مقالات

كعب أخيل في نظام بوتين

إن سلطة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أضعف مما يبدو للناظرين. بل إن الأساس الذي تقوم عليه قوة بوتين -وهو الترتيبات الاقتصادية الزبائنية التي عمل على ترسيخها بقوة طوال الجيل الماضي- أصبح هو الخطر الرئيسي الذي يهدد بقاءه السياسي.

والسبب بسيط: ذلك أن الافتقار إلى حقوق الملكية -التي يمكن التعويل عليها في ظل نظام رأسمالية المحسوبية- يرغم كبار المسؤولين الروس وأنصار حكم القِلة على الاحتفاظ بأموالهم في الخارج، وغالبا ضمن الولايات القضائية للحكومات الغربية التي يشجبها بوتين.

فبمساعدة مجموعة من الموالين المختارين بعناية؛ أسس بوتين ثلاث دوائر من السلطة: الدولة، والشركات المملوكة للدولة، والشركات "الخاصة" الموالية. وقد بدأت هذه العملية خلال فترة رئاسته لجهاز الأمن الفدرالي (من 1998 إلى 1999)، عندما فرض سيطرته على الشرطة السرية.

بمساعدة مجموعة من الموالين المختارين بعناية؛ أسس بوتين ثلاث دوائر من السلطة: الدولة، والشركات المملوكة للدولة، والشركات "الخاصة" الموالية. وقد بدأت هذه العملية خلال فترة رئاسته لجهاز الأمن الفدرالي (من 1998 إلى 1999)، عندما فرض سيطرته على الشرطة السرية. لكن ولاية بوتين الرئاسية الأولى من 2000 إلى 2004 هي التي كانت بمثابة تحفة حقيقية في عالَم توطيد السلطة

لكن ولاية بوتين الرئاسية الأولى من 2000 إلى 2004 هي التي كانت بمثابة تحفة حقيقية في عالَم توطيد السلطة من قِبَل حاكم مستبد ناشئ. فأولا -وفي صيف عام 2000- تولى مسؤولية التلفزيون الروسي. ثم قام بترسيخ "عمودية السلطة" على إدارة الدولة والإدارات الإقليمية، فضلا عن فرض "دكتاتورية القانون" على النظام القضائي.

وبعد ذلك -وفي انتخابات 2003 البرلمانية- اكتسب بوتين سيطرة مُحكَمة على كل من الدوما (مجلس النواب) ومجلس الاتحاد (مجلس الشيوخ) في الهيئة التشريعية الروسية. وعند قمة سلطة الدولة -أي مجلس الأمن القومي- قام بتعيين ثلاثة جنرالات من الاستخبارات السوفياتية السابقة هم: سيرغي إيفانوف، ونيكولاي باتروشيف، وألكسندر بورتنيكوف.

ولتعزيز الدائرة الثانية من سلطته؛ فرض بوتين سيطرته على الشركات المملوكة للدولة واحدة تلو الأخرى بدءا بشركة غازبروم في مايو/أيار 2001، بتعيين الموالين كرؤساء مجالس ورؤساء تنفيذيين. وكان أكبر ثلاثة مديرين للشركات المملوكة للدولة هم: إيغور سيشن من روزنفت، وأليكسي ميلر من غازبروم، وسيرغي شيميزوف من روستيك.

أحكم بوتين سلطته على قطاع الدولة عام 2007 خلال فترة ولايته الثانية، مع إنشاء شركات ضخمة توسعت منذ ذلك الحين بشكل كبير، بفضل التمويل الحكومي الرخيص الذي أمّن لها غالبا الاحتكارات في صناعاتها.

ولأن هذه الشركات تُعامَل كمصدر للسلطة والريع -وليس النمو الاقتصادي– فإنها غير مهتمة بشكل خاص بالمنافسة، والإبداع، وريادة الأعمال، والإنتاجية. والمعيار الوحيد الملائم لحوكمة الشركات هو الولاء لبوتين.

ثم هناك الدائرة الثالثة للسلطة والتي تضم أقوى رفاق بوتين المقربين وشركاتهم، ويبدو أن الأربعة الأوائل بين هؤلاء المقربين هم: جينادي تيمشينكو، وأركادي روتنبرغ، ويوري كوفالشوك، ونيكولاي شمالوف.

ويُعَد سلوكهم عادة كليبتوقراطياً (حكم اللصوص)، رغم استخدام بوتين سلطته التشريعية لضمان تحويل عدد كبير من أنشطتهم المشبوهة إلى ممارسات قانونية من الناحية الفنية. فمثلاً يحق للرفاق المقربين شراء الأصول من الشركات المملوكة للدولة بأسعار تقديرية وملء أوامر المشتريات الحكومية دون أي منافسة.

الواقع أن النظام الذي أنشأه بوتين يشبه -إلى حد لافت للنظر- النظام القيصري الذي ساد حتى تطبيق "الإصلاحات الكبرى" في ستينيات القرن التاسع عشر. وكثيرا ما يُطلَق على بوتين وصف القيصر الجديد لأن سلطته غير محدودة قانونا (رغم أن انشغاله باستطلاعات الرأي يُظهِر أن المشاعر العامة مهمة).

وبدلا من النهوض بالتنمية المؤسسية، اتبع بوتين عملية بعيدة المدى في تعطيل عمل المؤسسات، بهدف تركيز السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في يده. ولكن في ظل غياب نظام يضمن حقوق الملكية، يعلم الروس الأثرياء -بما في ذلك رفاق بوتين المقربون- أن الأماكن الوحيدة الآمنة للحفاظ على أصولهم هي في الخارج.

وبفضل عملة "الروبل" القابلة للتحويل بالكامل وغياب القيود على تدفقات رأس المال؛ يصبح بوسعهم تحويل مكاسبهم إلى الملاذات الضريبيةالآمنة في الخارج. وبطبيعة الحال، خلق هذا دائرة رابعة من دوائر السلطة لا يسيطر عليها بوتين: الملاذات الضريبية الآمنة في الخارج. ولكن لم تعد هذه الملاذات آمنة كما كانت ذات يوم.

كما أشار السياسي الروسي الليبرالي المخضرم ليونيد جوزمان؛ فإنه "إذا حكمنا من خلال تصريحات خبراء الدعاية لدينا، فسندرك أن الدولة الروسية عظيمة القيمة، ولكنها أيضا تتسم ببنية بالغة الهشاشة ويمكن لأي شيء أن يدمرها"، من الحرب ضد الفساد إلى الجهود الرامية إلى الإطاحة بالمسؤولين اللصوص في الحكومة

فمع قيام فريق العمل المالي بتخفيض سرية البنوك في سويسرا وتنظيف الملاذات الضريبية في الجزر الصغيرة، يبقى مقصدان رئيسيان هما: الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وكل منهما تسمح بتدفقات العملة المجهلة المالِك، وتسمح لمالكي الأصول بإخفاء هوياتهم. وفي الولايات المتحدة، تتنقل عشرات المليارات من الدولارات عبر حسابات مصرفية غامضة لشركات قانونية كل سنة، مما يسهل غسل الأموال.

في عموم الأمر، لا تمارس الحكومات الغربية قدرا كبيرا حقا من السيطرة على مثل هذه الأنشطة داخل حدودها. وفي حين يفترض أن تكون أصول رفاق بوتين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجمدة -بموجب العقوبات التي فُرِضَت بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم بطريقة غير شرعية عام 2014- فإنه لم يتسن العثور على أي أصول. والآن حان الوقت لتغيير هذا بإطلاق تحقيقات شاملة في أصول الأشخاص الخاضعين للعقوبات.

ويتعين على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة -اللتين يفترض أنهما تضمان الغالبية العظمى من الثروة الروسية في الخارج- أن تلحقا بنظيراتهما في أغلب أوروبا، من خلال حظر عدم الكشف عن هوية المالكين المستفيدين. كما ينبغي للولايات المتحدة أن تحظر استخدام ميزة المحامي/العميل لتحويل الأموال المجهولة الهوية أو القذرة إلى البلاد.

النبأ السار هنا هو أن التقدم ربما يكون بدأ يظهر في الأفق؛ ففي الثاني من أغسطس/آب (الجاري)، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مشروع قانون جديد يدعو إلى تحقيق واسع المدى في "كبار الشخصيات السياسية الأجنبية وأنصار حكم القِلة في الاتحاد الروسي" (بما في ذلك "الزوج، والأطفال، والآباء، والأشقاء") وأصولهم في غضون 180 يوما.

وكما أشار السياسي الروسي الليبرالي المخضرم ليونيد جوزمان؛ فإنه "إذا حكمنا من خلال تصريحات خبراء الدعاية لدينا، فسندرك أن الدولة الروسية عظيمة القيمة، ولكنها أيضا تتسم ببنية بالغة الهشاشة ويمكن لأي شيء أن يدمرها"، من الحرب ضد الفساد إلى الجهود الرامية إلى الإطاحة بالمسؤولين اللصوص في الحكومة.

ونظرا إلى المخزونات الضخمة من رؤوس الأموال الروسية التي تراكمت في نيويورك ولندن وأماكن أخرى؛ فإن الغرب في وضع مثالي يسمح له باستغلال هذه الهشاشة.



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

قبل عامين، تُوجت عملية طويلة من الاستبداد والانغلاق في عهد بوتين بضم شبه جزيرة القرم لروسيا، ولكن ومع إدانة قسم كبير من المجتمع الدولي لهذه الخطوة، أبدى بوتين الترحيب بها.

تمثل العقبات الكبيرة التي يعاني منها الاقتصاد الروسي -على خلفية انهيار أسعار النفط والعقوبات الاقتصادية الغربية- أكبر تحدّ يواجهه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ توليه الرئاسة مطلع عام 2000.

الأكثر قراءة