هل ستستأنف تركيا مسيرة السلام الداخلي؟

Security officers secure the area after a car bomb struck a bus in Diyarbakir, Turkey, Tuesday, May 10, 2016. Turkey's state-run news agency says a car bomb attack targeting a bus carrying police officers in the mainly Kurdish city of Diyarbakir has killed a number of people. Anadolu Agency says many other people were wounded in the attack in Diyarbakir's Baglar neighborhood. The agency says the attack was carried out by the outlawed Kurdistan Workers' Party, or PKK.(AP Photo/Mahmut Bozarslan)

التأييد الكردي
مرحلة جديدة
خطوات وآفاق 

استحقاقات وتحديات كثيرة تنتظر تركيا بعد دخولها مرحلة النظام الرئاسي، ولعل أهمها عودة الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتحقيق الوئام الاجتماعي بما يفضي إلى إنهاء حالة الشحن والانقسام نتيجة التجاذبات السياسية والتوترات الاجتماعية.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هو: هل ستسأنف القيادة التركية مسيرة "السلام الداخلي" التي توقفت عام 2015، إثر الهجمات التي شنها مقاتلو حزب العمال الكردستاني ورد الحكومة التركية بإنزال الجيش إلى الشوارع لمحاربة عناصر هذا الحزب الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية.

التأييد الكردي
بدايةً، تدخل تركيا مرحلة النظام الرئاسي في لحظة تاريخية دقيقة، إذ رغم أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومعه حزب العدالة والتنمية نجحا في الفوز بالنظام الرئاسي، فإن نتيجة التصويت على التعديلات الدستورية التي جاءت في صالح جبهة "نعم" لم تكن بمستوى ما كانت تطمح إليه القيادة السياسية التركية.

وفي أول ظهور له بعد الاستفتاء الدستوري، اعتبر الرئيس أردوغان التأييد الكردي للتعديلات الدستورية إشارة إيجابية للاستحقاقات القادمة، الأمر الذي قد يُسفر عن خطوات لاحقة لصالح إعادة النظر في توقف عملية السلام الداخلي.

في أول ظهور له بعد الاستفتاء الدستوري، اعتبر الرئيس أردوغان التأييد الكردي للتعديلات الدستورية إشارة إيجابية للاستحقاقات القادمة، الأمر الذي قد يُسفر عن خطوات لاحقة لصالح إعادة النظر في توقف عملية السلام الداخلي

ويمكن ربط ذلك بالتصريح الذي أطلقه مستشاره شكري كقرة تبه قبيل الاستفتاء، وأشار فيه إلى أن "تركيا ستتحول إلى نظام الولايات في حال الموافقة على التعديلات الدستورية"، لكن أحزاب المعارضة التركية ضخمت التصريح، واعتبرت أنه يخفي مشروعاً سياسياً سرياً "لتحويل تركيا إلى فدرالية تحت ستار النظام الرئاسي"، والغاية منه كسب أصوات الأكراد لصالح التعديلات الدستورية.

وفي مطلق الأحوال؛ فإن تصويت نسبة لا يستهان بها من أكراد تركيا لصالح التعديلات الدستورية يُردّ إلى عوامل عديدة، حيث أرجع ياسين أكتاي -نائب رئيس حزب العدالة والتنمية- ذلك إلى "جملة من التطورات التي فتحت للأكراد مجالا أوسع من الحرية والقدرة على التعبير في الاستفتاء الشعبي الأخير، بعيدا عن فوهات بنادق الانفصاليين التي كانت تحيط بالانتخابات سابقاً".

لكن الأهم هو أن الحركة السياسية الكردية -المكونة أساسا من حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، وحزب المناطق الحرة، وحركة المرأة الحرة، ومجلس المجتمع الديمقراطي، وهي كلها قريبة من حزب العمال الكردستاني (PKK) أو رديفة له- لم تتمكن من إقناع الشارع الكردي بحججها واعتراضاتها الرافضة للتعديلات الدستورية.

كما أن غالبية الأكراد يحمّلون حزب العمال الكردستاني المسؤولية عن أحداث العنف والعمليات العسكرية في مناطقهم وما جرته لها من دمار وخراب، الأمر الذي أنتج شعوراً ناقماً ضد حزب العمال الكردستاني وتصرفات مقاتليه ومناصريه.

مرحلة جديدة
إذن؛ تفرض المرحلة الجديدة التي تدخلها تركيا أن تتخذ القيادة السياسية الحاكمة لغة خطاب داخلية مختلفة عن لغتها السابقة، بغية توحيد الصف التركي أمام التحديات والاستحقاقات، والتخفيف من آثار المعارك مع حزب العمال الكردستاني على المناطق الجنوبية الشرقية.

وكذلك ينبغي لها اللجوءإلى تهدئة الأوضاع ومحاورة ممثلين من أبناء تلك المناطق ليسوا من حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، بهدف التوصل إلى بناء عملية سياسية جديدة بما يفضي إلى العودة إلى تطبيع مسار خطة السلام، والتوصل إلى حلول واقعية للمشكلة الكردية.

تفرض المرحلة الجديدة التي تدخلها تركيا أن تتخذ القيادة السياسية الحاكمة لغة خطاب داخلية مختلفة عن لغتها السابقة، بغية توحيد الصف التركي أمام التحديات والاستحقاقات، والتخفيف من آثار المعارك مع حزب العمال الكردستاني

ولا شك في أن مرحلة جديدة من المراجعات ستقوم بها قيادة حزب العدالة والتنمية الحاكم بغية حل الإشكاليات العديدة، التي أفضت إلى حالة من الانقسام في الشارع التركي، خاصة أن رسائل عديدة وجهها المواطن التركي عبر صندوق الاستفتاء، سواء لجهة التغيير المطلوب في الحزب نفسه، أم بشأن استحقاقات مرحلة النظام الرئاسي.

وهذا ما يفسر تصريحات رئيس الحكومة بن علي يلدرم حول إعادة هيكلة حزب العدالة والتنمية نفسه. كما أن الرئيس أردوغان طالما اعتبر أن حل القضية الكردية يشكل مساراً إستراتيجياً للدولة التركية، ولن يستغني عنه ما دام يعي تماماً ارتباطه بمخاطر تدخلات أجنبية، ويحمل معه محاولات تقسيم وتفتيت.

وفي المقابل؛ يرى جمهور واسع من أكراد تركيا أن أردوغان هو الشخص الوحيد الذي يمكن التوصل إلى اتفاق سلام معه، وقادر على إطلاقه، بما يعني تبريد جبهة عسكرية حامية، وتحقيق شرط من شروط النمو الاقتصادي، واسترجاع ثقة المستثمرين، وإنعاش قطاع السياحة الذي ضُرب في الفترة الماضية.

هذا فضلاً عن أن أكراد تركيا يشكلون كتلة انتخابية وازنة، يمكنها ترجيح فوز أي طرف سياسي في الاستحقاقات الانتخابية، لكن من الخطأ الجسيم النظر إليهم ككتلة انتخابية متجانسة، نظراً للتمايزات السياسية بينهم.

خطوات وآفاق
يكشف واقع الحال في تركيا أنه منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في 2002، توزّعت أصوات الناخبين الأكراد بين مصوّتين لصالحه وغالبيتهم من الإسلاميين المحافظين، ومصوتين لصالح الأحزاب الكردية وهم القوميون الأكراد.

وشهدت مرحلة حكم حزب العدالة والتنمية تحسناً واضحاً في موقع أكراد تركيا، حيث اتخذت حكومته الأولى عام 2003 قراراً يقضي برفع حالة الطوارئعن مناطق الشرق والجنوب الشرقي التركي، وسارت في طريق يخفف معاناة سكان تلك المناطق عبر سلسلة من الإصلاحات القانونية والسياسية والتنموية.

الأرجح أن تفتح المرحلة الجديدة في تركيا المشهد السياسي لنقاشات وخطوات حول ممكنات عودة خطة السلام مع الأكراد، وإزالة الصورة القاتمة التي خلفتها العمليات العسكرية والاشتباكات، بما يفضي إلى فتح باب الحوار مع قوى وشخصيات كردية تؤمن بالحل السياسي

وجرى منحهم حقهم في استخدام لغتهم في المؤسسات التعليمية بمقتضى التعديلات الدستورية عام 2013، التي ركزت على إعادة تطوير وتنمية المناطق الكردية، ثم أقدمت الحكومة التركية في 2014 على وضع إطار قانوني لعملية السلام مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني.

ووصل حزب الشعوب الديمقراطي إلى البرلمان عبر صناديق الاقتراع، لكنه لم يتخذ موقفاً حازماً من عودة العمليات العسكرية لمقاتلي حزب العمال الكردستاني، وجاءت نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة لتكشف تراجع نسبة تأييد هذا الحزب في الأوساط الكردية. في حين أن حزب العدالة والتنمية وجد العديد من المؤيدين له في الوسط الكردي.

والأرجح أن تفتح المرحلة الجديدة في تركيا المشهد السياسي لنقاشات وخطوات حول ممكنات عودة خطة السلام مع الأكراد، وإزالة الصورة القاتمة التي خلفتها العمليات العسكرية والاشتباكات، بما يفضي إلى وقف الإجراءات الاستثنائية، وفتح باب الحوار مع قوى وشخصيات تؤمن بالحل السياسي وبمسيرة السلام.

لكن المشكلة تبقى مع قيادات الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني التي تريد التصعيد مع الحكومة التركية، والتي لم تعد تأخذ أوامرها من الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، بل من طهران وسواها من العواصم.

ولعل الأمر يزداد تعقيداً مع صعود حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، بوصفه الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني التركي، وانفتاح واشنطن على هذا الحزب ودعمه عسكريا وسياسياً، مما يشكل عوائق أمام عودة مسيرة السلام الداخلي في تركيا.



حول هذه القصة

Supporters of Kurdistan Workers' Party (PKK ) gather during a rally as part of Nowruz, or Kurdish New Year, celebrations in Diyarbakir, Turkey, 21 March 2015. Nowruz, which means 'new day' in Kurdish, marks the arrival of spring. The jailed leader of the separatist Kurdistan Workers Party (PKK), Abdullah Ocalan, called PKK to convene congress to discuss laying down arms.

تمثل الانتخابات الأخيرة في تركيا منعطفا هاما في العلاقة بين المكونات الكردية، وفي مستقبل عملية السلام مع الأكراد، خصوصا بعد أن اصطف أكراد تركيا ضد حزب العدالة عراب السلام بتركيا.

مقال رأي بقلم
Published On 14/7/2015
An aerial view shows pro-kurdish demonstrators holding a giant portrait Abdullah Ocalan, the founder of the militant organization the Kurdistan Workers' Party (PKK), as they gather on October 11, 2014 in Duesseldorf, north-western Germany, during a rally in solidarity with Kurds trapped in the northern Syrian city of Kobane where they are besieged by Islamic State (IS) jihadist militants. Turkey has recently tightened security of its porous Syrian border after the escalating fighting in Kobane sparked the exodus of 200,000 refugees

بعد سنتين من رسالته الأولى، تأتي رسالة عبد الله أوجلان في عيد النوروز هذا العام لتفتح مرحلة جديدة وجدية في عملية السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني.

مقال رأي بقلم
Published On 25/3/2015
احتفالات في كوباني

قبل أيام أعلن الأكراد سيطرتهم على مدينة عين العرب (كوباني) بدعم أساسي من قوات التحالف ومشاركة قوات من البشمركة والمعارضة السورية بعد قتال استمر قرابة خمسة أشهر ضد تنظيم الدولة.

مقال رأي بقلم
Published On 15/2/2015
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة