هل يحتاج دونالد ترمب لإستراتيجية كبرى؟

تتألف العلاقات الدولية -سواء كانت اقتصادية أو سياسية- من مزيج من التعاون والمنافسة، شأنها في ذلك شأن أي تفاعل إنساني. ويتميز شق "التعاون" بأنه يفيد كل الأطراف المعنية، سواء بمساهمته في دعم السلام العالمي أو تعزيز النمو والرخاء عبر التجارة الحرة.

أما شق "التنافس" فيخلق مخاطر حقيقية، بداية من العوائق الاقتصادية إلى الحرب والدمار البيئي. فلماذا لا يزيد التعاون بين الدول؟ إن إجابة هذا السؤال تعتمد جزئيا على ما يسمى بمعضلة السجناء.

فربما تتوهم الدول أنها بخيانتها لشركائها ستتمكن من الحصول على "صفقة" أفضل لأنفسها. ومع مواجهتها لإغراء الخداع، قد تصبح هذه الدول قلقة -أو حتى مرتابة- من خيانة شركائها الذين يواجهون نفس الإغراء، ومن ثمّ يزداد لديها إغراء البدء بخيانة شركائها.

وبصفة عامة؛ فإن نظرية الألعاب هذه -التي تقدم نماذج رياضية للتنازع والتعاون بين صانعي القرار العقلانيين- لم تقدم الكثير فيما يتعلق بالإستراتيجيات المقبولة للتغلب على هذه المعضلة، ناهيك عن عدم تقديمها إستراتيجية مثلى لحل النزاعات الفعلية. لكن ربما لم يعد الأمر كذلك بفضل جهود الأستاذ في جامعة ميتشغان روبرت أكسيلرود.

ربما تتوهم الدول أنها بخيانتها لشركائها ستتمكن من الحصول على "صفقة" أفضل لأنفسها. ومع مواجهتها لإغراء الخداع، قد تصبح هذه الدول قلقة -أو حتى مرتابة- من خيانة شركائها الذين يواجهون نفس الإغراء، ومن ثمّ يزداد لديها إغراء البدء بخيانة شركائها

فقد عقد أكسيلرود دورات بين كبار منظّري الألعاب وعلماء السياسة بهدف التعرف على أكثر الأساليب فعالية في لعبة متكررة تقوم على فكرة معضلة السجناء. وكان الفوز من نصيب إستراتيجية العين بالعين لأناتول رابوبورت، باعتبارها الإستراتيجية الأقرب لإفراز نتيجة تعاونية.

ووفقا لمنهج العين بالعين؛ ينبغي أن تبدأ أي لعبة ثنائية بالتعاون: فإذا كان سلوك اللاعب الآخر متعاونا فينبغي عليك أن تكون كذلك. أما إذا نكص اللاعب الآخر عن هذا المبدأ -بأن أظهر سلوكا غير متعاون- ففي هذه الحالة فقط عليك أن تعامله بالمثل.

وبلا شك قد يكون النكوص مغريا حتى مع تعاون اللاعب الآخر، بغية زيادة مكاسبك أو حتى لتحصيل مكسب مفاجئ محتمل. لكن وفقا لإستراتيجية العين بالعين، فإن اللاعب الآخر سينكص حينئذ ليكبدك خسائر -سواء في الحال أو بمضي الوقت- ليُضيع أي مكاسب ربما حصلتها.

من خلال تبني منهج البدء في التعاون ومعاقبة أي لاعب ينكص عنه، تشجع إستراتيجية العين بالعين السلوك الإيجابي القائم على المنفعة المتبادلة. لكن يبقى السؤال حول مدى فعاليتها في دنيا الواقع. فمع دخول الرئيس الأميركي دونالد ترمب معترك العلاقات الدولية بطريقة تنم عن نكوص، ربما حان الوقت لاستكشاف الأمر.

نعرف أنه لطالما بذل المجتمع الدولي المساعي لتشجيع التجارة الحرة، والتي تمثل شكلا من أشكال الحلول التعاونية. لذا فإن أي محاولة من ترمب لتنفيذ وعده الانتخابي بفرض قيود وتعريفات عقابية وضرائب حدودية على التجارة؛ ستُعدّ نكوصا من جانب الولايات المتحدة.

في تلك الحالة، سيكون من المعقول -بل والمناسب- أن يردّ شركاء أميركا التجاريون بالمثل، وفقا لمنهج العين بالعين. ورغم أن تركيز ترمب على توازنات التجارة الثنائية ينم عن جهل بالكيفية التي تعمل بها التجارة (إذ تعتبر التعددية أفضل من الثنائية لأنها تقلل احتمالية اعتماد اقتصاد بعينه على آخر)، فهذا يجعل أيضا تنفيذ إستراتيجية العين بالعين الثنائية أكثر إنصافا.

ويخبرنا التاريخ كيف يمكن أن يؤدي النكوص عن مبدأ التعاون في التجارة إلى نتائج عكسية بكل سهولة. ففي عام 1930، سنّت الولايات المتحدة قانون تعريفة سموت هاولي الذي رفع رسوم الاستيراد على أكثر من 20 ألف سلعة.

وخلال ثلاث سنوات هبطت الواردات الأميركية بمقدار 66%، بينما هوت الصادرات أيضا بنسبة 61%. كما عانت بقية العالم من ذلك، فهبطت التجارة العالمية بمقدار الثلثين بين عاميْ 1929 و1934.

لحسن الحظ تراجع ترمب عن كثير من مواقفه الأكثر عدائية بشأن قضايا التجارة. وأبرز مثال على ذلك، تراجعه عن وعده بتصنيف الصين كدولة متلاعبة بالعملة "من اليوم الأول" لولايته، حسبما تعهد خلال حملته الانتخابية.

فقد أسقط التهمة كلية قائلا إنه ليس هناك ما يدعوه لاتخاذ مثل تلك الخطوة، في الوقت الذي تقدم فيه الصين العون في مواجهة تحديات أخرى (مثل التهديد النووي من جانب كوريا الشمالية). وهناك المزيد من الأخبار السارة: إذ يبدو أن ترمب نفسه بصدد تطبيق إستراتيجية العين بالعين بتحركه لمعاقبة الناكصين، بما في ذلك اثنان من أكبر الأعداء: كوريا الشمالية وتنظيم الدولة الإسلامية.

التكيف مع السلوك العدواني للناكصين عن مبدأ التعاون لن يجلب سلاما، لكن تأسيس التعاون كخيار وحيد قابل للتطبيق -بالنسبة للناكصين- قد يُسهم في بلوغ هذا الهدف. ولأجل تحقيق ذلك دون تعريض أحد للخطر، لا بد من أن تضيق فجوة الإدراك بين خيال ترمب والواقع كثيرا

وقد تجلى هذا في تفويضه (خلال أبريل/نيسان الماضي) قادة الجيش الأميركي في اتخاذ التدابير التي يرونها مناسبة، وهو ما تمخض عن إسقاط أكبر قنبلة أميركية غير نووية على شبكة أنفاق تحت الأرض في أفغانستان.

أما بالنسبة لكوريا الشمالية؛ فقد أمر ترمب مجموعة حاملة طائرات تابعة للبحرية الأميركية بالإبحار إلى المياه المواجهة لشبه الجزيرة الكورية، مع إعلان اعتزامه التعاون مع الصين لفرض مزيد من العقوبات على نظام كيم جونغ أون.

لكن لا شك أن استخدام ترمب الحدسي لنظرية الألعاب محفوف بالمخاطر، لأنه يتبع سياسة حافة الهاوية مع قوى لم تُظهِر أي رغبة في التعاون على الإطلاق. فالدول الآسيوية على الأخص تراقب تطور وتكشّف الأحداث بأنفاس متهدجة، ولهذا فإن التنفيذ الدقيق والواعي لإستراتيجية العين بالعين أمر بالغ الأهمية.

وهنا قد يكمن قصور إدارة ترمب؛ فعندما أعلن ترمب تحرك حاملة الطائرات يو أس أس كارل فينسون باتجاه شبه الجزيرة الكورية، كانت هذه الحاملة تشارك فعلا في تدريبات مع البحرية الأسترالية في المحيط الهندي على بعد 3500 ميل. ونظرا لهذا الخطأ، لم تفلح هذه الخطوة في بث الثقة في نفوس الكوريين الجنوبيين واليابانيين.

إن التكيف مع السلوك العدواني للناكصين عن مبدأ التعاون لن يجلب سلاما، لكن تأسيس التعاون كخيار وحيد قابل للتطبيق -بالنسبة للناكصين- قد يُسهم في بلوغ هذا الهدف. ولأجل تحقيق ذلك دون تعريض أحد للخطر، لا بد من أن تضيق فجوة الإدراك بين خيال ترمب والواقع كثيرا.



حول هذه القصة

يبدو أن توصيل النقاط الإستراتيجية بين أفغانستان وسوريا وكوريا الشمالية أصبح مهمة لا فِكاك منها. فلن يتسنى للعالَم بدونه أن يميز شيئا أشبه بنهج متماسك في السياسة الخارجية لإدارة ترمب.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة