كيف تهدد تكنولوجيا المعلومات الديمقراطية

FILE PHOTO: People holding mobile phones are silhouetted against a backdrop projected with the Twitter logo in this illustration picture taken September 27, 2013. REUTERS/Kacper Pempel/Illustration/File Photo

ذات يوم، كانت شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي محل إشادة لأنها تخلق فرصا جديدة لنشر الديمقراطية والحرية. والواقع أن تويتر وفيسبوك -وغير ذلك من وسائل التواصل الاجتماعي- لعبت دورا رئيسيا في الانتفاضات الشعبية التي اندلعت في إيران 2009، وفي العالَم العربي 2011، وفي أوكرانيا خلال 2013-2014؛ وفي ذلك الوقت، بدت التغريدة على موقع تويتر أمضى من حد السيف.

لكن الأنظمة الاستبدادية سرعان ما بدأت تشن حملة صارمة ضد حرية الإنترنت؛ فقد كانت هذه الأنظمة تخشى العصر الرقمي الجديد الشجاع، لأنه كان بعيدا عن متناول مؤسساتهم الأمنية التناظرية. وقد تبين أن هذه المخاوف كانت بلا أي أساس حقيقي.

في حقيقة الأمر، فشلت أغلبية الانتفاضات الشعبية التي مكنتها وسائل التواصل الاجتماعي بسبب الافتقار إلى قيادة فعّالة، وحافظت المنظمات السياسية والعسكرية التقليدية على موقعها بوصفها صاحبة اليد العليا.

في ظل غياب الحقائق والبيانات؛ فإن مجرد احتمال حدوث التلاعب يعمل على تغذية نظريات المؤامرة، وتقويض الثقة في الديمقراطية والانتخابات في وقت يبدو فيه الثقة العامة متدنية بالفعل. كما تؤدي "غرف الصدى" الأيديولوجية التي تستخدمها وسائل التواصل الاجتماعي إلى تفاقم الانحياز الطبيعي بين الناس، والحد من فرص إدارة مناقشة سليمة

والواقع أن هذه الأنظمة بدأت تمارس السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي وتوظفها لتحقيق غاياتها الخاصة؛ فقد سمعنا جميعا الادعاءات بأن روسيا استخدمت هذه الوسائل سرا للتأثير على النتائج الانتخابية في أوكرانيا وفرنسا وألمانيا، وكانت أشهر تدخلاتها في الولايات المتحدة.

وتشير تقديرات فيسبوك إلى أن المحتوى الروسي على شبكتها -بما في ذلك المشاركات والإعلانات المدفوعة- وصل إلى 126 مليون مواطن أميركي، أي نحو 40% من مجموع سكان الولايات المتحدة.

وينبغي لنا أن نتذكر اتهامات روسيا للغرب بشأن الدور الذي لعبه في تحريك "الثورات الملونة" في أوكرانيا وجورجيا. لقد وفرت شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي -كما يبدو- ساحة معركة أخرى للتلاعب المستتر بالرأي العام.

وإذا كانت الدول الأكثر تقدما على المستوى التكنولوجي عاجزة عن حماية سلامة العملية الانتخابية؛ فبوسع المرء أن يتصور التحديات التي قد تواجه دولة أقل دراية. وبعبارة أخرى، نستطيع أن نقول إن التهديد عالمي.

وفي ظل غياب الحقائق والبيانات؛ فإن مجرد احتمال حدوث التلاعب يعمل على تغذية نظريات المؤامرة، وتقويض الثقة في الديمقراطية والانتخابات في وقت يبدو فيه الثقة العامة متدنية بالفعل. كما تؤدي "غرف الصدى" الأيديولوجية التي تستخدمها وسائل التواصل الاجتماعي إلى تفاقم الانحياز الطبيعي بين الناس، والحد من فرص إدارة مناقشة سليمة.

ويخلف هذا الوضع تأثيرات ملموسة في العالَم الحقيقي، لأنه يعزز الاستقطاب السياسي ويُضعِف قدرة القادة على صياغة الحلول الوسط، التي تشكل الأساس الذي يقوم عليه الاستقرار الديمقراطي. وعلى نحو مماثل؛ قد يولّد خطاب الكراهية، والفتن الإرهابية، والتحرش العِرقي والجنسي الذي وجد موطنا له على شبكة الإنترنت؛ العنفَ في العالَم الحقيقي.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي ليست أول ثورة اتصالات تتحدى الأنظمة السياسية؛ فقد كانت الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون وسائل ثورية وقت ظهورها. وقد خضعت جميعها للتنظيم تدريجيا، حتى في الديمقراطيات الأكثر ليبرالية.

ويتعين علينا الآن أن ننظر في كيفية إخضاع وسائل التواصل الاجتماعي لنفس قواعد الشفافية والمساءلة، والقواعد الضريبية التي تخضع لها وسائل الإعلام التقليدية.

ففي الولايات المتحدة؛ تقدمت مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ بمشروع "قانون الإعلانات الصادقة"، الذي كان سيعمل على توسيع نطاق القواعد التي تنطبق على المطبوعات والإذاعة والتلفزيون، لكي تشمل وسائل التواصل الاجتماعي. وهم يأملون أن يتحول المشروع إلى قانون قبل انتخابات التجديد النصفي للمجلس عام 2012.

وفي ألمانيا، يُلزِم قانونٌ جديدٌ شركاتِ وسائل التواصل الاجتماعي بإزالة خطاب الكراهية والأخبار الكاذبة في غضون 24 ساعة، وإلا فستواجه غرامات تصل إلى 50 مليون يورو (63 مليون دولار).

وبقدر ما قد تكون هذه التدابير مفيدة؛ فأنا لست على يقين من كفاية هذه القوانين الوطنية لتنظيم النشاط السياسي على الإنترنت. ذلك أن العديد من الدول الفقيرة لن تتمكن من بناء مثل هذه المقاومة، وسيكون إنفاذ القانون صعبا في كل مكان، لأن قدرا كبيرا من البيانات يخزن ويدار خارج الدولة المنظمة.

إن التقدم التكنولوجي لا يتوقف، ولا ينبغي للديمقراطية أيضا أن تتوقف. وعلينا أن نسارع إلى العمل، لأن التقدم الرقمي قد يكون مجرد بداية جديدة لمنحدر زلِق، يقودنا إلى عالَم يسيطر عليه "أخ أكبر" على غرار عالَم جورج أورويل. حيث الملايين من أجهزة الاستشعار في هواتفنا الذكية، وغير ذلك من الأجهزة التي تجمع البيانات وتجعلنا عُرضة للتلاعب والاستغلال

وسواء أكانت القواعد الدولية الجديدة ضرورية أم لا؛ فإنه ينبغي لنا أن نتوخى الحذر حتى لا نعرّض -أثناء سعينا لكبح التجاوزات- الحقَّ الأساسي في حرية التعبير للخطر. وينبغي للمجتمعات المفتوحة ألا تبالغ في استجابتها، خشية أن تتسبب في تقويض الحريات التي تستند إليها شرعيتها.

ولكن لا يجوز لنا أن نبقى خاملين؛ فهناك قِلة من اللاعبين الأساسيين -في وادي السليكون وأماكن أخرى- يتحكمون في مصائرنا. ولكن إذا تمكنا من إشراكهم، فسيصبح بوسعنا معالجة أوجه القصور التي تعيب النظام الحالي.

في عام 2012، دعوتُ -عبر مؤسسة كوفي أنان– إلى عقد اللجنة العالمية المعنية بالانتخابات والديمقراطية والأمن، لتحديد ومعالجة التحديات التي تهدد سلامة الانتخابات وشرعية العمليات الانتخابية. فالانتخابات التي يقبلها عامة السكان -باعتبارها نزيهة وجديرة بالثقة- هي وحدها التي تفسح المجال للتناوب السلمي الديمقراطي في القيادة، وتضفي الشرعية على الفائز وتحمي الخاسر.

وتحت رعاية المؤسسة نفسها؛ أعتزم الآن الدعوة إلى إنشاء لجنة جديدة (ستضم هذه المرة قادة وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا المعلومات فضلا عن القادة السياسيين) لمساعدتنا في معالجة هذه القضايا الجديدة الحرجة.

وسنعمل على إيجاد حلول قابلة للتطبيق تخدم ديمقراطياتنا وتحمي سلامة انتخاباتنا، في حين تسخّر الفرص العديدة التي تتيحها التكنولوجيات الجديدة. وسنخرج بتوصيات من شأنها -كما نأمل- أن تساعد في التوفيق بين التوترات المعَطِّلة التي قد تنشأ بين أوجه التقدم التكنولوجي، وواحد من أعظم إنجازات البشرية: الديمقراطية.

إن التقدم التكنولوجي لا يتوقف، ولا ينبغي للديمقراطية أيضا أن تتوقف. وعلينا أن نسارع إلى العمل، لأن التقدم الرقمي قد يكون مجرد بداية جديدة لمنحدر زلِق، يقودنا إلى عالَم يسيطر عليه "أخ أكبر" على غرار عالَم جورج أورويل. حيث الملايين من أجهزة الاستشعار في هواتفنا الذكية، وغير ذلك من الأجهزة التي تجمع البيانات وتجعلنا عُرضة للتلاعب والاستغلال.

من ينبغي له أن يمتلك كل البيانات التي تجمعها هواتفنا وساعاتنا؟ وكيف ينبغي لهذه البيانات أن تُستَخدَم؟ هل يتطلب استخدامُها من قِبَل آخرين مواقفتَنا؟ وأي جهة يجب أن يخضع من يستخدمون بياناتنا لمساءلتها؟ هذه هي الأسئلة الكبرى التي ستشكل مستقبل الحرية.