الجانب الآخر للتكامل الأوروبي الأطلسي

وزراء الناتو

كثير من الناس يساوون الاتحاد الأوروبي بأوروبا، مع تجاهل بعض الفوارق البسيطة. ومن وجهة نظر تاريخية؛ من الواضح أن الاتحاد الأوروبي -بعد أن ساهم في إنهاء قرون من الحرب والصراع العنيف بين دوله الأعضاء- يجسد في الوقت الحاضر نقيض أوربا ما قبل عام 1945.

أما من الناحية الجغرافية، فقد مكنته التوسعات المتتالية من عكس صورة المساحة الكاملة للقارة الأوروبية، بشكل أوثق. إلا أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ذكرنا بشيء أساسي كان مخفيا حتى الآن: إن اتجاه الاتحاد الأوروبي إلى التوسع ليس أمرا حاسما، فاستمرار الاتحاد ككيان سياسي لا ينبغي أن يكون من المُسَلّم به.

وقد ميزت ديناميتان رئيسيتان مسار الاتحاد الأوروبي على مر السنين، وموقف الجماعات الأوروبية من قبل. فمن ناحية، أصبح التكامل الأوروبي أعمق؛ ومن ناحية أخرى، اتسع نطاق فوائد الاندماج ليشمل عددا متزايدا من الدول.

كان على الحركة الموالية لأوروبا أن تجد "حلا لا يتجاهل المشاعر الوطنية، بل يتيح وسيلة لظهورها دون قيود". وبالنسبة للبلدان التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفياتي، فإن الاتحاد الأوروبي يمثل -بالإضافة إلى ضمان الديمقراطية وحقوق الإنسان- طريقا لتحقيق الإعمال الحقيقي لتطلعاتها الوطنية

وقد أدى سقوط جدار برلين في 1989 إلى المزيد من الفرص والتحديات الرئيسية. ومع انهيار الشيوعية، اختفت أوروبا المقسمة التي نشأت في (مؤتمر) يالطا، ولم يعد التوسع في الاتحاد الأوروبي يقتصر على الدول المنتمية إلى المدار الغربي.

لكن المنظمة الأولى التي تولت المهمة الحساسة -المتمثلة في إدماج أوروبا الغربية والشرقية- هي منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). ففي 1997، وقبل عامين من أن تصبح الجمهورية التشيكية وهنغاريا وبولندا أعضاء كاملة فيه؛ توصل الحلف إلى اتفاق مع روسيا (سُمي "القانون المؤسس"- لتخفيف أثر التصادم. ويمثل هذا الاتفاق نهاية حقيقية للحرب الباردة.

وفي عام 2004، انضمت تلك البلدان إلى الاتحاد الأوروبي، إلى جانب سبعة بلدان أخرى. ويبدو أن مجالات النفوذ التقليدية في أوروبا تلاشت، حيث تعززت جاذبية الاتحاد الأوروبي على نطاق قاري وعالمي.

وكما قال ألتييرو سبينيلي في أوائل الأربعينيات؛ كان على الحركة الموالية لأوروبا أن تجد "حلا لا يتجاهل المشاعر الوطنية، بل يتيح وسيلة لظهورها دون قيود". وبالنسبة للبلدان التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفياتي، فإن الاتحاد الأوروبي يمثل -بالإضافة إلى ضمان الديمقراطية وحقوق الإنسان- طريقا لتحقيق الإعمال الحقيقي لتطلعاتها الوطنية.

في ذلك الوقت، كان التكامل الأوروبي موضع تقدير لأنه لم يتسبب في أي خسارة فعلية للسيادة؛ بل على العكس من ذلك، قدم الاتحاد الأوروبي مزايا اجتماعية واقتصادية كبيرة، مما مكن أعضاءه من زيادة نفوذهم الدولي إلى أقصى حد.

وبعد اختفاء الستار الحديدي، كانت بريطانيا وألمانيا -التي أعيد توحيدها- هما الدافعين الرئيسيين لاتجاه الاتحاد الأوروبي نحو الشرق، رغم اختلاف دوافعهما. وبينما رأى المحافظون البريطانيون التوسع وسيلة لإبطاء تعمق الاندماج، اعتبر المستشار الألماني هلموت كول أن كلا من الديناميات متوافقة. وهكذا ظلا، حتى في القرن الحادي والعشرين.

ولسوء الحظ، فقد أثارت النتائج في استفتاءين -من الاستفتاءات الأربعة بشأن دستور الاتحاد الأوروبي المقترح، والتي عُقدت بعد سنة من توسع الاتحاد المسمى "الانفجار الكبير" عام 2004- شكوكا بشأن هذا التوافق.

إن الإيحاء بأن "السباكين البولنديين" سيعملون على سرقة وظائف السكان المحليين، كان غير مبرر ومهينا، لكنه خلّف صدى عميقا للغاية، خاصة في فرنسا حيث قام الفرنسيون والهولنديون معا برفض المشروع الدستوري الطموح.

وقد ترك هذا الإخفاق الاتحاد الأوروبي مشوشا، لكنه خُفف بشكل مؤقت بسبب توقيع معاهدة لشبونة. ومن المفارقات، أن عبارة "السباكين البولنديين" ظهرت مجددا -بعد أكثر من عقد- خلال حملة الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وفي بريطانيا التي دعمت توسع الاتحاد؛ استُخدِم العمال من أوروبا الوسطى والشرقية كبشَ فداء في حملة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. وبعد ما وصفه عالم الاجتماع أنتوني جيدنز بـ"السيناريو النائم"؛ قررت المملكة المتحدة التخلي عن الاتحاد الأوروبي، دون مناقشة صادقة ومستنيرة حول الأمور الجادة.

كل تقدم اجتماعي وسياسي له جانب سلبي، وبنفس القدر نجد أنه حتى صعود القومية والشعبية له جانب إيجابي. ومن خلال وضع نفسه ضد كل من هذه القوى، وخلق خطاب جديد يستجيب لأولويات المجتمع الأوروبي الراهنة؛ يمكن للاتحاد الأوروبي استعادة شرعيته وازدهاره. ويمكننا القول إن مستقبل أوروبا يعتمد عليه

ولكن هناك مفارقات تثور في وسط وشرق أوروبا أيضا؛ فبولندا مثلا استحوذت -بفضل مصالحها مع ألمانيا– على دور قيادي في المجتمع الأوروبي الأطلسي، وحولت المحور الفرنسي/الألماني إلى "مثلث فايمار".

وكانت الفوائد التي حصلت عليها بولندا من إعادة وضعها الجغرافي السياسي مثيرة للإعجاب، حتى حين تمت مقارنة بيانات الاقتصاد الكلي مع بيانات بلد مثل أوكرانيا، التي اتبعت مسارا مختلفا للغاية بعد انهيار الشيوعية.

ففي عام 1990، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أوكرانيا أعلى من الناتج المحلي الإجمالي في بولندا؛ لكن بحلول 2016، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في بولندا أعلى بأربع مرات تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي في أوكرانيا.

ورغم ذلك، تسعى الحكومة البولندية اليوم للاستفادة من الضعف الحالي في أوروبا، وذلك باستخدام زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأخيرة وسيلة لتقسيم الاتحاد الأوروبي، وبالتالي تستطيع مواصلة تجويف المؤسسات الديمقراطية في بولندا دون خوف من أي عائق خارجي.

وتعد بولندا اليوم أيضا مكانا مناسبا لخطابات مناهضة للمهاجرين، التي تولّد رغبة حنينية في التراجع إلى الحدود الوطنية لسنوات عديدة. وعلى ما يبدو، لا يرى حزب القانون والعدالة الحاكم أن المهاجرين البولنديين كانوا مصدر العداء في بريطانيا وأماكن أخرى.

والأكثر من ذلك؛ فإن الحكومة البولندية في طريقها إلى إنشاء دولة غير ليبرالية داخل الاتحاد الأوروبي، بسيرها على خطى رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان. لكننموذج الاتحاد الأوروبي يستند إلى سلسلة التزامات أساسية يجب احترامها، لكونها هي بالتحديد ما جذب دول الكتلة السوفياتية السابقة إلى التماس العضوية فيه.

ومن الواضح أن كل تقدم اجتماعي وسياسي له جانب سلبي، وبنفس القدر نجد أنه حتى صعود القومية والشعبية له جانب إيجابي. ومن خلال وضع نفسه ضد كل من هذه القوى، وخلق خطاب جديد يستجيب لأولويات المجتمع الأوروبي الراهنة؛ يمكن للاتحاد الأوروبي استعادة شرعيته وازدهاره. ويمكننا القول إن مستقبل أوروبا يعتمد عليه.



حول هذه القصة

U.S. President Donald Trump and first lady Melania Trump wave as they arrive in Riyadh during a reception ceremony in Riyadh, Saudi Arabia, May 20, 2017.Bandar Algaloud/Courtesy of Saudi Royal Court/Handout via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. FOR EDITORIAL USE ONLY.

بينما يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب جولته الخارجية الأولى بصفته رئيسًا؛ يلاحقه الاضطراب الناجم عن إقالته لمدير مكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي، والتحقيق الجاري في علاقة حملته الانتخابية بروسيا.

opinion by مايكل ماندلبوم
Published On 25/5/2017
NATO heads of state and other leaders participate in a family photo at the NATO Summit in Warsaw, Poland July 8, 2016. REUTERS/Jonathan Ernst

بعد أن شكك الرئيس المنتخب دونالد ترمب بالتحالف مع الناتو خلال حملته الانتخابية، بدأ الآن بصياغة سياسة خارجية يمكن أن تكون لها آثار بعيدة المدى على الوضع الأمني المشحون بأوروبا.

opinion by جون مكول
Published On 20/12/2016
A NATO AWACS reconnaissance aircraft touches down at Fuhlsbuettel Airport in Hamburg, Germany, 21 August 2015. Around 100 contemporary and historical aircraft will be showcased during the exhibition 'Airport Days' held at the airport from 22 to 23 August 2015.

يواجه حلف شمال الأطلسي تحديات جديدة في مقدمتها سعي روسيا إلى العودة إلى سابق عهدها؛ قوة عالمية ولاعبا دوليا مؤثرا، في ظل تراجع أميركي لا تخفى مظاهره وتبعاته.

opinion by فايز الدويري
Published On 21/4/2016
سباق أطلسي روسي نحو الشرق - عامر راشد - نتيجة السباق المحتدم حاليا بين روسيا والغرب على كسب ثقة الصين والهند، ستحدد من هو الرابح الأكبر في الجولة الثانية والحاسمة من تداعيات الأزمة الأوكرانية

وضعت أزمة شبه جزيرة القرم وتداعياتها روسيا ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في حالة صراع يتوقع أن تكون طويلة الأمد، ستفرض في سياقها السعي لبلورة تحالفات دولية جديدة.

opinion by عامر راشد
Published On 10/4/2014
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة