعبر تعبيرا حقيقيا عن نبض الناس، لأن المجتمعات هي التي تحدد سقوفها الأخلاقية، ولا وجود لقانون شامل يحكم كل المجتمعات أيا تكن ثقافتها ومرجعياتها الدينية والأخلاقية.



حول هذه القصة

من الواضح أن القادة الشعبويين لا يشتركون في “الديمقراطية غير الليبرالية” على طريقة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان فحسب؛ بل كل منهم يعتنق أيضا شكلا من أشكال “الرأسمالية غير الليبرالية”.

opinion by جاسيك روستوفسكي
Published On 13/9/2017
U.S. President Donald Trump and Polish President Andrzej Duda hold a joint news conference, in Warsaw, Poland July 6, 2017. REUTERS/Carlos Barria

لم يمرّ أكثر من شهرين على اعتلاء دونالد ترمب سدة الحكم؛ لكن العديد من الأميركان قد ضاقوا ذرعًا بهذه الدراما، ويتساءلون: ماذا تحمل الستة والأربعون شهرا القادمة في طياتها؟

opinion by كريستوفر ر. هيل
Published On 5/3/2017
Former Vice President Joe Biden (R) watches as President Donald J. Trump (L) is embraced by former President Barack Obama (C) after delivering his Inaugural address after taking the oath of office as the 45th President of the United States in Washington, DC, USA, 20 January 2017. Trump won the 08 November 2016 election to become the next US President.

الأخبار الكاذبة ورطة عُظمى يحاول الإعلام الليبرالي العتيق تصويرها بأنها اختلاق جديد للإعلام اليميني في عصر تويتر وفيسبوك. والحق أن الأمر أعمق من ذلك بكثير، وهو ما سأشخصه هاهنا.

opinion by أحمد زهاء الدين عبيدات
Published On 19/1/2017
FILE PICTURE: Donald Trump speaks as his son-in-law Jared Kushner (L) and his daughter Ivanka listen at a campaign event at the Trump National Golf Club Westchester in Briarcliff Manor, New York, U.S., June 7, 2016. REUTERS/Mike Segar/File Photo

مع استنكارنا الشديد للقتل والعنف المرتكب في حادثة “شارلي إيبدو” الباريسية، نشير دون مواربة إلى أن هذه الحادثة أعادت إلى “سطح المكتب” ملفات محفوظة بـ”القرص الصلب” في “ذاكرتنا الجمعية التراكمية”.

opinion by عبد الله البريدي
Published On 29/1/2015
MARAWI, PHILIPPINES - JANUARY 14: Filipino Muslims attend a protest rally on January 14, 2014 in Marawi, Philippines. They were protesting at what they described as 'Double Standard' practices of the Western media against Muslims in the wake of global call for the condemnation following the terrorist attack at the French satirical magazine Charlie Hebdo in Paris, France. The protesters denounced the Charlie Hebdo Magazine for featuring Prophet Muhammad in their latest edition.
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة