ورقة "الخمس" السورية.. دلالاتها وأثرها على مسار سوتشي

UN envoy Staffan de Mistura (C) looks on before the start of talks on Syria in Vienna on January 25, 2018. REUTERS/Alex Halada/Pool

إستراتيجية جديدة
رسائل متعددة
إشكاليات كبيرة 

حملت الأيام القليلة الماضية تحولاً مهماً في السياسة الأميركية بشأن الملف السوري والمنطقة عموماً؛ بدأ بكشف وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون عن عزم واشنطن الاحتفاظ بوجود عسكري لأجل غير مسمى في سوريا، في إطار إستراتيجية أوسع تشمل العراق وأفغانستان، "لمنع عودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)".

وكان لافتاً ربط تيلرسون هذا الهدف بهدف آخر -فيما يخص سوريا- وهو "تمهيد الطريق أمام مغادرة الرئيس بشار الأسد السلطة في نهاية المطاف"، وفُهم من ذلك أن إدارة دونالد ترمب بصدد إطلاق إستراتيجية جديدة تعيد بها الولايات المتحدة انخراطها في الملف السوري، بعد سنوات من سياسات التردد والانكفاء التي انتهجتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.

إستراتيجية جديدة
الخطوط العامة للإستراتيجية الأميركية الجديدة بخصوص سوريا كشفت عنها ورقة الدول الخمس (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسعودية والأردن)، أو ما اصطُلح على تسميتها -في الورقة ذاتها- بـ"المجموعة الصغيرة".

فأهمية هذه الورقة -دون الانتقاص من مكانة الدول الأربع الأخيرة- تكمن أولاً في أن الأميركيين هم من عملوا على صياغتها، كتطبيق عملي للتغيرات التي اعتمدتها إدارة ترمب على المستوى الإستراتيجي بدفع من جنرالات البيت الأبيض، وأظهرت جدية في التعامل معها -حتى الآن- لجهة الخطاب السياسي والتحرك على الأرض.

أهمية هذه الورقة تكمن أولاً في أن الأميركيين هم من عملوا على صياغتها، كتطبيق عملي للتغيرات التي اعتمدتها إدارة ترمب على المستوى الإستراتيجي بدفع من جنرالات البيت الأبيض، وأظهرت جدية في التعامل معها لجهة الخطاب السياسي والتحرك على الأرض. وهي تعبير عن أحد المحاور المهمة في السياسة الخارجية، يتشابك مع العديد من الملفات المهمة الأخرى إذا لم نقل الأهم

وهي تعبير عن أحد المحاور المهمة في السياسة الخارجية، يتشابك مع العديد من الملفات المهمة الأخرى إذا لم نقل الأهم، وفي مقدمتها ملف العلاقة مع روسيا والملف الإيراني وارتباطه بملفيْ العراق واليمن.

الورقة حملت عنوان "ورقة غير رسمية بخصوص إحياء العملية السياسية في جنيف بشأن سوريا"، وجاء في ديباجتها: "تناقش هذه الورقة المنهجية التي ستكون عليها عملية المفاوضات في جنيف استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 2254، مع التركيز بشكل مباشر وفوري على مناقشة إصلاح الدستور وإجراء انتخابات حرة ونزيهة".

إلا أن الورقة -في جوانب عديدة منها- تثير أسئلة أكثر مما تقدم إجابات حول منهجيتها وبنودها، رغم أنها أُدرِجت تحت مسمى توصيات "غير رسمية"، وقُدمت إلى مبعوث الأمم المتحدة في سوريا ستيفان دي ميستورا لوضع مسار للمحادثات المستقبلية في جنيف.

أول الأسئلة التي أثارتها الورقة يتعلق بتوقيت الإعلان عنها بالتزامن مع الجولة التاسعة من المفاوضات السورية، التي جرت استثناء في فيينا بسبب استضافة جنيف لـ"منتدى دافوس"، كما أن التوقيت جاء على أبواب انعقاد مؤتمر سوتشي.

في الجزئية الأولى؛ وجَّهت الورقة نقداً لاذعاً لأداء دي ميستورا دون أن تسميه صراحة، بتأكيدها -في الفقرة الأولى- أن العملية التفاوضية بقيادة الأمم المتحدة لم تحقق أي شيء يذكر منذ استئنافها عام 2017، بل وأكثر من ذلك اعتبرت الورقة أن "تسميات الجولات" أثارت بلا داع توقعات بإحراز تقدم ملموس في كل جولة.

وبتزامن الورقة مع الجولة التاسعة -التي انتهت بالفشل كسابقاتها- يتضح أن أول أهداف طرحها في هذا التوقيت هو إعادة توجيه دفة المفاوضات، وتغيير منهجية عمل دي ميستورا لجهة الأولويات، كما تراها واشنطن وحلفائها في "المجموعة الصغيرة".

وفي الجزئية الثانية -ربطاً بتوقيت إصدارها قبل أيام من انعقاد مؤتمر سوتشي- حملت الورقة رسالة إلى موسكو، مفادها أنه لا يمكن لروسيا أن تشق عبر مؤتمر سوتشي مساراً خاصاً كبديل عن مسار جنيف. ولا يمكنها الإبقاء على استفرادها بالملف السوري، بل عليها إعادة حساباتها بعد أن قرَّرت إدارة ترمب الانخراط في مختلف جوانب الملف السوري.

رسائل متعددة
وكحصيلة مباشرة للورقة؛ ساعد توقيت طرح الورقة في اتخاذ "هيئة التفاوض" قرارها بمقاطعة مؤتمر سوتشي، وبانضمام "هيئة النسيق" للمقاطعة، واعتذار واشنطن وباريس عن عدم المشاركة بصفة مراقب، ففَقَدَ المؤتمر زخمه الذي كان مفترضاً، وراهنت موسكو حتى اللحظة الأخيرة من التحضيرات على إمكانية تحقيقه.

هناك رسالة أخرى لا تقل أهمية عن الرسالة الأولى أرادت واشنطن وحلفاؤها في "المجموعة الصغيرة" إيصالها لروسيا وإيران وربما لتركيا أيضا، وبالطبع للسوريين المشاركين في مؤتمر سوتشي؛ وهي تحذير الورقة من أن عملية إعادة إعمار سوريا ستتم "عندما يكون هناك انتقال سياسي شامل"، عبر مفاوضات تعتمد القرار رقم 2254 و"بقيد تنفيذ بيان جنيف2012، مثلا عند بناء بيئة محايدة".

وجهت ورقة "الخمس" ضربة قاصمة للوثيقتين الأولى والثانية التي أعدتهما موسكو لتكونا مخرجات لمؤتمر سوتشي، وهما "البيان الختامي" و"نداء سوتشي"؛ فقد وضعت "المجموعة الصغيرة" ثمانية أسس وضوابط بشأن "مضمون الدستور الجديد أو نصه الفعلي أو الإصلاح الدستوري"، تنسف الأسس التي اعتمدتها مسودة "البيان الختامي" لمؤتمر سوتشي بمبادئه الاثني عشر

ووجهت الورقة بذلك ضربة قاصمة للوثيقتين الأولى والثانية التي أعدتهما موسكو لتكونا مخرجات لمؤتمر سوتشي، وهما "البيان الختامي" و"نداء سوتشي"؛ فقد وضعت "المجموعة الصغيرة" ثمانية أسس وضوابط بشأن "مضمون الدستور الجديد أو نصه الفعلي أو الإصلاح الدستوري"، تنسف الأسس التي اعتمدتها مسودة "البيان الختامي" لمؤتمر سوتشي بمبادئه الاثني عشر.

كما أن اشتراطات "المجموعة الصغيرة" لإعادة الإعمار" تُفقد "نداء سوتشي" أي قيمة عملية، حيث إن النقطة المحورية فيه هي "إعادة الإعمار"، وهي مهمة لا يمكن لروسيا أن تنهض بها دون تعاون المجتمع الدولي.

وبقليل من التدقيق؛ يلاحَظ أن السياق الذي قدمت فيه "المجموعة المصغرة" ورقتها يعطي انطباعاً بأن الهدف منها هو دعم عملية المفاوضات في جنيف، وقطع الطريق أمام أي قنوات تفاوضية موازية، غير أن المبادئ التي اعتُمدت في الورقة تجعل رؤيتها لمنهجية عملية المفاوضات في المرحلة القادمة رؤيةً إشكالية.

فرغم الحديث في ديباجة الورقة عن أن "المفاوضات في جنيف ستكون استناداً إلى قرار مجلس الأمن الدولي 2254، مع التركيز بشكل فوري ومباشر على مناقشة إصلاح الدستور، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة"؛ فإننا نجد أن الورقة لا تثبّت تفسيرات سبق أن قُدّمت في مواجهة تفسيرات موسكو والنظام السوري للقرار 2254، بل تقدم تفسيرات جديدة لبعض بنود القرار يرقى بعضها إلى تعديل جوهري في منطوقه.

ففي فقرة "مناقشة الدستور في محادثات جنيف"؛ تحدد المبادئُ المقدمة على شكل توصيات -بشكل مفصل- المخرجاتِ التي يجب أن تخرج بها مفاوضات جنيف بشأن مضمون الدستور، فيما يخص "الصلاحيات الرئاسية، الحكومة، البرلمان، القضاء، لا مركزية السلطة، الحقوق والحريات الأساسية، إصلاح قطاع الأمن، الانتخابات".

إشكاليات كبيرة
وتبرز إشكالية كبيرة في بندين: الأول البند المتعلق بالبرلمان والذي نص على أن "يتكون البرلمان من مجلسين، يكون ممثلاً في مجلسه الثاني من كافة الأقاليم، للتأثير على عملية صنع القرار في الحكومة المركزية". والبند الثاني المتعلق بـ"لا مركزية السلطة/ موازنة المصالح الإقليمية"، وينص على "منح سلطة واضحة للحكومات الإقليمية استناداً إلى مبادئ اللامركزية/ تفويض السلطة، مع العمل بمبدأ فصل السلطات أيضاً".

والإشكالية هنا أن النصين مبهمان مما يجعلهما عرضة للالتباس؛ فهل المقصود منهما تحويل نظام الحكم في سوريا إلى نظام فدرالي؟ وهل هذان البندان بوابة لإقامة كيانات اثنية وطائفية تحت مسمى أقاليم؟ وهذا السؤال المركّب يُطرح من قبل النظام والمعارضة معاً، وبشكل يثير حفيظتهما على حد سواء.

ويلاحظ أن الورقة اجتزأت البند الأول من فقرة المبادئ والخطوط التوجيهية في "بيان جنيف1″؛ حيث اكتفت بالتأكيد على أنه "في مرحلة من عملية الإصلاح، ستكون هناك حاجة إلى تغييرات ملموسة في نظام الحكم لتهيئة بيئة آمنة.."، بينما ينص بيان جنيف1 على "إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تهيئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية، وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية".

إن إبعاد تركيا عن "المجموعة الصغيرة" -بصرف النظر عن الحجج التي سيقت لتبرير ذلك- ربما يدفع الحكومة التركية لاتخاذ موقف سلبي من الورقة، وإيجاد مقاربات مع روسيا وإيران لتعطيلها، في مناورة للضغط على واشنطن وحلفائها في "المجموعة الصغيرة" لأخذ الاشتراطات والملاحظات التركية بعين الاعتبار

أي أن "المجموعة الصغيرة" أسقطت في ورقتها مطلبَ "إقامة هيئة حكم انتقالية"، مما قد يُفسَّر بأنه موافقة ضمنية على استمرار نظام حكم الأسد في المرحلة الانتقالية، الأمر الذي سيثير مخاوف المعارضة بصرف النظر عن مقولة "إن مجمل المبادئ الواردة في الورقة تضمن عملياً الوصول إلى تهيئة بيئة آمنة، لا سيما أن العملية برمتها وُضعت بيد الأمم المتحدة".

وهذه بحد ذاتها أيضاً ستكون قضية خلافية، وفقاً لما ورد في القرار 2254 الذي أعرب فيه مجلس الأمن "عن دعمه لعملية سياسية بقيادة سورية تسيّرها الأمم المتحدة…".

وفي الفقرة الأخيرة من ورقة "العناصر التي تساهم في بيئة آمنة ومحايدة" تمت صياغة البند (أ) بطريقة حمّالة للأوجه، بالحديث عن "مشاركة الأطراف السورية الحقيقية في مفاوضات جنيف، خاصة في القضايا الدستورية".

ومن شأن هذه الصيغة أن تثير حفيظة النظام والمعارضة من زاويا مختلفة، وحفيظة تركيا أيضاً كطرف إقليمي لا يمكن تجاوز دوره في الملف السوري، بما في ذلك موقفه من تمثيل "حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي"، الذي تصنفه أنقرة على أنه "النسخة السورية من حزب العمال الكردستاني".

وأخيراً؛ فإن إبعاد تركيا عن "المجموعة الصغيرة" -بصرف النظر عن الحجج التي سيقت لتبرير ذلك- ربما يدفع الحكومة التركية لاتخاذ موقف سلبي من الورقة، وإيجاد مقاربات مع روسيا وإيران لتعطيلها، في مناورة للضغط على واشنطن وحلفائها في "المجموعة الصغيرة" لأخذ الاشتراطات والملاحظات التركية بعين الاعتبار.

ناهيكم عن أن الورقة لن تمرّ بسهولة دون تفاهمات مع روسيا، وثمن ذلك معروف أيضاً، وهذا يرجِّح أن الورقة ستخضع لعمليات مساومة قد تطول، ومن المقدَّر لها أن تؤثر سلباً على العملية التفاوضية في المدى المباشر.

فغياب دور الولايات المتحدة وحلفائها خلال السنوات السبع الماضية أحدث وقائع على الأرض استغلتها روسيا لإحكام قبضتها عسكرياً وسياسياً في سوريا، ولا يُمكن تجاوزها بمجرد إظهار واشنطن عزمها العودة بقوة إلى الملف السوري.



حول هذه القصة

وصلت تعزيزات عسكرية إلى الوحدات المنتشرة على الحدود مع سوريا، وبالتحديد إلى قضائي "خاصة" و "قرقهان" بولاية هطاي المحاذية للحدود السورية.

أثار إعلان التحالف الدولي عزمه إنشاء وتدريب قوة لحرس الحدود في سوريا، تتشكل من قوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية؛ ردودَ فعل غاضبة ورافضة كان أكثرها حدة الموقف التركي المتوقع.

opinion by سعيد الحاج
Published On 18/1/2018
epa06344224 Russian President Vladimir Putin (C), Iranian President Hassan Rouhani (L) and Turkish President Recep Tayyip Erdogan (R) attend a joint news conference following their meeting in the Black sea resort of Sochi, Russia, 22 November 2017. Leaders of Russia, Turkey and Iran meet in Sochi to discuss settlement of the situation in Syria. EPA-EFE/MICHAEL KLIMENTYEV / SPUTNIK / KREMLIN POOL MANDATORY CREDIT

إذا كان كل عام من أعوام الأزمة السورية اتسم بعنوان ما، فإن 2017 هو “عام أستانا”. وفيه توصلت واشنطن وموسكو لتفاهم يقضي بضرورة وقف إطلاق النار لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

opinion by حسين عبد العزيز
Published On 1/1/2018
epa06341426 Russian President Vladimir Putin (R) shakes hands with Syrian President Bashar al-Assad (L) during their meeting in the Black sea resoert of Sochi, Russia, 20 November 2017 (issued 21 November 2017). According to reports the two leaders met over talks focusing on the Syrian conflict. EPA-EFE/MICHAEL KLIMENTYEV/SPUTNIK/KREMLIN / POOL MANDATORY CREDIT

تسعى روسيا لتحقيق أقصى استثمار سياسي ممكن لتدخلها العسكري بسوريا؛ وهناك جملة مؤشرات على تحول في الكيفية التي سيتعاطى بها الكرملين مع الملف السوري خلال الولاية الرئاسية المقبلة لبوتين.

opinion by عامر راشد
Published On 24/12/2017
Iran's President Hassan Rouhani together with his counterparts, Russia's Vladimir Putin and Turkey's Tayyip Erdogan, attend a joint news conference following their meeting in Sochi, Russia November 22, 2017. Sputnik/Mikhail Klimentyev/Kremlin via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY.

يمكن ألا يعلم البعض سبب تهنئة قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني لمرشد الثورة الإيرانية بـ”تحرير” البوكمال السورية، بالتزامن مع زيارة الرئيس بشار الأسد لسوتشي ولقائه الرئيس الروسي فلادمير بوتين.

opinion by عماد آبشناس
Published On 2/12/2017
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة