المهمة المؤجلة

في كل المنعرجات الكبرى التي مرت بها أمتنا حصلت عمليات فرز واسعة، أعيدت خلالها صياغة خريطة المواقف والأفكار، خرج منها كاسبون، وخسر آخرون مواقعهم. والأمر يكون أكثر حساسية عندما يتعلق بالشأن الديني، في مجتمعات لم تدخل العصر إلا بنصف رجل.

وما يحصل هذه الأيام في منطقة الخليج منعرج كبير، خاض فيه الجميع، ولفت الانتباه تخبط المؤسسة الدينية بين الموقف ونقيضه، ومواقع التواصل تنقل إحساس الشباب بالغدر من مشايخ كانوا يعدونهم قديسين، فضاعت عليهم البوصلة. التبرير سيّئ، والتبرير المتستر بالدِّين أسوأ.

وضع أعاد للسطح جملة من الأسئلة حول موقع الدين في حياتنا. لا تملك الذاكرة إلا أن تسترجع تفاعل المؤسسة الدينية مع معاهدة كامب ديفد، ومع حراك الشارع في أوج الربيع العربي، ومع الانقلاب المصري.

نتآكل ونتقدم إلى الخلف، ونكتشف مجددا أننا نراوح مكاننا في صياغة مشروعنا الثقافي، وفي العمق منه التعامل مع الإسلام الذي كيّف حياة الملايين وسيستمر، ولذلك فلا أحد بإمكانه -ولا من مصلحته- أن يبقى محايدا تجاهه.

فعلى المؤمنين خوض معركة التجديد الديني، وعلى غيرهم اعتبار الدين معطى ثقافيا موضوعيا؛ فلا الاستهانة ولا التبسيط مفيدان في التعامل مع القضايا الحيوية.

يجب أن نحرر الأذهان من دين التخويف لنعيدها إلى دين التشريف، وأن ينغرس في ضمير المؤمن الإحساس بالذنب إن وقف أمام مظاهر الفقر والظلم دون بذل جهد للإصلاح. لا نلغي شيئا من العقائد، ولكننا نغير زاوية النظر إليها

وهكذا، إن أردنا استدراك معركتنا المؤجلة لصياغة مشروعنا الثقافي، لا يمكن تجنب طرح معضلات المضمون الديني، والعلاقة بين الديني والسياسي، والعلاقة بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السلطانية.

المضمون الديني:
– الدين واقع بالضرورة في منطقة تنازع تأويلي. فدين النصوص واحد (تقريبا)، وأديان (أفهام) الناس متعددة.

– كل شيء يخضع للقراءة والتأويل: القضاء والقدر، التوكل، الحساب والعقاب، والدار الآخرة.

– في المحطات الكبرى يحتد الصراع على الدين بما له من سطوة معنوية عظيمة.

– حصل ذلك خلال معارك التحرير بين تدين "عدم إلقاء النفس إلى التهلكة"، وتدين الحرية والتحرر. وخلال مواجهة الاستبداد بين تدين "الملك الغشوم الأفضل من الفتنة التي تدوم" وتدين تكريم الإنسان.

ونرى اليوم معركة على وداخل الإسلام، جوهرها مضمونياً موقع الدنيا في التصور الديني، بين نعمة تستحق الشكر والاحتفاء (دين البهجة)، وعبء يجب التخلص منه (المسلم الحزين).

تدين الإعمار (التدين الاجتماعي) يرتب دوائر الاهتمام من الأعم إلى الأكثر خصوصية: الإنسانية، الأمة، الوطن، الفرد، ويعتبر أن غاية العبادة هي تزكية النفس لنفع الناس، ويرتّب على ذلك الجزاء الأخروي. أما تدين الانكفاء فمحوره الذات في خويصة نفسها.

يجب استئناف التفكير في فلسفة الدين ومضمون العقيدة، للارتقاء ببعض المسائل -مثل تكريم الإنسان والعناية بالبيئة والاحتفاء بقيمة العمل ومقارعة الظلم- إلى مرتبة المبادئ العقدية، والحفر في مقولات الاستخلاف والتسخير والفطرة والتيسير.

يجب أن نحرر ديننا من هذه المؤسّسات والرموز التي تغرقنا في التفاصيل، والتي تجعل قصارى جهدها التخويف من عذاب القبر وتبخيس الدنيا، دون أن تدلنا على سبل النجاة من عذاب الفقر.

يجب أن نحرر الأذهان من دين التخويف لنعيدها إلى دين التشريف، وأن ينغرس في ضمير المؤمن الإحساس بالذنب إن وقف أمام مظاهر الفقر والظلم دون بذل جهد للإصلاح. لا نلغي شيئا من العقائد، ولكننا نغير زاوية النظر إليها.

ويجب نقل مركز التفكير في إدارة الشأن العام من تفاصيل القوانين إلى المقاصد الكلية وفلسفة التشريع.

ويجب إعادة بناء سلّم الأخلاق والقيم لترسيخ معاني النجاح والاقتحام والتنافس والكسب ومراكمة الثروة. وبذلك يتم التأكيد على أبعاد الدين الاجتماعية قدر الاهتمام بالتزكية الفردية.

وهكذا نجد أنفسنا أمام مهمة استئناف التفكير العالي الذي دشنه ابن رشد في فلسفة الدين، والشاطبي في فلسفة التشريع، وابن خلدون في فلسفة العمران، وما حاوله محمد إقبال في تجديد الفكر الديني، وما حاوله مفكرون كثر بجهود متناثرة في العقود الأخيرة.

العلاقة بين الديني والسياسي:
– الدين في الفضاء الخاص هو مجال القناعات والإيمان الشخصي، حيث لا إكراه في الدين، وحيث حرية الضمير.

– أما في الفضاء العام فيصبح الدين موردا للقيم والمقاصد العالية.

– هنا يحصل التدافع بين برامج قد تكون لها أرضية ثقافية تسندها. ولكن اختيار الناس للمخرج النهائي لا يعني بالضرورة تزكية لخلفيات البرامج.

– ومع ذلك فإن النظر الفلسفي الراهن يعيد طرح أثر الدين في الفضاء العام متجاوزا قطعيات الفلسفة الوضعية.

– والانخراط في مجرى هذا التفكير الإنساني يجعلنا نميّز بين صنفين وسلّمين من القيم والالتزامات، في المجالين الخاص والعام.

الاستبداد -المسنود بمبتكرات التكنولوجيا- فيهيمن على كل الفضاءات إن لم يلغها. ويكون الدين أكبر المتضررين، حيث يصبح مبيّضا لسياسة لاعقلانية. ويسوّق ذلك بإضفاء قدسية على مؤسسات وشخصيات، والإيهام بأنها شريكة في "الأمر". نحتاج ثورة في مجال آخر لتحرير الدين من السلطة السياسية، فقد كان الدين ضحية السياسة وليس العكس. وإن نهضتنا لن تتحقق إلا بتحرير طاقات المجتمع، والخروج من نموذج الدولة التدخلية

ويجنبنا ذلك تهميشَ الفضاء العام ومقاصد الدين فيه لحساب الفضاء الخصوصي، ويجنبنا قلب سلّم الأولويات لصالح الأقل أهمية وإغفال الواجبات المتعلقة بالجماعة والبناء الحضاري.

العلاقة بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السلطانية: تاريخيا، كانت العلاقة بين المؤسسة السلطانية والمؤسسة الدينية مختلة. فـ"الدعوة الدينية" تصفّي عادة العصبية المتهالكة لتنشئ دولة جديدة، تبرم معها صفقة لتقاسم السلطتين الرمزية والمادية.

وتنتهي العلاقة إلى تذيّل المؤسسة الدينية لتتولى الضبط، وتتصدى لدعوات الخروج الجديدة باستدعاء ترسانة التبرير والتخويف من غول الفتنة. ورغم ذلك فقد كان للمؤسسة الدينية هوامش للفعل في الأرياف والمدن الصغرى، لعجز الدولة الوسيطة عن بسط نفوذها عليها.

الدولة الحديثة أصبحت تمتلك وسائل بسط النفوذ، ولكن الديمقراطية تحدّ من تدخلها وتفتح مجالا واسعا لحرية الأفراد ولهيئات المجتمع المدني.

أما الاستبداد -المسنود بمبتكرات التكنولوجيا- فيهيمن على كل الفضاءات إن لم يلغها. ويكون الدين أكبر المتضررين، حيث يصبح مبيّضا لسياسة لاعقلانية. ويسوّق ذلك بإضفاء قدسية على مؤسسات وشخصيات، والإيهام بأنها شريكة في "الأمر".

لسنا في حاجة إلى مثل ثورة التيار الاحتجاجي في أوروبا لكسر احتكار المؤسسة الدينية تأويل النص وتحولها إلى واسطة بين المؤمن ودينه، وسلطة العلماء إنما هي سلطة اجتهاد الاختصاص، لا أكثر.

نحن بحاجة فقط إلى التذكير بالأصول، ومعالجة الانحراف الذي حصل بتخويل مؤسسات نفسها -أو بغيرها- سلطة ليست لها.

ونحتاج ثورة في مجال آخر لتحرير الدين من السلطة السياسية، فقد كان الدين ضحية السياسة وليس العكس. وإن نهضتنا لن تتحقق إلا بتحرير طاقات المجتمع، والخروج من نموذج الدولة التدخلية.

وهكذا نحرر الأذهان من سطوة فئات تتستر بالدِّين جهلا أو خوفا أو طمعا، لنُعيد تمليكه للناس.

يجب على الدولة الاهتمام بالدين باعتباره مرفقا بتوفير البنية الأساسية والإطارات. أما المضمون فيترك للتدافع المجتمعي الحرّ في الجمعيات والمؤسسات البحثية والتعليمية المستمدة شرعيتها من اختصاصها وكفاءتها.

وأحرى بالمؤسسات المُقدِّمة للخدمات الدينية -مثل المساجد- أن تنظم شؤونها وفق معايير الادارة الديمقراطية.

أما السلطة السياسية فشرعيتها هي الشرعية الانتخابية التي تجدَّد دوريا، وإسلاميتها تتحقق من خلال ذلك، وليس بعصبية دينية أو شبه دينية وفقا لسلطة الوهم. لقد انتهى عهد التعاقدات الملتبسة وعهد الطلاسم.

إن لم نحرر الدين فسيتحول إلى أفيون ينتج عنفا أو خنوعا، وإن لم نحرر المؤسسة الدينية فسننتج ماكينات فتوى تعرض الرأي ونقيضه حسب الطلب. وخلال ذلك تكون نهضتنا هي الضحية.

يجب أن نتحرر من عقدة الخوف على الدين، فهو أقوى منا جميعا، ويجب أن نتحرر من غريزة تملّكه فهو أوسع منا جميعا.



حول هذه القصة

تمثل حركة البعث الإسلامي لحظة تحول سبقتها مراجعات ودعوات لعلماء ومفكرين في حواضر العالم الإسلامي، استشعرت حجم القصور في الوعي الديني وفي الممانعة القومية للشرق أمام أمراضه الذاتية، وأمام مستعمريه.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة