انتخابات ألمانيا.. حضور اليمين وتراجع تاريخي لليسار

ميركل والفوز الهزيل
الانتخابات ومكانة ألمانيا
عوامل وراء النتائج 

عند مقارنة الأرقام بين انتخابات ٢٠١٧ وانتخابات ٢٠١٣ في ألمانيا تظهر عدة معطيات مبدئية:
أولا: أحزاب الائتلاف في حكومة ميركل خسرت خسارة كبيرة.
ثانيا: ميركل مرشحة رغم ذلك لتشكيل ائتلاف جديد ولن يكون هذا سهلا.
ثالثا: أصبح عموم اليسار باهتا وعموم اليمين مسيطرا على المجلس.
رابعا: حزب اليسار حافظ على موقعه نسبيا وسيبقى معارضا ثانويا.
خامسا: مكاسب حزب البديل اليميني الشعبوي لا تكفي لمشاركته في السلطة.
سادسا: وجود ستة أحزاب في المجلس النيابي كان متوقعا، ويمثل ظاهرة جديدة في الحياة النيابية الألمانية.

بغض النظر عما سبق؛ داخليا ستبقى المشكلات المعيشية على خلفية تنامي هوة الثراء والفقر بانتظار تحوّل سياسي وحزبي كبير، وهذا غير منتظر حاليا؛ أما مكانة ألمانيا عالميا فستبقى مرشحة للصعود دون تعديل في السياسات الخارجية.

ميركل والفوز الهزيل
انتخابات ٢٤ سبتمبر/أيلول ٢٠١٧ -كنظائرها السابقة- هي انتخابات للأحزاب وليس للأشخاص، ولكن -وعلى نقيض السابق- لم تكن شعبية أنجلا ميركل العالية -وهي في منصب المستشارة منذ ١٢ عاما- عاملا كافيا للفوز بشكل واضح.

فالحصول على 33% من الأصوات يتضمن تراجعا بأكثر من 7% عن جولة الانتخابات الماضية، وهذا رغم ارتفاع نسبة الناخبين (75 %) على نقيض المخاوف من ظاهرة العزوف الشعبي تجاه السياسة والسياسيين، ولكن يبدو أن هذا صبّ في مصلحة الأحزاب الأصغر.

صدقت التنبؤات بالنتائج عموما، بما في ذلك حصول الحزب اليميني الشعبوي (حزب البديل لألمانيا) على المرتبة الثالثة بين الأحزاب الممثلة في المجلس النيابي الاتحادي الذي يدخل فيه لأول مرة؛ ولا يعني ذلك وصوله إلى المشاركة في حكومة ائتلافية في برلين، فجميع الأطراف الأخرى ترفضه. ولكن حزب البديل حقق هدفه بأن أصبح في المرتبة الثالثة

كثرة الأحزاب تزيد صعوبة تشكيل ائتلاف حكومي جديد بزعامة ميركل، إذ إنها لا تستطيع الائتلاف مع الأحرار وحدهم، وهم الأقرب لحزبها من سواهم؛ أما مشاركة الخضر في ائتلاف ثلاثي فيمكن من حيث عدد المقاعد لكنه يتطلب جهدا كبيرا للتوفيق بين التوجهات السياسية المختلفة، وهو المرجح على أية حال.

فمتابعة الائتلاف الحالي مع حزب الاشتراكيين الديمقراطيين عسيرة، وتصطدم برغبة الحزب ورئيسه الجديد مارتن شولتز في انطلاقة جديدة من مقاعد المعارضة، بعد أن عجز عن النهوض بشعبيته مجددا خلال الشهور الماضية، بل إن نسبة ناخبيه هبطت إلى 21% فقط بعد خسارته 5%، وهذا ما يضعف موقعه في ائتلاف حكومي جديد مع اتحاد المسيحيين، بل يهدّد بذوبانه نهائيا خلال أربع سنوات تالية.

لقد صدقت التنبؤات بالنتائج عموما، بما في ذلك حصول الحزب اليميني الشعبوي (حزب البديل لألمانيا) على المرتبة الثالثة بين الأحزاب الممثلة في المجلس النيابي الاتحادي الذي يدخل فيه لأول مرة؛ ولا يعني ذلك وصوله إلى المشاركة في حكومة ائتلافية في برلين، فجميع الأطراف الأخرى ترفضه.

ولكن حزب البديل حقق هدفه بأن أصبح في المرتبة الثالثة من حيث عدد المقاعد، ولا ينتظر أن يحقق هدفه الثاني وهو موقع "زعامة المعارضة النيابية"، فهذا مستبعد مع ترجيح تفضيل الاشتراكيين الديمقراطيين العمل من مقاعد المعارضة.

الجدير بالذكر أن التركيز على وصف هذا الحزب بالعداء للأجانب والإسلام لا يكفي لتفسير فوزه الآن بأكثر من 13% من الأصوات، فله أطروحات شعبوية أخرى تجد صداها لدى قطاعات من الناخبين، مثل تبنيه سياسات النأي بألمانيا عن حلف شمال الأطلسي (الناتو) ووقف المشاركات العسكرية الألمانية عالميا.

ومنها كذلك رفع سقف المطالب الألمانية أوروبياً وفي نطاق مجموعة اليورو مع السعي للاستغناء عن العضوية في الاتحاد الأوروبي، ويستهوي هذا من تغيب عنه مقارنة ما تحققه ألمانيا من مكاسب كبيرة -عبر عضويتها في تلك المنظمات الغربية- بالأعباء التي تتحملها.

الانتخابات ومكانة ألمانيا
يمكن القول إن مكانة ألمانيا دوليا هي المفتاح الأهم لفهم الخريطة الحزبية وتبدلاتها المحدودة نسبيا في الجولات الانتخابية المتعاقبة منذ سنوات، لا سيما من حيث تنافس الحزبين الكبيرين؛ فالعامل الحاسم في صوت الناخب الألماني هو وضعه المعيشي، ولكنه لا ينظر في التفاصيل بل يربط هذا الوضع بمكانة ألمانيا عالميا اقتصاديا وماليا، اعتمادا على حركة التصدير والسيطرة المالية أوروبيا.

وتؤكد عمليات استطلاع الرأي -منذ سنوات عديدة- أن ثقة الناخب بسياسات ميركل وكفاءات حزبها اقتصاديا وماليا على هذا الصعيد، تفوق باستمرار ثقته بكفاءات الحزب الديمقراطيالاشتراكي المنافس.

وفي هذا الإطار؛ كان للتعامل الألماني الحازم مع أزمة اليورو -لا سيما في اليونان– دوره في الحفاظ على درجة كافية من الثقة في ميركل وحزبها، خاصة بعد وضع وزير ماليتها فولفغانغ شويبله في الصدارة -على صعيد اتخاذ القرارات الأوروبية والعالمية- بشأن التعامل مع الأزمات المالية.

وقد ساهم هذا التعامل في تعزيز الزعامة الألمانية دون منافس أوروبيا، وساهم في ذلك أيضا ضعف الموقع الاقتصادي لفرنسا، وحتى انفصال بريطانياعن الاتحاد الأوروبي والمفاوضات بشأن العلاقات بين الجانبين مستقبلا، وهو ما ضاعف أهمية قيادة ألمانيا للقاطرة الأوروبية في الأعوام القادمة.

ظهرت ميركل مؤخرا في موقع صمام الأمان عبر سياسة "عقلانية" في التعامل مع تفاقم الأزمة الألمانية والأوروبية مع تركيا، وهذا أقرب إلى إقناع الناخب الألماني بتأييدها، رغم تأثره عاطفيا بارتفاع وتيرة الحدة والتهجم في تصريحات ساخنة من جانب معظم ساسة الأحزاب الألمانية وذلك لحصد أصوات الغاضبين

وعلى الصعيد العالمي كانت شعبوية الرئيس الأميركي دونالد ترمب مصدر قلق سياسي أوروبي، فساهم ذلك بدوره في تعزيز موقع ميركل عالميا وبالتالي داخل بلادها، على خلفية اتخاذها مواقف معارضة علنا لسياسات ترمب أو لمواقفه عموما قبل وصولها إلى مستوى "ممارسات سياسية"؛ فمثل هذه المعارضة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الأميركية الألمانية، باستثناء ما حصل منها عند رفض ألمانيا المشاركة في احتلال العراق 2003.

وساهم موقف ترمب من معاهدة المناخ العالمي تخصيصا في الحفاظ على شعبية ميركل، إذ أعاد لها موقع "المحرك الأول" لمواجهة المتغيرات المناخية عالميا، وكانت الانطلاقة الأولى تحمل بصمات المستشارة الألمانية، ولكن تأخر تحقيق ألمانيا جانبا من الأهداف الرسمية المعلنة، فجاء انهيار الثقة في سياسات ترمب ليكون هدية غير مقصودة لميركل.

وبذلك استعادت ميركل تأييد من يخشون نتائج الاحتباس الحراري والمتغيرات المناخية المرتبطة به؛ بل يكاد يمكن القول إن "الكوارث الطبيعية" الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركية صبّت في الاتجاه نفسه قبل يوم الانتخابات الألمانية، وفي المقابل غاب التأثير المضاد الذي كان متوقعا نتيجة أزمة صناعة السيارات الألمانية مع محركات "الديزل".

كما ظهرت ميركل مؤخرا في موقع صمام الأمان عبر سياسة "عقلانية" في التعامل مع تفاقم الأزمة الألمانية والأوروبية مع تركيا، وهذا أقرب إلى إقناع الناخب الألماني بتأييدها، رغم تأثره عاطفيا بارتفاع وتيرة الحدة والتهجم في تصريحات ساخنة من جانب معظم ساسة الأحزاب الألمانية، ممّن شاركوا في المعركة الانتخابية الأخيرة.

وقد استهدف هؤلاء الساسة بتصريحاتهم تلك حصد أصوات الغاضبين من السياسات التركية، بغض النظر عن أن قسطا كبيرا من الغضب صنعته غوغائية غير معتادة في الحملة الإعلامية الألمانية "الضارية" ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه، وسياسته تجاه خصومه داخليا وتجاه ألمانيا والاتحاد الأوروبي خارجيا.

عوامل وراء النتائج
من العوامل الهامة وراء نتائج الانتخابات أيضا ارتباط ميركل بإرث حزبها، وأنه من وراء استعادة ألمانيا مكانتها عالميا منذ المعجزة الاقتصادية، ثم المشاركة في صناعة القرار الدولي للتعامل مع أزمات ساخنة كحرب البلقان والبرنامج النووي الإيراني، وكذلك مشاركة ألمانيا عسكريا في مهام دولية عديدة في آسيا وأفريقيا وشرق أوروبا.

وقبل عام واحد؛ انتشر الاعتقاد بأن الأعباء المالية لاستيعاب موجة اللجوء الكبرى ستحتل المكانة الأولى انتخابيا على حساب ميركل وحزبها، فهي التي اتخذت قرار "الأبواب المفتوحة" واضمحل هذا الاعتقاد بعد أن أوصدت أبواب تدفق المزيد من المشردين، نتيجة تعديلات تقنينية واتفاقات خارجية أبرزها كان مع تركيا.

ولا ينفي ذلك بقاء ما يكفي من التأثير لحصول حزب البديل اليميني الشعبوي على نسبة لا بأس بها من الأصوات، وربما لميل أكبر نحو اليمين عموما في مجموع تشكيلة المجلس النيابي الجديد. إن الحضور الأقوى لليمين يعود أيضا إلى غياب مفعول المنافس التقليدي القديم المتمثل في حزب الديمقراطيين الاشتراكيين، إذ فقد الحزب إلى حد كبير تميزه بالموقع اليساري سياسيا كما كان قبل إعادة توحيد ألمانيا.

نتائج الانتخابات الأخيرة لا تؤكد استمرار السياسات الداخلية بزعامة ميركل خلال سنوات أربع تالية فحسب، بل تؤكد أيضا الاستمرارية المنتظرة للسياسات الخارجية والدولية لألمانيا، بما فيها تجاه القضايا والبلدان العربية والإسلامية، وهذه الاستمرارية علامة فارقة لقاسم مشترك بين الحكومات الألمانية المتعاقبة منذ ١٩٤٩

والجدير بالذكر أن زعيمه الراحل فيلي براندت (أول مستشار ألماني من الحزب الاشتراكي) هو الذي صنع مقدمات حدث الوحدة عبر سياسة الانفراج تجاه الشرق الشيوعي آنذاك، فقد أوجدها وتشبث بها في أوج حدة الحرب الباردة بين المعسكرين، وظهر مع مرور الزمن أنها كانت البداية لنهاية الحرب الباردة بسقوط المعسكر الشرقي.

ولكن اليمين السياسي في ألمانيا هو الذي قطف الثمرة لاحقا باستفادة هلموت كول (الأب السياسي الروحي لميركل كما يقال) من التطورات الدولية المتسارعة، وبذلك نال لقب صانع الوحدة الألمانية.

لقد اقترن سقوط الشيوعية بتنامي قوة "الليبرالية المتشددة" بالغرب، وفي المقابل تراجع اليسار الأوروبي عموما -بما في ذلك حزب الديمقراطيين الاشتراكيين بألمانيا- عن مواقعه اليسارية على صعيد السياسات الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد، وبلغ التراجع ذروته في عهد المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر، حتى بات الحزب "اليساري" يوصف شعبيا بأنه مجرد نسخة مخففة من غريمه اليميني المتمثل في اتحاد الحزبين المسيحيين.

أوجد مارتن شولتز -وهو الزعيم الجديد للديمقراطيين الاشتراكيين- في البداية موجة تأييد شعبي لحزبه عبر مواقفه الخطابية الأولى، ويشير هذا التجاوب المبدئي إلى وجود سخط عام بسبب ازدياد هوة الثراء والفقر في ألمانيا، ولكن شولتز لم يستطع أثناء المعركة الانتخابية أن يترجم عناوين سياساته الداخلية (ولا الخارجية أيضا) إلى برامج مقنعة، تتجاوز ما كان يمارسه حزبه داخل الحكومة الاتحادية كشريك ائتلافي بزعامة ميركل.

ومنذ البداية؛ لم تكن هذه المهمة سهلة، فكل نقد للسياسة الحكومية ينطوي تلقائيا على نقد حزبه فيها، وغياب طرح جديد أبقى تفاقم هوة الثراء والفقر داخليا دون تأثير كبير.

ومن أسباب ذلك أيضا أن معايير الفقر لا تقارن بالمعايير المعروفة في البلدان النامية، نظرا إلى ارتفاع المستوى الوسطي للرفاهية المادية في ألمانيا، وسيادة الاقتناع بقاعدة تقول إن ارتفاع أرباح الشركات وأصحاب الأموال هو السبيل لاستثمارات جديدة ومكافحة البطالة، وهذا نقيض للفكر اليساري الأوروبي الذي تبنّى لفترة طويلة قاعدة أن تنشيط الاستثمار يتحقق برفع نسبة الاستهلاك عبر تحسين دخل الطبقة الفقيرة، ومنها العاطلون عن العمل.

لم تكن هذه القاعدة اليسارية محور سياسة الديمقراطيين الاشتراكيين في الحكومة الائتلافية خلال السنوات الماضية، بل ساهم حزبهم في اتخاد سلسلة من الإجراءات التقنينية الجديدة للتخفيف من حدة وطأة الفقر وانخفاض التأمينات الاجتماعية، ولكن ذلك لم يكن كافيا للتميز الحزبي وبالتالي الحصول على مكاسب واضحة في الانتخابات، خاصة أن ميركل تميزت دوما بقدرتها على وضع نفسها في واجهة صنع القرار.

وتبقى الإشارة إلى أن نتائج الانتخابات الأخيرة لا تؤكد استمرار السياسات الداخلية بزعامة ميركل خلال سنوات أربع تالية فحسب، بل تؤكد أيضا الاستمرارية المنتظرة للسياسات الخارجية والدولية لألمانيا، بما فيها تجاه القضايا والبلدان العربية والإسلامية، وهذه الاستمرارية علامة فارقة لقاسم مشترك بين الحكومات الألمانية المتعاقبة منذ ١٩٤٩.



حول هذه القصة

يشير شعار ترمب “أميركا أولا” إلى التخلي أو ربما تدمير النظام الدولي الذي بناه وصانه الرؤساء الديمقراطيون والجمهوريون بدءا من روزفلت ـوإن بدرجات متفاوتة من النجاح- لأكثر من سبعين عاما.

ألمانيا في وضع مختلف تماماً عن بقية أوروبا, ففي ظل الشيخوخة السكانية، تحتاج ألمانيا لمواطنين أكثر شباباً وأقوى دافعاً للحفاظ على ازدهار الاقتصاد, وهي الحاجة التي يمكن تلبيتها بالاستعانة باللاجئين.

خلال ليلة 13 يوليو/تموز الجاري الطويلة من المفاوضات بشأن اليونان، تصدَّع شيء ما في أساسات الاتحاد الأوروبي. ومنذ ذلك الحين، يعيش الأوروبيون في اتحاد أوروبي من نوع مختلف.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة