الدبلوماسية الفرنسية الجديدة والقضايا العربية

العلاقات مع الكبار ولغة المصالح
دبلوماسية ماكرون والقضية الفلسطينية
العرب بين الإرهاب والاستبداد

العلاقات مع الكبار ولغة المصالح
لا يخفى على ناظر رغبة الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون في أن تسترجع فرنسا حضورها الدبلوماسي على الساحة الدولية، خصوصا بعد تراجع وتململ ظاهر لها خلال آخر عهدتين رئاسيتين لنيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند، إذ لم يتأخر الرئيس الجديد في تبيان هذه الرغبة، وهذا عبر آليتين أساسيتين هما: الحوارات الصحفية واللقاءات التلفزيونية، وكذا اللقاءات الدبلوماسية.

لقد خَصَّص الرئيس الفرنسي الجديد -بعد أقل من شهرين من انتخابه- استقبالا حافلا فارشا فيه البساط الأحمر لأكثر ثلاث شخصيات سياسية جدلا، وهم: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب.

تعامل الرئيس الفرنسي الجديد مع أميركا وروسيا -ممثلتيْن في شخصي ترمب وبوتين- من خلال اعتبارهما حليفين وشريكين إستراتيجييْن، مع تغير جذري في الخطاب اتجاههما؛ يصل إلى درجة التناقض وينبئ بشخصية وسياسة ماكرون الليبرالية والبراغماتية، الباحثة عن المصالح والمصالح فقط

فخلال لقائه مع ترمب، لم يكتف الرئيسان بالتذكير فقط بقدم وعمق العلاقات الفرنسية الأميركية بل تجاوزاه ليعلنا ميلاد صداقة شخصية بينهما؛ كما غض الرئيس الفرنسي الطرف عن إعلان الرئيس الأميركي رغبته الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ.

لكن هذا قد يفهم بالنظر إلى ما أوردته مجلة فورين بوليسي من قبول ترمب لفكرة قوات دولية تحارب الإرهاب في الساحل الأفريقي بإشراف وتمويل الأمم المتحدة، مما قد يخفف الضغط السياسي والمالي والعسكري على فرنسا إثر عملياتها العسكرية في الساحل الأفريقي.

لكن هذا الخطاب الجديد لماكرون يتناقض مع خطابه اتجاه ترمب أثناء حملته الانتخابية؛ إذ قال آنذاك إن فرنسا تحتاج إلى علاقات قوية وتعاون وثيق مع الولايات المتحدة الأميركية لكن انتخاب ترمب يعتبر مصدر قلق للفرنسيين، ويُخلّ بالتوازنات الدولية لصالح الصين.

لم يختلف الأمر كثيرا حينما تعلق الأمر بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ فقد اعتبر إيمانويل ماكرون روسيا شريكا أساسيا في مكافحة الإرهاب، وهذا يتناقض أيضا مع تصريحاته أثناء حملته الانتخابية التي رأى فيها أن روسيا بوتين تنتهج سياسة خارجية خطيرة، ولا تتوانى عن انتهاك القانون الدولي.

إن تعامل الرئيس الفرنسي الجديد مع أميركا وروسيا -ممثلتيْن في شخصي ترمب وبوتين- من خلال اعتبارهما حليفين وشريكين إستراتيجييْن، مع تغير جذري في الخطاب اتجاههما؛ يصل إلى درجة التناقض وينبئ بشخصية وسياسة ماكرون الليبرالية والبراغماتية، الباحثة عن المصالح والمصالح فقط، بغض النظر عن القناعات والممارسات التي يحملها هؤلاء الحلفاء الجدد.

دبلوماسية ماكرون والقضية الفلسطينية
كان أول تصريح للرئيس الفرنسي ماكرون بخصوص القضية الفلسطينية أثناء حملته الانتخابية، إذ اعتبر أن الاعتراف الأحادي الجانب بالدولة الفلسطينية ستكون له نتائج عكسية، وهو بهذا يلتقي مع موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، الذي اعتبر تصويت البرلمان الفرنسي لصالح دعوة الحكومة الفرنسية للاعتراف بالدولة الفلسطينية خطأ جسيما.

وقد تأكد توجه ماكرون هذا حينما استقبل -بعد انتخابه رئيساً- الرئيس الفلسطيني محمود عباس، إذ لم يُشر تماما إلى مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ولم يتجاوز الخطاب التقليدي لسابقيه من الرؤساء، والمتمثل في دعم حل الدولتين والإدانة اللفظية لعمليات الاستيطان الإسرائيلي.

موقف الدبلوماسية الفرنسية -متمثّلة في الرئيس الجديد- المنحاز لإسرائيل واضح جدا، وهذا باعتبار نفسه الصديق الحميم لرئيس الوزراء الإسرائيلي وبالتالي لإسرائيل، وباستبعاده الاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية رغم استمرار الاستيطان الإسرائيلي، وكذا تجريمه لمعاداة الصهيونية

رفع ماكرون وتيرة خطابه السياسي المنحاز للحكومة الإسرائيلية حينما اختار بنيامين نتنياهو لأن يكون أول رئيس وزراء إسرائيلي يحضر إحياء الذكرى الخامسة والسبعين لعملية ترحيل 13 ألف يهودي إلى المعتقلات النازية والمعروفة باسم حملة "فال ديف" (Vél d’Hiv)، وكانت انطلاقتها من باريس وضواحيها يوميْ 16 و17 يوليو/تموز 1942.

وقد أكد ماكرون خلال الاحتفال المسؤولية الكاملة للدولة الفرنسية عن هذه الحملة مبرئا ساحة الحكومة النازية، وهذا رغم رفض رؤساء فرنسيين سابقين -مثل شارل ديغول وفرانسوا ميتران– تحميل الدولة الفرنسية جرائم حكومة فيشي الفرنسية العميلة للنازيين.

لقد تجاوز الرئيس الفرنسي الجديد يومها كل الأعراف والتقاليد الدبلوماسية، حينما استعمل أسلوبا لغويا يعتبر في الثقافة الفرنسية أكبر تعبير عن الصداقة الغارقة في الحميمية، حيث خاطب رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بـ"عزيزي بيبي" مختصرا اسمه الأول، ليتوج هذه الحميمية باعتبار معاداة الصهيونية وجها مخترعا ومكررا لمعاداة السامية واليهود.

إذ اعتبر بهذا كلَّ من يعادي المشروع الصهيوني -الذي يجعل أرض فلسطين أرضا بلا شعب لشعب يهودي بلا أرض- معاديا لليهود، وبالتالي يقع تحت سلطة القانون الفرنسي؛ حينها لم يملك رئيس الوزراء الإسرائيلي إلا تقديم مشاعر الشكر والامتنان للرئيس الفرنسي ماكرون وشعبه.

إنموقف الدبلوماسية الفرنسية -متمثّلة في الرئيس الجديد- المنحاز لإسرائيل واضح جدا، وهذا باعتبار نفسه الصديق الحميم لرئيس الوزراء الإسرائيلي وبالتالي لإسرائيل، وباستبعاده الاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية رغم استمرار الاستيطان الإسرائيلي، وكذا تجريمه لمعاداة الصهيونية، بالإضافة إلى تحميله الدولة الفرنسية المسؤولية التاريخية عن محرقة اليهود.

العرب بين الإرهاب والاستبداد
بعد أقل من شهر من انتخابه، ومن أجل شرح سياسته الخارجية والتوجهات الجديدة للدبلوماسية الفرنسية؛ أجرى الرئيس الفرنسي لقاء صحفيا مع ثمانٍ من كبريات الجرائد والمجلات الأوروبية ("لوفيغارو" الفرنسية، "لوسوار" البلجيكية، "لوتون" السويسرية، "الغارديان" البريطانية، "سودوتش تسايتن" الألمانية، "كوريري ديلا سيرا" الإيطالية، "إلباييس" الإسبانية، "غازيتا فيبورتا" البولونية).

أثناء هذا اللقاء ركز الرئيس الفرنسي على قضايا الشرق الأوسط ودول الربيع العربي؛ ووصف بشار الأسد بأنه ليس عدوا لفرنسا لكنه عدو للشعب السوري، وهذا ما يتناقض أساسا مع تصريحاته أثناء حملته للانتخابات الرئاسية، إذ كان يرى أن بشار هو أساس مشكلة سوريا، ويجب أن يغادر في أقرب الأوقات.

من جهة أخرى، وعد الرئيس الفرنسي بأنه في حال استعمال الأسلحة الكيميائيةمع معرفة مصدرها؛ فإن فرنسا ستقوم بضربات لتدمير خزائن هذه الأسلحة.

أكد الرئيس الفرنسي ماكرون -في تصريح له- أن أولوية سياسته الخارجية هي محاربة "الإرهاب الإسلامي"، والتنسيق مع جميع القوى الكبرى من أجل ذلك خصوصا روسيا ورئيسها بوتين، كما أكد أن أكبر هدف في المرحلة الحالية هو استقرار سوريا، وأن التدخل في ليبيا والعراق هو السبب الرئيسي لانهيار الدولة، وبالتالي ظهور التنظيمات الإرهابية

لكن لم يصدر عن فرنسا أي رد فعل بعد أن أثبت تقرير البعثة الخاصة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بسوريا أن النظام السوري استعمل غاز "السارين" في قصفه لخان شيخون (4 أبريل/نيسان 2017)، مما أدى إلى مقتل 87 شخصا بينهم 31 طفلا، وهذا خصوصا بعد أن اعتبرت الخارجية الفرنسية نتائج هذا التقرير غير قابلة للجدل.

لم يكن بشار هو الوحيد الذي استفاد من السياسة الجديدة لماكرون؛ فالجنرال الليبي خليفة حفتر كان أحد المستفيدين كذلك، إذ يُعدّ ماكرون الزعيم الغربي الوحيد الذي استضاف -بشكل رسمي- الجنرال الليبي، مانحا إياه الشرعية الدبلوماسية والسياسية.

فقد اعتبر ماكرون أن حفتر ورئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج هما صاحبا الشرعية التي تسمح له بجمع الفاعلين والشركاء من حوله؛ ولا يستغرب هذا الموقف وعين الرئيس الفرنسي على حقول النفط الليبية، وتأميم الحدود الجنوبية لأوروبا من خطر الهجرة اللاشرعية. 

وأضاف الرئيس الفرنسي -في نفس التصريح- أن الأولوية هي محاربة "الإرهاب الإسلامي"، والتنسيق مع جميع القوى الكبرى من أجل ذلك خصوصا روسيا ورئيسها بوتين، كما أكد أن أكبر هدف في المرحلة الحالية هو استقرار سوريا، وأن التدخل في ليبيا والعراق هو السبب الرئيسي لانهيار الدولة، وبالتالي ظهور التنظيمات الإرهابية.

فحسب نظرة ماكرون؛ كان تدخل فرنسا لإسقاط معمر القذافي خطأ، وإذن فالحل في سوريا هو استبعاد أي تدخل لإسقاط الأسد. أو بعبارة أخرى، قبول استبداد القذافي وبشار الأسد هو الخيار الأفضل، لأن أي محاولة لإسقاطهما ستؤدي بالضرورة لظهور التنظيمات الإرهابية؛ فالنظرة الماكرونية تقود إلى تخيير الشعوب العربية بين خيارين فقط: الاستبداد أو الإرهاب، فمصيرها لا يحتمل طريقا ثالثا للديمقراطية والتنمية والحريّة والعدالة.

والخلاصة أنه قد ينظر إلى هذه المواقف المتقلبة لدبلوماسية الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون باعتبارها تناقضا صريحا، لكنها في الحقيقة ليست إلا التوجه الجديد للدبلوماسية الفرنسية الموغل في البراغماتية، والذي لا يُجيد إلا لغة المصالح، وستتحول معها قيم فرنسا المتعلقة بحقوق الإنسان إلى لغة خطاب دبلوماسي لا يتجاوز لقاءات المجاملة والندوات الصحفية.

ويمكن اختصار الملامح الكبرى للدبلوماسية الفرنسية -تحت حكم الرئيس ماكرون- تجاه القضايا العربية فيما يلي:

أولا: اعتبار الولايات المتحدة بقيادة ترمب حليفا إسترتيجياً، وكذا روسيا فلاديمير بوتين شريكا أساسيا في محاربة تنظيمات "الإرهاب الإسلامي" في المنطقة العربية.

ثانيا: الانحياز التام لسياسة الحكومة الإسرائيلية على حساب حقوق الفلسطينيين، وكذا اعتبار معاداة المشروع الصهيوني معاداة للسامية واليهود.

ثالثا: منع انهيار الدولة في مناطق ثورات الربيع العربي مما يؤدي إلى ظهور التنظيمات الإرهابية، ولو استلزم ذلك الاحتفاظ بسفاح كبشار الأسد في سوريا، وكذا إعطاء الشرعية السياسية والدبلوماسية لرجل عسكري كالجنرال خليفة حفتر في ليبيا.



حول هذه القصة

مع اقتراب موعد الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل/نيسان القادم لتحدد الرئيس الحادي عشر للجمهورية الخامسة؛ يعود إلى السطح الاستفهام الكبير حول دور الجالية العربية والمسلمة في هذه الانتخابات.

يسلط كوش الضوء على تحركات الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للعب دور دولي نشط في عملية السلام المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي وذلك بعد أن تراجع الدور الأميركي، مشيرا إلى أن كل الأطراف المعنية بعملية السلام في انتظار اتضاح معالم التحرك الأميركي المقبل حيال الملف.

الهروب من أهوال الانحياز الأميركي اللامع المظهر جعل العرب يهرولون نحو الانحياز الفرنسي الخافت المظهر، بينما التحالف البنيوي هو القاسم المشترك بينهما، والفرق الجوهري يكمن في درجة الانحياز وليس في طبيعة التحالف.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة