ترمب ورئاسته المدحورة

لقد بلغ الأمر النقطة التي قد يشعر المرء عندها بالأسف على الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ورغم أن هذا يعكس "تقريبا" فجوة أوسع من أن يستطيع خصومه عبورها؛ فبوسعنا أن نقول إن فبراير/شباط كان -حتى الآن- قاسيا عليه، وإن كان من الواضح أنه ليس ضحية بريئة.

فخلال الأسبوع الأول من هذا الشهر؛ واجه البيت الأبيض من المتاعب ما فاق كل ما قد يحل منها على أغلب الرئاسات في غضون بضعة أشهر أو أكثر، إذ انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 1000 نقطة مرتين، فمحا ذلك الهبوط كل المكاسب التي حققتها السوق الصاعدة على مدار العام حتى الآن.

ولم يكن أحد يعرف متى ستستقر الأسواق أو ما إن كانت تخفيضات ترمب الضريبية الضخمة -بين سياسات أخرى- تعمل على تغذية المخاوف من فرط النشاط الاقتصادي وارتفاع أسعار الفائدة.

كما زاد سوء موقف ترمب عندما فعل ما كان الرؤساء الذين سبقوه في المكتب البيضاوي حريصين على تجنبه بحكمة؛ فقد نسب الفضل إلى نفسه بانتظام عن المكاسب التي حققتها البورصة. ويبدو أن رجل الأعمال العظيم المفترض نسي أنه "ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع".

انطوت رئاسة ترمب على سلسلة طويلة -إلى حد غير مألوف- من مساعدين أُجبِروا على الاستقالة أو فُصِلوا لأسباب عديدة. ولم تنجح محاولات استقطاب الموظفين القدامى الأكثر خبرة إلى السلطة التنفيذية للعمل مع ترمب، وكان هو ودائرته من المستشارين يصوتون ضد كل من عارضه خلال انتخابات 2016

في ذلك الأسبوع أيضا، أقر الكونغرس الأميركي اتفاقا بشأن الميزانية يمتد لسنتين. وفي العادة، كان الاتفاق الأطول أمدا بين الحزبين سيُعَدّ من الأخبار السارة؛ لكن تقديرات أشارت إلى أن الاتفاق يضمن عجزا هائلا في الميزانية قد يبلغ تريليون دولار سنويا.

وخسر الحزب الجمهوري هويته التي ادعاها فترة طويلة بوصفه حزب المسؤولية المالية. كان الديمقراطيون والجمهوريون بالكونغرس قادرين على التوصل إلى اتفاق عبر إعطاء كل جانبٍ الجانبَ الآخرَ ما يريده في الأساس مما يتصل بالإنفاق الجديد، دون تخفيضات في الميزانية أو زيادات ضريبية للتعويض عن التأثير على العجز.

أشرف كل من الرؤساء الثلاثة: رونالد ريغان وجورج بوش (الأب) وبيل كلينتون على زيادات ضريبية، وقد عملت سياسة كلينتون المالية فعليا على توليد فائض في الميزانية طوال السنوات الأخيرة من ولايته الثانية.

ثم أتى جورج دبليو بوش (الابن) فزعم أن الفائض لا بد من أن يُعاَد إلى الناس؛ وهكذا كان. ومنذ ذلك الحين، أصبحت زيادة الضرائب لعنة في نظر الجمهوريين، وبمرور الوقت أصبحت أغلب تخفيضات بوش الضريبية "المؤقتة" دائمة.

يُنظَر إلى وعد ترمب بخفض الضرائب مرة أخرى على نطاق واسع باعتباره سببا رئيسيا وراء الدعم الذي قدمه قادة الحزب الجمهوري في الكونغرس -وكذلك كبار المانحين للحزب- للرئيس ترمب في عام 2016، ثم استمرارهم في دعمه.

لكن أعضاء الكونغرس أصبحوا أيضا متخوفين من "قاعدة" ترمب، التي ربما لا تمثل أكثر من ثلث الناخبين ولكنها بالغة القوة في دوائر الكونغرس الجمهورية، وقد تدعم منافسا أكثر ميلا إلى اليمين في انتخابات الحزب الأولية.

تظاهر الجمهوريون بأن التخفيضات الضريبية كانت تستهدف الطبقة المتوسطة، لكنها غالبا ساعدت الأثرياء ورجال الأعمال. وقد حاول ترمب وحلفاؤه باستماتة إقناعَ البلاد بتقبّل التخفيضات الضريبية التي جرت تغطية تكاليفها مقدَّما لمساعدة الناس قبل انتخابات التجديد النصفي 2018، حيث سيكون مجلس النواب بأكمله وثلث مجلس الشيوخ والعديد من مناصب حكام الولايات والهيئات التشريعية متاحة للراغبين.

وسادت حالة من الذعر بين الجمهوريين إزاء احتمالات خسارتهم لكل من المجلسين، وإن كانت الخسارة في مجلس الشيوخ أقل ترجيحا، لأن عددا من الديمقراطيين أكبر كثيرا من الجمهوريين الشاغلين للمقاعد يتعين عليهم أن يدافعوا عن مقاعدهم. وقد تحدث أمور كثيرة حتى ذلك الوقت لتغيير المعادلة الانتخابية.

وكأن كل هذا لم يكن كافيا، فإذا بالبيت الأبيض يواجه فجأة موجة من الاتهامات بضرب الزوجات. وكان الحزب الجمهوري في مأزق بالفعل فيما يتصل بالنساء، ولم تكن الطريقة التي تعامل بها ترمب ومعاونوه مع الموقف مفيدة على الإطلاق.

ففي وقت مبكر من الأسبوع؛ بات معروفا أن اثنتين من الزوجات السابقات للمغمور روب بورتر (كان لقبه الوظيفي كسكرتير لهيئة العاملين يكذب أهمية وظيفته المتمثلة في الحصول على الأوراق الصحيحة لتقديمها للرئيس) أبلغتا مكتب التحقيقات الفدرالي أن بورتر كان عنيفا على المستويين البدني والعاطفي في التعامل معهما، خلال فترة زواج كل منهما به والتي كانت وجيزة.

ونتيجة لهذا، لم يحصل بورتر قَط على التصريح الأمني الكامل الذي تطلبته وظيفته؛ وحتى بعد عام كامل، لم يكن يحمل سوى تصريح "مؤقت". ومن غير المعتاد أن يدوم عدم اليقين حول مدى لياقة أحد كبار المسؤولين في البيت الأبيض أمنيا لفترة طويلة إلى هذا الحد، كما كانت الحال أيضا مع جاريد كوشنر(زوج ابنة ترمب)، الذي يتعامل مع بعض قضايا السياسة الخارجية للبلاد.

لم تبدأ رئاسة ترمب بموظفين من الطراز الأول، ولم تتحسن هيئة الموظفين. وهذا ليس مستغربا؛ فمن المعروف عن ترمب أنه شخص بالغ الصعوبة في التعامل مع كل من يعمل معه: فهو مندفع ومتهور ومتطرف في انفعالاته، ويصرخ بشكل روتيني في معاونيه. وقد ارتفع ناس وسقطوا في تقديره في غضون أيام

ومكمن التخوف في مثل هذه الحالات هو أن الأمر ربما ينطوي على معلومات قد تعرض المسؤول للابتزاز. وكان لزاما على كاتب خطابات ترمب أيضا أن يتنحى بعد شكاوى من قِبَل زوجته السابقة.

ثم ازداد الطين بلة عندما بات من المعروف أن رئيس أركان ترمب (جون كيلي)، ومحامي البيت الأبيض دون ماكجان؛ كانا على عِلم بمسألة بورتر لبعض الوقت (كان ماكجان عالما بالأمر منذ عام، وعلم كيلي به لأشهر على الأقل)، وواضح أنهما لم يتخذا أي خطوة لمنع بورتر من تناول معلومات بالغة السرية. ولذا سرعان ما صارت فضيحة الإساءة للزوجات فضيحةً هفوات أمنية محتملة.

لقد انطوت رئاسة ترمب على سلسلة طويلة -إلى حد غير مألوف- من مساعدين أُجبِروا على الاستقالة أو فُصِلوا لأسباب عديدة. ولم تنجح محاولات استقطاب الموظفين القدامى الأكثر خبرة إلى السلطة التنفيذية للعمل مع ترمب، وكان هو ودائرته من المستشارين يصوتون ضد كل من عارضه خلال انتخابات 2016.

ولهذا، لم تبدأ رئاسة ترمب بموظفين من الطراز الأول، ولم تتحسن هيئة الموظفين. وهذا ليس مستغربا؛ فمن المعروف عن ترمب أنه شخص بالغ الصعوبة في التعامل مع كل من يعمل معه: فهو مندفع ومتهور ومتطرف في انفعالاته، ويصرخ بشكل روتيني في معاونيه. وقد ارتفع ناس وسقطوا في تقديره في غضون أيام، وكانت الفصائل داخل البيت الأبيض تتخاصم وتتناوش على نحو لا ينقطع.

صحيح أن كيلي (الجنرال البحري المتقاعد الحاصل على أربعة أوسمة، والذي تحول في أواخر يوليو/تموز 2017 من وزير للأمن الداخلي إلى رئيس أركان البيت الأبيض) نجح في إرساء بعض النظام في الجناح الغربي.

لكنه تخلى عن محاولة تغيير سلوك ترمب بدءا من تغريداته التي لا يكمن التنبؤ بها والوخيمة العواقب، إلى المكالمات التي يجريها عبر هاتف شخصي من مقره الخاص (حتى لا يتمكن كيلي من رصدها أو الاستماع إليها).

وقد تبين أن كيلي متبلّد أخلاقيا مثل رئيسه تقريبا؛ فقد أظهر فعلا فظاظة عنصرية، ولم يجد ما يقوله عندما تعلق الأمر بالعنف المنزلي. ولم يهتم إلا بأن بورتر كان يقوم بعمل جيد وكان مطلوبا، ولهذا ألقى بتعليق امتدح فيه بورتر رافعا إياه إلى عنان السماء، ثم استحثه بشكل شخصي على البقاء في الوظيفة.

ولكن مع انتشار العاصفة الإعلامية، غيّر كيلي روايته وأصدر توجيهاته إلى موظفي البيت الأبيض بالكذب نيابة عنه، لكي يؤكد أنه استجاب -بسرعة وبشكل سلبي- للأخبار المتعلقة بزوجتيْ بورتر السابقتين. واليوم بات مصير كيلي غير مؤكد.

وماذا عن ترمب نفسه الذي كان موضوع شكاوى قدمتها عشر نساء على الأقل وتتصل بمفاتحات جنسية غير مرغوبة (إن لم يكن أسوأ)؟ في نهاية أسبوع حافل بالأحداث؛ أشعل ترمب شرارة عاصفة جديدة عندما تحدث عن تعاطفه مع بورتر، واقترح أن النساء اللاتي يتقدمن بمثل هذه الشكاوى لسن صادقات بالضرورة.



حول هذه القصة

أثار الكتاب الذي صدر للتو عن دونالد ترمب ورئاسته المختلة بعنوان “نار وغضب: داخل بيت ترمب الأبيض” قلقَ كثيرين بواشنطن، ولكن أغلبية معلوماته ليست مفاجئة، رغم القلق الكبير الذي سببته.

لقد بدأ الخروج الجماعي لموظفي البيت الأبيض إما لعدم رضاهم أو لاستياء ترمب منهم. وحتى إن مرت عطلة الأعياد بسلام نسبي؛ فمن الواضح أن عام 2018 سيكون عاما صاخبا وعاصفا.

يعيش سكان واشنطن حالة ذعر تقريبا؛ فقد أصبح تصرف الرئيس أغرب من السابق، وصار السؤال المطروح في ذهن السياسيين والمدنيين معاً، والذي نادرا ما يطرح: كيف نتصرف مع هذا الرجل؟

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة