مقالات

التطرف يربح في انتخابات ألمانيا برداء جديد

التطرف في رداء جديد
تطرّف الولايات الشرقية
الائتلاف الحكومي المقبل 

وحدهم متطرفو أقصى اليمين من رقصوا حتى الصباح بعد إعلان نتائج الانتخابات الألمانية، وتحديداً أنصار النسخة المطورة من التطرف اليميني التي تحمل العنوان المضلِّل "البديل لألمانيا".

عمّ الوجومُ مقارَّ الأحزاب وهي تتجرع مرارة النتائج، فالناخبون -الذين يفوق عددهم خمسين مليوناً- عاقبوا الأحزاب التقليدية وصعدوا بعنوان جديد متطرف، فانحسرت أصوات المحافظين بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل التي لم ينجح حزبها الديمقراطي المسيحي في تجاوز ثلث الأصوات بعد أن خسر قرابة ربع ناخبيه.

التطرف في رداء جديد
فائزو الجولة الانتخابية الساخنة بلا منازع هم يمينيون متطرفون برزوا سريعاً في رداء جديد، وقد أعادوا إنتاج حضورهم وخطابهم عبر برنامج مكرّس للعداء للمسلمين وكراهية اللاجئين، مع تضخيم الوعي ببعض المشكلات في الواقع.

تكتسب وصفة "البديل لألمانيا" جدواها من ركوب موجة الإسلاموفوبيا وتأجيجها بلا هوادة، مستفيدة من حالة هوس عارمة يشارك في تصعيدها سياسيون من أحزاب عدة علاوة على بعض رموز المجتمع، فضلاً عن تغطيات إعلامية تجد فرصتها في التسخين الذي يجعل المسلمين واللاجئين في مركز الاستهداف.

تأتي النسخة اليمينية الصاعدة أكثر ذكاء من سابقاتها التي حملت شعارات قومية متطرفة في ثوب تقليدي، مثل "الحزب القومي الألماني" و"الجمهوريون". تمكنت تلك الأحزاب الهامشية في ما مضى من اقتطاع مقاعد قليلة ببرلمانات محلية، وخضعت لمراقبة "هيئة حماية الدستور" (الاستخبارات الداخلية) على خلفية تطرفها اليميني.

قضت المقاربة المعتمدة في ألمانيا بعدم حظر الأحزاب اليمينية المتطرفة ما لم تتورط في الدعاية النازية، خشية أن تنتقل تلك التشكيلات للعمل تحت الأرض على نحو يصعب ضبطه. وظلّت القناعة القائمة بأنّ ظهور لافتات كهذه في الساحة السياسية النشطة كفيل بتهميشها وهضمها في معترك الواقع، وهو ما تم بالفعل

قضت المقاربة المعتمدة في ألمانيا بعدم حظر الأحزاب اليمينية المتطرفة ما لم تتورط في الدعاية النازية، خشية أن تنتقل تلك التشكيلات للعمل تحت الأرض على نحو يصعب ضبطه. وظلّت القناعة القائمة بأنّ ظهور لافتات كهذه في الساحة السياسية النشطة كفيل بتهميشها وهضمها في معترك الواقع، وهو ما تم بالفعل.

لكنّ حزب "البديل" يبدو "بديلاً" ذكياً لتلك التجارب التي عفا عليها الزمن، فمنذ تأسيسه سنة 2013 اقتنص فرصته في موجة الإسلاموفوبيا الصاعدة، وحمى القلق من التحولات العالمية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والديموغرافية، فرفع شعارات مكثفة على نحو ما اختمر في تجارب الأحزاب الشعبوية ذات الصوت المسموع في أوروبا القرن الواحد والعشرين.

إنها عملياً جولته الانتخابية الأولى على المستوى الاتحادي، ومع ذلك فقد حقق حزب "البديل لألمانيا" نتائج مثالية وضعته في صدارة المعارضة بالنظر إلى الائتلاف المنتهية ولايته، ولن يكلّ الحزب المتطرف -من موقعه المعارض- عن تصعيد حملاته الهجومية ضد الحكومة دون أن يتحمل أي مسؤولية عن الأداء التنفيذي.

ولم يتوانَ الحزب المثير للجدل عن شن حملات شديدة اللهجة ضد رئيسة الحكومة الألمانية، بلغت حد تحميلها المسؤولية عن اعتداء الشاحنة الدامي ببرلين في ديسمبر/كانون الأول 2016، بذريعة أنها هي التي سمحت بدخول أفواج اللاجئين إلى البلاد.

لهذا التطور الانتخابي ارتداداته عبر أوروبا، فلم تكن هذه جولة اقتراع في هوامش القارة بل في ألمانيا التي تجسد حالة من الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتقود القاطرة الأوروبية بلا منازع تقريباً، مما يعني أنّ تجربة "البديل" المتطرفة ستترك تأثيراتها في الجولات الانتخابية اللاحقة عبر أوروبا بتعزيز الحمّى الشعبوية ونبرة العداء للمسلمين.

يتحقق للتطرف اليميني المعادي للمسلمين انتصار من وجه آخر أيضاً؛ فصعوده المذهل في ألمانيا سيضغط على الخطابات والمضامين في الساحة السياسية الألمانية عندما يدرك السياسيون أنّ "التطرف يربح ببساطة".

سيؤدي هذا المنحى إلى تعاظم ثقافة الحظر المتفاقمة أصلاً، ومعها سيقع البحث عن قضايا مفتعلة لمباشرة الحظر بقوة القانون مما يشكل تعدياً رمزياً على المسلمين، وسيمس ذلك في المقام الأول بقطع قماش مخصوصة يرتبط ارتداؤها بالمسلمات.

أما اللاجئون فقد باتوا مادة للتراشق الانتخابي والمزايدات الدعائية، بما يعني أنّ نتائج انتخابات 2017 في ألمانيا أهالت التراب على "ثقافة الترحيب" التي عرفتها ألمانيا في خريف 2015، قبل أن تنقلب إلى هواجس عارمة ومكامن قلق من هذا المكوِّن السكاني الجديد.

تطرّف الولايات الشرقية
يحمل الصعود المذهل الذي أحرزه حزب "البديل لألمانيا" طابع الاكتساح، ليس فقط بالنظر إلى أنه تبوّأ المرتبة الثالثة متقدماً على أحزاب شاركت في ائتلافات حكومية سابقة مثل الليبراليين والخضر، بل ومن خلال النظرة الفاحصة للدوائر الانتخابية.

فقد اجتاحت هذه الحالة اليمينية المتطرفة الولايات الشرقية، وزاحمت على المرتبة الأولى في بعض دوائرها كتفاً بكتف. اقتطع "البديل لألمانيا" نحو ربع الرغيف الانتخابي في أوساط من كانوا "ألماناً شرقيين"، مما يعني أنّ الناخبين رأوا في هذا الحزب بديلاً لأحزاب الوسط السياسي.

تعزز نتائج الانتخابات الألمانية ظاهرة ملموسة عبر أوروبا، وهي أنّ الأقاليم التي تتضاءل نسبة المسلمين فيها تصعد فيها الحمى العنصرية وروح الكراهية ضدهم، بالمقارنة مع غيرها التي تشهد اختلاطاً ومعايشة. فالمسلمون أقل حضوراً في الولايات الألمانية الشرقية التي التحقت بالجمهورية الاتحادية مع إعلان الوحدة، لكنها مع ذلك معقل انتخابي راسخ لحزب "البديل"

مضى "البديل" إلى توصيف شعبوي ساذج لمعضلات ألمانيا يسعفه في شحن الجمهور الذي ينتابه القلق الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في واقع سريع التغيّر.

وهكذا نجح متطرفو "البديل" في مداعبة الحنق والقلق الذي يتفاعل في الولايات الألمانية الشرقية التي تتجلى فيها مؤشرات على معضلات اجتماعية واقتصادية مزمنة، من قبيل تفاوت معدلات الرفاه ضمن المجتمع، والخشية على الأمان الاقتصادي المستقبلي كما يجسده هاجس الفقر بعد التقاعد.

وكما عليه حال الأحزاب الشعبوية اليمينية المتطرفة في أوروبا؛ فقد وقع ربط الهواجس والمخاوف بالمسلمين في المقام الأول، مع توظيف ورقة اللاجئين بضراوة في هذا السياق.

تعزز نتائج الانتخابات الألمانية ظاهرة ملموسة عبر أوروبا، وهي أنّ الأقاليم التي تتضاءل نسبة المسلمين فيها تصعد فيها الحمى العنصرية وروح الكراهية ضدهم، بالمقارنة مع غيرها التي تشهد اختلاطاً ومعايشة.

فالمسلمون أقل حضوراً في الولايات الألمانية الشرقية التي التحقت بالجمهورية الاتحادية مع إعلان الوحدة، لكنها مع ذلك معقل انتخابي راسخ لحزب "البديل"، وهي أيضاً مهد حركة "بيغيدا" الجماهيرية التي ترفع شعاراتها المكرسة "ضد الأسلمة".

وعلى أساس من فجوة المعرفة المباشرة وضعف فرص التواصل والمعايشة؛ يجد خطاب الكراهية وإثارة الأحقاد والمخاوف فرصة سخية، لا يحظى بها في حواضر ألمانية ينشأ فيها التلاميذ من خلفيات عدة جنباً إلى جنب، وتنتعش مظاهر التنوع الثقافي في أسواقها وأحيائها.

ولا يمكن في حمى التصعيد هذه التهوين من تأثير مستجدات فرضت ذاتها، مثل الأخبار المزيفة التي تتلاعب بوعي الجماهير فتدفع بها باتجاه قناعات محددة تترك تأثيرها في جولات الاقتراع.

وقد تميّزت انتخابات 2017 في ألمانيا عن سابقاتها بإغراق هائل للجمهور بالأخبار المزيفة التي يسود الاعتقاد بأنّ بعضها ناجم عن جهود منهجية دؤوبة داخل ألمانيا وخارجها. ومن المرجح أنّ يتكرس هذا العامل جولة بعد جولة فتستفيد منه الحالة الشعبوية عموماً كما اتضح في بلدان عدة.

الائتلاف الحكومي المقبل
ورغم التآكل الجسيم في أصوات حزبها؛ فإن الخسارة الحزبية تبقى محفوفة بطعم الانتصار الشخصي بالنسبة للمستشارة أنجيلا ميركل. فقد كان المستقبل السياسي لرئيسة الحكومة موضع تساؤل عندما وقع تحميلها المسؤولية عن ملف اللاجئين بحمولته الأمنية والاجتماعية والثقافية الثقيلة.

ومن الوجوه التي خسرت الجولة مارتن شولتز زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي، الذي رأس البرلمان الأوروبي ثم تفرغ للمنافسة على المستشارية الألمانية.

لم يتردّد شولتز في إعلان خياراته غير المفاجئة بعد ظهور نتائج انتخابات أمس الأحد، فقرّر مفارقة الائتلاف الحكومي والانتقال إلى خندق المعارضة. ولهذا القرار انعكاس فائق الأهمية على الساحة السياسية الألمانية لكون حزب "البديل لألمانيا" لن يحظى بفرصة تزعّم المعارضة؛ بعد أن قفز إلى المرتبة الثالثة في مقاعد "البوندستاغ".

إن تمسّك الحزب الديمقراطي الاجتماعي برفض تحالفه مع الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة ميركل؛ فسيكون عنوان المرحلة ائتلاف ثلاثي -وفق معادلة شاقة ستدفع بالمزايدات السياسية والتجاذبات- يجمع مزيجا غير منسجم من المحافظين والخضر والليبراليين؛ فقد تفتقر حكومة ميركل المقبلة إلى التماسك أو يُعصف بها

وعلى أنجيلا ميركل أن تنشغل الآن بتشكيل ائتلافها الحكومي الجديد قبل أعياد الميلاد، حسبما أعلنته بعد ظهور النتائج. وسيكون على الأرجح مشكلا من تجمع المحافظين والليبراليين إلى جانب الخضر. ولهذا الائتلاف ثمنه الذي ينبغي على قيادة ميركل دفعه للشركاء، فالخضر سينتزعون ترضيات سخية في مجال السياسة البيئية، وسيفرض الليبراليون شروطاً في مجال السياسة الاقتصادية.

ستواجه ميركل مخاضاً تفاوضياً مع شركاء الائتلاف المحتملين، لكنها ستخسر انسجاماً نادراً تحقق لها داخل الائتلاف مع الديمقراطيين الاجتماعيين خلال الدورة المنصرمة.

ومن المفارقات أنّ متاعبها الحكومية جاءت من معسكرها ذاته؛ سواء من حزبها الديمقراطي المسيحي أو من شقيقه البافاري (الاجتماعي المسيحي)، بينما عمّ الوفاق والتفاهم مع الشريك الديمقراطي الاجتماعي (يسار وسط) رغم المنعطفات الحادة.

وإن تمسّك الحزب الديمقراطي الاجتماعي برفض تحالفه مع الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة ميركل؛ فسيكون عنوان المرحلة ائتلاف ثلاثي -وفق معادلة شاقة ستدفع بالمزايدات السياسية والتجاذبات- يجمع مزيجا غير منسجم من المحافظين والخضر والليبراليين؛ فقد تفتقر حكومة ميركل المقبلة إلى التماسك أو يُعصف بها قبل الأوان فتنزلق إلى انتخابات مبكرة.

وما هو مؤكد اليوم بعد النتائج الجديدة؛ أنه بدون ميركل أو حزبها لا فرصة لتشكيل ائتلاف حكومي في ألمانيا حسب المؤشرات الراهنة، أما خيار التوجه إلى انتخابات مبكرة فقد يقضم من رصيد الأحزاب التقليدية، ويصعد بالبديل المتطرف الذي يحمل شبح العودة إلى ماضٍ كريه تحت لافتة جديدة.

ويبقى معلقاً السؤالُ عما إن كان ما جرى في انتخابات 24 سبتمبر/أيلول 2017 انتصاراً عابراً للتطرف اليميني بألمانيا؛ أم أنه قد نجح أخيراً في تثبيت أقدامه في قلب الحياة السياسية بعد أن أعاد إنتاج نفسه في مرحلة محفوفة بالقلق والهواجس؟



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

يشير شعار ترمب "أميركا أولا" إلى التخلي أو ربما تدمير النظام الدولي الذي بناه وصانه الرؤساء الديمقراطيون والجمهوريون بدءا من روزفلت ـوإن بدرجات متفاوتة من النجاح- لأكثر من سبعين عاما.

ألمانيا في وضع مختلف تماماً عن بقية أوروبا, ففي ظل الشيخوخة السكانية، تحتاج ألمانيا لمواطنين أكثر شباباً وأقوى دافعاً للحفاظ على ازدهار الاقتصاد, وهي الحاجة التي يمكن تلبيتها بالاستعانة باللاجئين.

خلال ليلة 13 يوليو/تموز الجاري الطويلة من المفاوضات بشأن اليونان، تصدَّع شيء ما في أساسات الاتحاد الأوروبي. ومنذ ذلك الحين، يعيش الأوروبيون في اتحاد أوروبي من نوع مختلف.

الأكثر قراءة