مقالات

"ترشح" وينفري للرئاسة وأوجاع الثقافة السياسية بأميركا

تردد نبأ عزم أوبرا وينفري (64 عاما) البليونيرة الأميركية السوداء ونجمة برنامجها التلفزيوني الأشهر، الترشحَ لرئاسة الجمهورية الأميركية في عام 2020؛ فشغل الناسَ أياماً قبل أن يتبخر بعد إشارات قوية منها تفيد بأنها ليست طامعة في تلك السدة.

وتواترت الشائعة الذائعة عن وينفري بعد خطبة لها ملهمة يوم 8 يناير/كانون الثاني الجاري، بمناسبة تسلمها جائزة سيسي ديل ميل لخدمتها الطويلة الممتازة في عالم المرئيات الماتعات. ولم يبق للمعلق بعدُ -وحتى إشعار آخر- سوى تحليل إسقاطات طلة وينفري الانتخابية القصيرة على حالة السياسة الأميركية في ظل الرئيس دونالد ترمب.

فقالت نيويورك تايمز إن حديث وينفري كشف عن المسغبة الكبيرة وسط الديمقراطيين لمرشح أكبر من الحياة لمنازلة ترمب؛ فالحزب تتنازعه تيارات حول ليبراليته ومقتضيات الكسب الانتخابي لا يجد منها فكاكاً. ومن رأي الصحيفة أن وينفري الديمقراطية الهوى ستختصر له طريق حلحلة تلك المشاكل. فهي امرأة سوداء ستجتمع عليها النساء والأميركيون السود.

حديث وينفري كشف عن المسغبة الكبيرة وسط الديمقراطيين لمرشح أكبر من الحياة لمنازلة ترمب؛ فالحزب تتنازعه تيارات حول ليبراليته ومقتضيات الكسب الانتخابي لا يجد منها فكاكاً. ومن رأي البعض أن وينفري الديمقراطية الهوى ستختصر له طريق حلحلة تلك المشاكل. فهي امرأة سوداء ستجتمع عليها النساء والأميركيون السود

ولها مع ذلك جاهٌ مقبول لدى كثيرين آخرين لأنها مروّج كبير لعقيدة أميركية جوهرية، مفادها أن بوسع المرء اجتراح المعجزات ما امتلك زمام نفسه، وتقوّى على الصعاب، ووسعت نفسُه الآخرين برحابة. وزكى هذا النظر للديمقراطيين أنهم خرجوا من حملة للرئاسة خاسرة لأن مرشحتهم هيلاري كلينتون -على نبلها- ماسخة قابضة لا فضفضة لها مع الناس.

فلم يكن بوسعها أن تأتي بمثل عبارة وينفري في حفل الجائزة: "يطل يوم جديد في الأفق". وهي العبارة التي هفت لها الأفئدة، وأروت ظمأ الديمقراطيين -أو الأميركيين- إلى التفاؤل في عهد ترمب القابض المبتئس. وقال فران بروني من نيويورك تايمز شعراً في وينفري حين عقد المقارنة بين طلاقتها وتيبّس كلينتون، بقوله إنها محمولة على أجنحة الكاريزما التي تفيض منها بالجنبات، لا بل هي شلالات نياغرا الكاريزما.

 ولكن من الديمقراطيين من لم يستحسن فكرة ترشح وينفري للرئاسة، وقالوا إنهم لا يريدون للانتخابات أن تكون حرباً للنجوم اللوامع عديمي الخبرة في الوظيفة السياسية، إذ لا يفلّ عندهم الحديدَ الحديدُ.

فتجربتهم تحت حكم ترمب -وهو النجم التلفزيوني- أزهدتهم في رئيس منهم أو من غيرهم يأتيهم عبر التلفزيون بلا خبرة في السياسة، ومن رأيهم أن حزبهم يعاني من فقدان الأجندة لا من حاجته إلى شخصية مشعّة لها كاريزما.

وهكذا رأينا شائعة ترشح وينفري للرئاسة الأميركية تجدد مسألة أميركية شاغلة جاء بها ترمب خلال عامه في الحكم، وهي وجوب الوظيفة السياسية وخبرتها في شعاب الحكم في كل من سيملأ السدة الأميركية.

ولكني أعتقد أن من أكثر أخطاء الليبراليين فداحة ترويجهم أن الرئيس ترمب -الذي لم تعركه الوظيفة السياسية- جاء ممثلاً لزمان "جاهلي" -في مصطلحنا ربما- موصوف بأنه "ضد النخبة، وضد التبحر في المعرفة، وضد واشنطن". وفداحة هذا الترويج في ظنهم أن تبخيس ترمب لبنية المؤسسة الحكومية نابع من جهله المحض بأعرافها وآلياتها.

ولكن الصحفية كاثرن بونل نفت عنه الجهل بمعنى "عدم المعرفة" العادي بالأمر. فمن وراء صعوده -في قولها- صفوة محافظة ظلت لنصف قرن تنخر في جسد البنية السياسية القائمة، تريد خلق نظام جديد للمعرفة حول ما ينبغي أن يكون عليه أداء الدولة.

وهم نخبة من رجال الأعمال وعلماء الجامعات والإعلاميين، وهم صفوة "ليبرالتانية"(Libertarian) العقيدة تجعل الفرد في مركز المجتمع وتحليله، وتنسب حقوقه للفطرة لا لعطية حكومة أو مجتمع، وتناوئ مرْكزة الأشياء لأنها تعتد بالطلاقة والتلقائية. ومن هنا كان مطلبها أن تكون الحكومة التي على الناس مؤسسة في الحد الأدنى.

وتميز هذه العقيدة الإنتاجية، وترى أن من حق المنتج أن يحتفظ بعائد إنتاجه فلا تتطفل عليه حكومة تأخذ منه لتُسعف غير المنتج. وهذا الترفيع الروحي للإنتاجية ينعكس الآن في تنصُّل الدولة -حسب سياسات ترمب الحالية- من غوث الضعيف. 

وصبرت هذه الجماعة على خسرانها السياسي الطويل تبشر لفكرها ضد ما تسميه "الأرثوذكسية الفكرية السائدة"، ويعنون بها الليبرالية. وأكثر ما تستهدف هذه الجماعة -التي خرج ترمب من كنف فكرها- "الموضوعية" التي تتذرع بها الأرثوذكسية الطاغية. وترى فيها موضوعية تخدم غرض خصومهم الليبراليين لا غرضهم.

ترمب -على ما يقال من خلوه من الفكر والخبرة- ليس نبتاً شيطانياً، بل هو خريج تقليد ثقافي أميركي ليبرتاني توارى عن ناظرينا لغلبة التقليد الليبرالي في أميركا، كما نراه مثلاً في الحزب الديمقراطي. فما يقوم به ترمب حالياً من إلغاء القوانين -التي قيدت الصناعات وغيرها حفاظاً على البيئة- ليس جهالة، بل هو خطة حوكمية سياسية عائدة إلى العقيدة الليبرتانية

فروّجت بالنتيجة لحق الواحد في أن "يختلق" حقيقته؛ وأنشأت لدعوتها معاهد مثل "معهد هيرتج" الذي رمى بثقله في نقد "الخبرة الموضوعية"، التي يتذرع بها الليبراليون للتمكين لأنفسهم. ولهذا كثرت عند الليبراليين الإشارة إلى ترمب كرجل "الحقائق البديلة" لا "الحقيقة"، بينما لا يرى هو سوى أنه يختلق حقائقه كما يختلقون هم حقائقهم.

زبدة القول هنا أن ترمب -على ما يقال من خلوه من الفكر والخبرة- ليس نبتاً شيطانياً، بل هو خريج تقليد ثقافي أميركي ليبرتاني توارى عن ناظرينا لغلبة التقليد الليبرالي في أميركا، كما نراه مثلاً في الحزب الديمقراطي. فما يقوم به ترمب حالياً من "تخريد" للقوانين -التي قيدت الصناعات وغيرها حفاظاً على البيئة- ليس جهالة كما قد يزعم الليبراليون، بل هو خطة حوكمية سياسية عائدة إلى العقيدة الليبرتانية التي تكره تطفل الدولة على ذوي الهمة في الإنتاج.

فقد ألغى ترمب إلى يومنا هذا نحو مئة قانون رقابي على الإنتاج، صدر أكثرها في عهد الرئيس باراك أوباما لصون البيئة؛ فرخّص مثلاً لأصحاب المناجم رمي مخلفات صناعتهم في الأنهار، وهو الشيء الذي يستبشعه الليبراليون.

وصفوة القول إن ترمب ليس مجرد شعبوي في "حالة تسلل" إلى الحكم؛ بل -خلافاً لذلك- هو نتاج تقليد ثقافي تُمسك بخيوطه نخبة لا تقل عن الصفوة الليبرالية معرفةً بمسائل السياسة والحكم.

ومن أذكى ما قرأته عن شائعة ترشح وينفري، وصفُها بأنها "متنبئة". وقالت بهذا الصحفية روس دوثات لترسمها نبية لدين أميركي مستكنّ تحت غطاء الدين التقليدي وعلمانية الليبرالية. ويَبْطل في هذا الدين الفاصلُ بين الدين الجواني والبراني في الإنسان، وتتواشج فيه السعادة مع المال، ويتوافر للإنسان فيه البحث عن حقيقته.

وقالت دوثات إن هذا ما يزكي ترشيح وينفري لردم الأخدود في الثقافة الأميركية بين الليبراليين والمتدينين، الذي عمقته رئاسة ترمب بحيث بدت أميركا للناظر أمتين: متدينة وعلمانية. ووجدتُ العبارة الأكثر تمثيلاً في استحالة التفاهم بين الأمتين قولهم: إننا نتهارج عبر الأخدود ولا يتحدث أحدنا إلى الآخر (speaking past each other).

وبلغ هذا الأمر أشده الدرامي بفرز كل جماعة كومها عن الجماعة الأخرى؛ فصوت مجلس رقباء منطقة سيسكيو بولاية كاليفورنيا عام 2013 للانفصال عن الولاية، لأن قوانينها الليبرالية -في قول أحدهم- لا تتماشى مع حقوقهم المعطاة من الرب.

ولم تمض أيام حتى قرر مجلس منطقة مودك اللحاق بمنطقة سيسكيو. وبالطبع لم يترتب وضع قانوني على التصويت، ولكن دلالة سقم الأمة الوجودي من الأمة الأخرى غير خافية.

هذا علاوة على التجارة الرابحة الجديدة التي تتولى جمع أهل العقيدة والمزاج المشترك على صعيد واحد، بعيداً عن أميركيين أمثالهم ممن هواهم غير هواهم. وكنا نظن اقتسام أميركا مما اقتصر على الجماعات الوطنية المتطرفة من البيض والسود، التي خرجت بخرائط للولايات انتبذ فيها كل من بيضها وسودها مكاناً قصيا عن الآخرين. 

في ومضة عزم عابر على الترشح للرئاسة الأميركية؛ كشفت وينفري كالبرق تضاريس السياسة الأميركية وأخاديدها. وليس معلوماً بعدُ إن كانت ستعود إلى فكرة الترشح التي من المؤكد أنها قد خامرتها، إلا إن كان استمتعت إلى من قال لها: "لو صارت أوبرا رئيسة للجمهورية؛ فمن سيكون أوبرا؟".

إن الذي بين التقاليد الثقافية في أميركا لأخدود عظيم؛ وقد صدر لعالمة الاجتماع لأريل رسل هوشسجايلد كتاب عنوانه "غرباء في بلادهم: الغضب والبكاء في اليمين الأميركي"، وصفته بأنه رحلة إلى قلب اليمين السياسي لكشف السردية العميقة التي "يضغنها".

وخلاصة السردية أنهم من فرط سيادة الأرثوذكسية الليبرالية على حياتهم، صاروا غرباء في بلدهم. وللوقوف عن كثب على هذه السردية؛ سعت الباحثة الليبرالية بقدميها إلى عوالم هذا اليمين ترصد ليالي ترمب الانتخابية، لتصفه بأنه مرشح العواطف لتركيزه على استثارة الاستجابات العاطفية وتزكيتها بين جمهوره.

ولا يشغله ذلك -مع ذلك- عن دقائق السياسة وخططها؛ فيُشْتَمّ من خطاباته الغَلَب والفحولة والوضوح والعزة بالأمة ورفع معنويات الفرد، فتلهم مستمعه وتحوله عاطفياً. وقالت المؤلفة إن هؤلاء الغرباء في أوطانهم جاؤوا إليه حيارى من نكد الدنيا عليهم، ليسترد لهم -باجتماعهم حوله- الأمل والبشاشة. فهم يجتمعون عنده لتأكيد وحدتهم، ومتى اتحدوا شعروا بالأمن واحترام الذات.

فترمب يطلق لسانه على عواهنه في النساء والمكسيكيين والمسلمين والسود؛ فيحل عقدة من لسانهم حبستهم طويلاً خشية قلم التصحيح الليبرالي السائد، أو ما عُرف بـ"الحشمة السياسة". وقال رجل للمؤلفة عن هذا التضييق الليبرالي: "يعتقد الناس أننا غير أسوياء إذا لم نحس بالأسف تجاه المهاجرين السود واللاجئين السوريين، ولكنني رجل جيد ولا أحس بالأسف تجاههم".

تكون نهاية الثقافة متى تخدّدت على هذا النحو الذي نراه في أميركا؛ فمتى انفلقت هكذا لم تعد وسيطاً للتفاهم بل للتهارج. وقيل إنه متى وقف حمار الثقافة في العقبة كان ذلك إيذاناً بظهور المتنبئين، يسدّون مسد الثقافة العاطلة بالكاريزما والخوارق (وربما الدجل). ولذا كان هَفَوَانُ الأفئدةِ لترشح وينفري -الموصوفة بالمتنبئة- للرئاسة صرخةً في روح أميركا تريد أن تجتاز الأخدود الواقعة في براثنه.

أخرجت وينفري -في لمحة خاطفة- أثقال أميركا؛ فلامست رمزيتُها الخصبة أوجاعَ وطن تتخطّفه الأصوليات العلمانية والدينية، حتى ألجأت كل جماعة للاعتصام بصدفتها عن الأخرى.

ففي ومضة عزم عابر على الترشح للرئاسة الأميركية؛ كشفت وينفري كالبرق تضاريس السياسة الأميركية وأخاديدها. وليس معلوماً بعدُ إن كانت ستعود إلى فكرة الترشح التي من المؤكد أنها قد خامرتها، إلا إن كان استمتعت إلى من قال لها: "لو صارت أوبرا رئيسة للجمهورية؛ فمن سيكون أوبرا؟".



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

الأكثر قراءة