مقالات

نظرة على الانتخابات البريطانية المبكرة

دوافع دعوة ماي للانتخابات
إمكانيات تغيير التركيبة البرلمانية
ما بعد الانتخابات المبكرة
 

بشكل مفاجئ وغير متوقع حتى لأعضاء حكومتها وحزبها؛ أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي دعوتها إلى انتخابات مبكرة في 8 يونيو/حزيران الجاري.

ويأتي ذلك رغم تعهدات ماي السابقة التي أعطتها بعد أسبوع من استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، وقالت فيها "لن تكون هناك انتخابات مبكرة"، وإنه "لا ينبغي إجراء انتخابات عامة قبل 2020". وأصدرت منذ ذلك الحين تأكيدات مماثلة ومتكررة بأنه لا انتخابات مبكرة.

البرلمان البريطاني بدوره وافق على تلك الانتخابات المبكرة بأغلبية 522 نائباً مقابل 13، بعد ترحيب معظم الأحزاب الرئيسية المعارضة بالدعوة واعتبارها فرصة للعودة إلى الشعب.

المراقبون أشاروا إلى استطلاعات الرأي التي سبقت إعلان ماي مباشرة الدعوة إلى انتخابات مبكرة، والتي كان لها -في رأيهم- التأثير الأكبر في قرارها، حيث وضعت معظم تلك الاستطلاعات حزب المحافظين الذي ترأسه ماي في المقدمة، وبفارق غير مسبوق عن أقرب المنافسين له تجاوز 20%

لكن هذا التمرير السهل في البرلمان لم يخلُ من جدل حاد وفوضى تصريحات بشأن الأسباب المستجدة التي دفعت ماي لإجراء تلك الانتخابات.

ماي أعلنت رغبتها في تفويض جديد وقوي حتى تتسنى لها إدارة مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي، قائلة إن "البلاد متحدة في هذا الشأن، لكن ليس هذا حال البرلمان"، في إشارة لبعض أعضاء حزبها الذين يضغطون للحصول على تنازلات من نوع أو آخر، لمعرفتهم بضآلة أغلبيتها في البرلمان الحالي المكونة من 17 نائباً فقط.

لكن المراقبين أشاروا إلى استطلاعات الرأي التي سبقت إعلان ماي مباشرة، والتي كان لها -في رأيهم- التأثير الأكبر في قرارها، حيث وضعت معظم تلك الاستطلاعات حزب المحافظين الذي ترأسه ماي في المقدمة، وبفارق غير مسبوق عن أقرب المنافسين له تجاوز 20%.

صحفٌ بريطانية ذهبت إلى أبعد من ذلك في وصف أهداف ماي من الانتخابات المبكرة، واستخدمت عبارات غير مسبوقة في الإعلام والسياسة البريطانية من قبيل: قتل، وسحق، وتهشيم، وإبادة!

حيث خرجت مثلا "ديلي ميل" -في صباح اليوم التالي للدعوة- بعنوانها الرئيسي: "سحق المخربين"، ليوضح المحرر أن من يقصدهم بالمخربين هم "مؤيدو البقاء وأعضاء مجلس اللوردات غير المنتخبين".

أما جريدة "صن" فلم تقلّ عناوينها حدّة: "القتل الأزرق"، مضيفة أن الانتخابات المبكرة "ستبيد حزب العمال"، و"تهشم النواب المحافظين المتمردين".

صحف المعارضة لم تكن أقل حدة أو هجومية وهو ما زاد حالة الاحتقان والانقسام السياسي في الشارع البريطاني، وجعل من الصعب التكهن بنتائج الانتخابات، مما انعكس مؤخراً على استطلاعات الرأي التي بدأت تتأرجح لصالح هذا الحزب أو ذاك.

دوافع دعوة ماي للانتخابات
1- وقف الانقسام السياسي:
منذ الإعلان عن نتيجة الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي والساحةُ السياسية البريطانية تشهد جدلاً كبيراً بين دعوات لإجراء استفتاء ثان، واللجوء للمحاكم، وتدخلت شخصيات سياسية مخضرمة مثل غوردن براون وتوني بلير وجون ميجور.

كما حصلت خلافات حتى داخل الحزب الواحد بين مؤيدين للفصل التام، وآخرين يرغبون في خروج سهل من الاتحاد الأوروبي مع البقاء ضمن السوق الأوروبية المشتركة. ورغبة في وقف هذا الانقسام؛ أعلنت تيريزا ماي تنظيم انتخابات مبكرة.

2- مواجهة الاتحاد الأوروبي:
لا شك أن التصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي أثار حفيظة أعضاء الاتحاد، الذين يرغبون في معاقبة بريطانياوتصعيب شروط الانفصال لردع دول أخرى عن أن تحذو حذوها، وكذلك لمنع تفكك الاتحاد الأوروبي وما سينتج عنه من كوارث اقتصادية.

في حال فوز حزب المحافظين برئاسة ماي بأغلبية كبيرة ومريحة، ستكون ماي قد حصلت على ما تريده تماماً، أي سيطرتها على المفاوضات وقدرتها على العمل بمرونة أكثر وإسكات المعارضة. وسيصحب ذلك غياب حزب "يوكيب" عن الساحة، واستقالة كوربين من زعامة حزب العمال، والهيمنة السياسية للتيار المتشدد تجاه أوروبا

ماي وحزبها اتهموا الأوربيين بمحاولة التأثير على الناخب البريطاني، بينما رد الأوروبيون بقوة بأنهم ليسوا طرفاً ضعيفاً في مفاوضات خروج بريطانيا. وربما جاءت الدعوة للانتخابات المبكرة محاولة لتقوية موقف الحكومة الجديدة -في حال فوز ماي- أمام أوروبا.

3- تعطيل محاولات الانفصال داخل المملكة المتحدة:
تروّج تيريزا ماي نفسها بوصفها الضامن للحفاظ على وحدة المملكة المتحدة عن طريق قطع الطريق على استفتاء استقلال أسكتلندا، الذي يطرحه الحزب القومي الأسكتلندي بزعامة رئيسته نيكولا ستورجين التي طالبت برلمان أسكتلندا -قبل الإعلان عن الانتخابات المبكرة- بالتصويت لإجراء استفتاء ثالث لصالح استقلال أسكتلندا عن المملكة المتحدة مع البقاء داخل الاتحاد الأوروبي.

فوز حزب المحافظين بأغلبية مريحة في الانتخابات العامة وخسارة الحزب القومي الأسكتلندي -الذي يسيطر على برلمان أسكتلندا بشكل شبه مطلق- حتى ولو لبعض المقاعد؛ سيؤخر على الأقل محاولات الاستقلال حتى الانتهاء من مفاوضات الخروج من أوروبا.

4- الوضع الاقتصادي:
خسر الجنيه الإسترليني ما يقارب 20% من قيمته أمام العملات الرئيسية فور الإعلان عن نتيجة الاستفتاء بالموافقة على الخروج من الاتحاد الأوروبي.

ورغم صمود الاقتصاد البريطاني بشكل عام؛ فإن عدم وضوح الرؤية السياسية والاقتصادية لمفاوضات الخروج يضع هذا الاقتصاد في وضع حرج قابل للتدهور سريعا، ومن هنا جاءت الرغبة في تحقيق استقرار سياسي بعد الانتخابات العامة للحفاظ على الاقتصاد وربما تحسينه.

5- التخلص من المنافسين:
سواء كان هؤلاء المنافسون داخل حزب المحافظين أو في الأحزاب الأخرى، ففي حالة فوز حزب المحافظين بأغلبية مريحة من المتوقع استقالة جيرمي كوربين من زعامة حزب العمال وانتهاء دوره سياسياً.

وكذلك ستتم إزاحة بعد الأحزاب الصغيرة الأخرى من الخريطة السياسية. وقد كان ذلك واضحاً في الانتخابات البلدية الأخيرة التي خسر فيها حزب استقلال المملكة المتحدة جميع مقاعده البلدية.

إمكانيات تغيير التركيبة البرلمانية
يتشكل البرلمان البريطاني من 650 نائباً من أقاليم المملكة المتحدة الأربعة (إنجلترا وأسكتلندا ويلز وإيرلندا الشمالية)، وتعقد الانتخابات العامة مرة كل خمس سنوات، وكانت الانتخابات الأخيرة في 2015.

تقليدياً اقتصرت المنافسة في الانتخابات العامة البريطانية على ثلاثة أحزاب رئيسية، هي: حزب المحافظين وحزب العمال وحزب الديمقراطيين الأحرار، مع ظهور بعض الأحزاب الأصغر كحزب الخضر، وحزب استقلال المملكة المتحدة (يوكيب)، لكن تأثيرهم يبقى محدوداً لضآلة تمثيلهم البرلماني.

حصل حزب المحافظين برئاسة ديفد كاميرون في الانتخابات العامة الأخيرة على أغلبية غير مريحة، إضافة إلى أن تيريزا ماي تسلمت منصبها رئيسة للوزراء بعد استقالة كاميرون وليس ببرنامج انتخابي خاص بها.

ماي بررت تراجعها عن تعهدها السابق بعدم إجراء انتخابات مبكرة بقولها: "لقد تعهدت بعدم إجراء انتخابات حتى عام 2020، لكني خلصت إلى أن السبيل الوحيد لضمان اليقين والاستقرار في السنوات المقبلة هو إجراء هذه الانتخابات، والسعي للحصول على دعمكم للقرارات التي يجب علي اتخاذها".

لكنها قد تجد نفسها في موقف صعب بعد فقدان الثقة من قبل الناخبين في وعودها، وكذلك لتراجع الكثيرين ممن صوتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي عن موقفهم بعد اتضاح الآثار السلبية لهذا الخروج.

ليس من المبالغة القول إن الدعوة إلى انتخابات مبكرة مغامرة غير مضمونة النتائج، والتوقعات لا تحسم النتيجة نظرا للتغير المستمر في استطلاعات الرأي. ولذلك تبقى الاحتمالات كالتالي:

– فوز حزب المحافظين برئاسة ماي بأغلبية كبيرة ومريحة، وفي هذه الحالة تكون ماي قد حصلت على ما تريده تماماً، أي سيطرتها على المفاوضات وقدرتها على العمل بمرونة أكثر وإسكات المعارضة. وسيصحب ذلك غياب حزب "يوكيب" عن الساحة، واستقالة كوربين من زعامة حزب العمال، والهيمنة السياسية للتيار المتشدد تجاه أوروبا.

– فوز حزب المحافظين بأغلبية غير كبيرة، وبقاء الخريطة السياسية كما هي، وهو ما سيربك المشهد تماماً ويضعف موقف ماي، ويزيد تأثير ودعم الأوربيين لأحزاب المعارضة في وجه تشدد ماي، مع احتمالية تراجع الاقتصاد البريطاني.

إذا فاز حزب تيريزا ماي فإن على المواطن البريطاني الاستعداد لمرحلة اقتصادية صعبة، ذلك أن فوز المحافظين يعني زيادة في الضرائب ونقصا في الخدمات، وفاتورة كبيرة متوقعة نتيجة للخروج من الاتحاد الأوروبي، وتأثير ذلك على الوظائف وحرية تنقل البضائع والأفراد وقيود أخرى

– خسارة حزب المحافظين للانتخابات، وتشكيل حكومة ائتلافية من أحزاب العمال والخضر والديمقراطيين الأحرار، وهو ما يعني انقلابا تاما في الخريطة السياسية البريطانية، وتحولا في مسار الخروج من الاتحاد الأوروبي، حيث يؤيد كوربين والديمقراطيون الأحرار البقاء في الاتحاد الأوروبي.

ورغم التوقعات بفوز حزب المحافظين -بحسب استطلاعات الرأي- فإن الاحتمالات الثلاثة واردة، ولا يمكن التنبؤ بنتيجة الانتخابات بأي شكل من الأشكال، خاصة أن حزب المحافظين يركز حملته على قضية الخروج من الاتحاد الأوروبي بشكل تام، وهو ما يستفز رجال الأعمال والشركات الكبرى التي ترى مصالحها في خطر.

بينما يركز حزب العمال معركته الانتخابية على جوانب التعليم والصحة، ومعارضة الخصخصة، وتخفيض الضرائب، وإلغاء الرسوم الجامعية، وهو ما يستميل طبقة الشباب بشكل أساسي.

ما بعد الانتخابات المبكرة
دون شك؛ فإن نتيجة الانتخابات البريطانية القادمة -بغض النظر عن الفائز فيها- لن يقتصر تأثيرها على الساحة الداخلية، بل سيتعداه إلى المجال الأوروبي الذي يتابع تلك الانتخابات عن قرب.

وفي المقابل؛ فإن على المواطن البريطاني الاستعداد لمرحلة اقتصادية صعبة، ذلك أن فوز المحافظين يعني زيادة في الضرائب ونقصا في الخدمات، وفاتورة كبيرة متوقعة نتيجة للخروج من الاتحاد الأوروبي، وتأثير ذلك على الوظائف وحرية تنقل البضائع والأفراد وقيود أخرى.

ناهيك عن حزمة قوانين ستأخذ سنوات من الإعداد لاستكمال الطلاق القانوني مع الاتحاد الأوروبي، وربما نشهد تضييقا على الحريات العامة بعد الخروج من اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية.

أما في حال فازت المعارضة فالتأثير المباشر سيكون على الجنيه الإسترليني، ومؤشرات الأسواق التي ستصيبها صدمة كبيرة لاختلاط الأوراق وانقلاب المعادلة، وعدم وجود خطة واضحة لتنفيذ الخروج من الاتحاد الأوروبي، مع استياء من مستوى الخدمات الصحية والتعليمية.

بقي أن نقول إن الإعلام يلعب دوراً كبيراً في توجيه الناخب البريطاني والتأثير على قراره، إما بافتعال قضايا جانبية، أو شيطنة أفراد أو برامج.

أو بنشر معلومات مضللة كما حدث في حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، التي اعترف القائمون عليها بعد نتيجة الاستفتاء بأنهم ضللوا المصوتين في بعض القضايا غير الصحيحة، وغيرها من التكتيكات المتبعة في كل استحقاق انتخابي.

وما علينا إلا انتظار يوم 8 يونيو/حزيران لنعرف إلى أين تتجه الأمور سياسياً واقتصادياً، ليس في بريطانيا بل في القارة الأوروبية برمتها.



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي معروفة بثباتها على المبادئ. فهي سياسية حذرة ومنضبطة، ولذلك فهي لا تتلاعب بالحقيقة، ولا تبتعد عن منطقتها الآمنة التي تتكون من مجموعة صغيرة من المستشارين.

الأكثر قراءة