نصر بوتين المكلف.. وماذا بعد؟

Russian President and Presidential candidate Vladimir Putin attends a news conference at his campaign headquarters in Moscow, Russia March 18, 2018. Sputnik/Alexei Druzhinin/Kremlin via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY.

كانت إعادة انتخاب فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا -للمرة الرابعة- أمرا مسلما به؛ فمن المؤكد أن الكرملين كان وراء حشو صناديق الاقتراع بأوراق الانتخاب، وغيرها من الإجراءات للتحقق من أن بوتين قد حصل على ما لا يقل عن 70% من الأصوات في جميع المناطق.

ولكن حتى بدون مثل تلك الخدع؛ فإن بوتين كان سينتصر على أي حال، مستغلا موجة تصاعد النزعة القومية التي نشأت بعد قراره بضم شبه جزيرة القرم سنة 2014.

إن الأقل قابلية للتنبؤ -مقارنة بنتيجة الانتخابات- هو الأجندة السياسية لبوتين خلال السنوات الست القادمة؛ فالاقتصاد الروسي يُظهر بعض إشارات التحسن، ولكن النمو لا يزال أضعف بكثير من سنوات الازدهار خلال الأعوام الأولى من حكم بوتين، وفي الوقت نفسه يزداد الانقسام الدبلوماسي بين روسيا والغرب.

لقد قام بوتين بتشكيل فرق متنافسة من الاقتصاديين لصياغة مقترحات تتعلق بسياساته للسنوات القادمة، ولكن القليل من المراقبين يتوقعون أن تتبع ذلك إصلاحات حقيقية؛ فالتوقعات الطويلة المدى للاقتصاد ستبقى متواضعة طالما أن الدولة الأمنية تُحكم قبضتها على النشاط التجاري والمجتمع في روسيا.

قام بوتين بتشكيل فرق متنافسة من الاقتصاديين لصياغة مقترحات تتعلق بسياساته للسنوات القادمة، ولكن القليل من المراقبين يتوقعون أن تتبع ذلك إصلاحات حقيقية؛ فالتوقعات الطويلة المدى للاقتصاد ستبقى متواضعة طالما أن الدولة الأمنية تُحكم قبضتها على النشاط التجاري والمجتمع في روسيا

إن من الصعب كذلك تصور كيف يمكن لروسيا تحسين اقتصادها بدون أن تحسن أولا علاقاتها مع الغرب. إن الاستثمارات اللازمة لتعزيز النمو معطلة بسبب القدرة الروسية المحدودة على الوصول للتقنيات الرئيسية والأسواق المالية العالمية، وبسبب العقوبات المفروضة على الشركات الروسية والأوليغارشية المقربة من بوتين.

يبدو أن بوتين كان يعتقد أن ردة الفعل الغربية لعدوانه في أوكرانيا ستكون قصيرة المدى، كما كان عليه الحال بعد التدخل العسكري في جورجيا سنة 2008، وعندما اتضح عدم صحة ذلك وأصحبت العقوبات الغربية مؤلمة بشكل متزايد، بدأ الكرملين يسعى لتعزيز فرص الاستثمار والتجارة مع الصين.

لكن آمال الكرملين بتعزيز الشراكة مع الصين تحطمت عندما قام الرئيس الصيني تشي جين بينغ بدعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لعشاء دولة داخل المدينة المحرمة في بكين، وهو شرف لم يحظ به على الإطلاق أي زعيم سوفياتي أو روسي. كما أن احتمالية حصول علاقات أكثر دفئا مع أميركا ذهبت أدراج الرياح، بسب قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية سنة 2016.

لقد فشل الكرملين كذلك في توقع الأحداث بأوكرانيا؛ فرغم الغارات الروسية على شرق أوكرانيا، فإن الحكومة الأكرانية لم تنهر، بل -على العكس من ذلك- تمكنت من تطبيق إصلاحات، وتوصلت إلى اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي.

وأخيرا في سوريا؛ فقد أعلن بوتين "إنجاز المهمة" مرارا وتكرارا، ولكن لا يزال المرتزقة الروس يقتلون على الأرض، وفي الواقع تمكنت روسيا من اختبار معدات عسكرية جديدة خلال دعمها لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، ولكن لا تلوح في الأفق حتى الآن أي احتمالية لتحقيق السلام والاستقرار.

رغم محاولة بوتين إعطاء الشعور بالثقة في خطابه السنوي للمجلس الفدرالي هذا الشهر؛ فإنه لم يتمكن من إخفاء مخاوفه المستقبلية، فمثلا وعده بالنمو الاقتصادي كان مألوفا، ولكنه كان أكثر وضوحا -بكثير من المعتاد- في تحذيره من أن روسيا قد تتراجع خلف البلدان الأخرى.

لقد لاحظ بوتين أن "سرعة التقدم التقني تتسارع بشكل كبير، وأولئك الذين يتمكنون من ركوب هذه الموجة التقنية سيتقدمون بعيدا للإمام، بينما سيغرق أولئك الذين يفشلون في تحقيق ذلك في هذه الموجة". وإن مما لا شك فيه أن روسيا اليوم تتعرض لخطر الغرق.

لقد خصص بوتين معظم خطابه (السنوي) لتقديم عرض متعدد الوسائط للأسلحة الإستراتيجية المعقدة الجديدة: الصواريخ البالستية العابرة للقارات والثقيلة جدا، والأسلحة الهجومية الإستراتيجية التي تفوق بشكل كبير على سرعة الصوت، وطوربيدات مستقبلية ضخمة تعمل تحت الماء، وصواريخ كروز تعمل بالطاقة النووية بمدى غير محدد.

ولكن في محاولته إثبات أن روسيا بإمكانها التغلب على أي إجراءات دفاعية إستراتيجية جديدة قد تضعها الولايات المتحدة؛ فشل بوتين في إخفاء مخاوفه من أن الترسانة النووية الروسية الإستراتيجية قد تصبح غير ذات أهمية.

وباستثناء الترسانة النووية الروسية، وسلطة الفيتو التي تتمتع بها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي؛ فإن الأساس الذي يقوم عليه نفوذها الإستراتيجي ضعيف، وحتى مع الأخذ بعين الاعتبار للفروق في القوة الشرائية، فإن الاقتصاد الروسي يقترب من حجم الاقتصاد الإيطالي.

وإذا كان بوتين جادا فيما يتعلق باستدامة سباق التسلح الإستراتيجي مع الولايات المتحدة؛ فإنه يجب عليه عمل تضحيات إستراتيجية تتعلق بقطاعات اقتصادية مهمة أخرى وخفض مستوى معيشة الروس العاديين.

باستثناء الترسانة النووية الروسية، وسلطة الفيتو التي تتمتع بها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي؛ فإن الأساس الذي يقوم عليه نفوذها الإستراتيجي ضعيف، وحتى مع الأخذ بعين الاعتبار للفروق في القوة الشرائية، فإن الاقتصاد الروسي يقترب من حجم الاقتصاد الإيطالي

من جانب آخر؛ كان بوتين منفتحا مؤخرا على فكرة نشر بعثة من الأمم المتحدة لحفظ السلام في منطقة دونباس الأوكرانية، ومن الممكن أن عرض الوسائط الذي قام به كان يهدف للتركيز على الحاجة إلى الحد من الأسلحة الإستراتيجية وفتح حوار. إن كان هذا صحيحا فإنه قد اختار طريقة غريبة لنقل رسالته.

حتى لو أراد بوتين فتح حوار مع الغرب؛ فإنه لا أحد يستطيع أن يتجاهل الهجوم بغاز الأعصاب على العميل الروسي المزدوج السابق سيرغي سكريبال وابنته في سالزبري بإنجلترا هذا الشهر.

وكما حصل في هجوم البولونيوم سنة 2006 الذي قتل المنشق الروسي والجاسوس السابق ألكسندر ليتفينكو؛ فإن الحكومة البريطانية خلصت إلى نتيجة مفادها أن الكرملين أمر بالعملية ضد سكريبال وابنته.

من الممكن أن لدى الوكالات الأمنية الروسية "رخصة لقتل" المنشقين بأي طرق معقدة يختارونها. ولكن مثل هجوم البولونيوم قبل عقد؛ فإن الاستخدام لأول مرة لغاز الأعصاب المعقد نوفيشوك لم يمر مرور الكرام.

ذلك أن الكرملين يلجأ اليوم إلى ترسانته الفجة من الأكاذيب والمعلومات المضللة لمحاولة إخفاء الآثار التي قد تدل عليه، ولكن من الواضح أن أي نظام يقتل ويكذب ليس شريكا مرغوبا فيه في مجالات التعاون.

لكن هذا لا يعني أن المحادثات الجادة بين الولايات المتحدة وروسيا قد أصبحت أقل أهمية، فكلا البلدين يعمل على تحديث ترسانته النووية، وهناك خطر حقيقي في أن التقنيات الجديدة قد تحد من إجراءات التحكم في الأسلحة، وهي إجراءات قائمة منذ أمد بعيد؛ أو تجعلها غير مهمة لأنه قد عفا عليها الزمن.

إن مستقبل فترة حكم بوتين الجديدة غير مؤكد بالمرة، ولكن الإصلاحات الداخلية من غير المرجح أن تحصل، وقيام الكرملين بإطلاق العنان لقواه الأمنية خارج البلاد قوّض إمكانية التصالح مع الغرب.

وبينما سيشكل أي سباق جديد للتسلح خطرا كبيرا على روسيا وعلى الجميع؛ فإنه من شبه المؤكد أنه سيؤدي إلى دمار روسيا، كما سيشهد على ذلك آخر قادة الاتحاد السوفياتي.



حول هذه القصة

Russian president Vladimir Putin addresses the audience during a rally marking the fourth anniversary of Russia's annexation of Ukraine's Crimea region in the Black Sea port of Sevastopol, Crimea, March 14, 2018. REUTERS/Maxim Shemetov TPX IMAGES OF THE DAY

في مستهل رئاسته الأولى -أوائلَ العقد الأول من القرن الحالي- كان بوتين أشبه بجزيرة موالية للغرب في بحر من النخب الروسية المعادية للغرب. وكان ذلك مناقضا للتصورات التقليدية لأمن البلاد.

opinion by نينا خروتشوفا
Published On 24/3/2018
FILE PHOTO: Russian President Vladimir Putin addresses servicemen as he visits the Hmeymim air base in Latakia Province, Syria December 11, 2017. Sputnik/Mikhail Klimentyev/Sputnik via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY/File Photo

من الواضح أن نتيجة الانتخابات الرئاسية الروسية في 18 مارس/آذار القادم محسومة مسبقا: فسيفوز الرئيس الحالي فلاديمير بوتين، بعد أن يحصد أضعاف الأصوات التي سيحصل عليها المرشح صاحب المركز الثاني.

opinion by سيرغي أليكساشينكو
Published On 23/2/2018
MOSCOW, RUSSIA - MARCH 07: A video of Russian President Vladimir Putin is displayed at a Russian history museum in Moscow on March 7, 2017 in Moscow, Russia. Relations between the United States and Russia are at their lowest point in years as evidence mounts about the complex relationship between President Donald Trump's administration and the Russian government. (Photo by Spencer Platt/Getty Images)

إن سلطة الرئيس الروسي أضعف مما يبدو للناظرين. بل إن الأساس الذي تقوم عليه قوة بوتين -وهو الترتيبات الاقتصادية الزبائنية التي رسّخها- أصبح هو الخطر الرئيسي الذي يهدد بقاءه السياسي.

opinion by أندرس أسلوند
Published On 24/8/2017
Republican presidential nominee Donald Trump waves during his walk through at the Republican National Convention in Cleveland, U.S., July 21, 2016. REUTERS/Rick Wilking

القواسم المشتركة بين بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والمرشح الرئاسي الأميركي ترامب كثيرة؛ ولكن المفارقة هي أن بوتين قد لا يرغب في نجاح ترامب، فما السبب؟

opinion by كريستوفر سمارت
Published On 25/8/2016
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة