نحو عقد اجتماعي عربي جديد

A general view shows Arab Foreign Ministers and delegation members attend the 146th annual meeting at the Arab League headquarters in Cairo, Egypt, 08 September 2016. The meeting is scheduled to discuss the situation in Syria, Yemen, Palestine, Libya and Iraq, and the Arab-Iran relations.

لا يوجد نص كتبه الإنسان سواء كان مصدره رسالة سماوية -كما يَعتقد- أو الفكر الإنساني وخلاصة تجاربه، يملك قدرة ذاتية على التطبيق أو قوة تمكّنه من فرض تعاليمه وإلزام المجتمعات الإنسانية بها، مهما كان ذلك النّص مقدّسا أو محترما.

ورغم ذلك دأبت المجتمعات الإنسانية على استحداث نصوصها المؤطِّرة لنظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والعاكسة لمكوناتها وتراثها وحضارتها. وبين عدم إلزامية تلك النصوص للمجتمعات الإنسانية وعدم قدرتها على التطبيق الذاتي، وإصرارها على كتابتها؛ تُطرح الأسئلة التي تبحث عن معنى تلك النصوص وجدواها!

فمن ألواح موسى عليه السلام إلى قوانين حامورابي في الألف الثاني قبل الميلاد، مرورا بنظام حكم قرطاج المكتوب في القرن السادس قبل الميلاد، وليس انتهاء بصحيفة مدينة النبي محمّد صلى الله عليه وسلم، وحتى الدساتير والوثائق الدستورية في عالمنا المعاصر (تربو على 500 وثيقة دستورية)، مثل الثورة الفرنسية وإعلان الاستقلال الأميركي في القرن الثامن عشر الميلادي.

إصرار الإنسان ومواصلته العمل على صياغة وتطوير نظرياته الدستورية وتطبيقاتها أصبحت ظاهرة ملازمة للمجتمعات الإنسانية ومشيرة لتطوّرها الحضاري، ولذلك نلاحظ أن النصوص الدستورية البارزة في التاريخ وذات التأثير نشأت في أمم حرّة وقويّة، أو أمم كانت مقبلة على نهوض كبير وحقّقته بعد حين

من كل تلك الوثائق؛ نستطيع قراءة التاريخ الإنساني خاصة في إطاره السياسي والدستوري الذي كان أحيانا كثيرة يأخذ صبغة دينية مقدّسة، بحسب المرحلة التاريخية التي مرت بها تلك "الدساتير" والنّصوص، كما يمكننا أن نلحظ أن جميع تلك الدساتير لم تملك حصانة من النقض ولا ضمانة للاستمرار.

إنه رغم عدم حصانة النصوص "الدستورية" مع قدسيّة بعضها ورغم عدم استمرارها؛ فإن التطوّر الدستوري في تاريخ الإنسان استمرّ لينضج مع مرور الزمن وليهيّئ البيئة الفكرية للفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679) الذي استخدم مصطلح "العقد الاجتماعي".

إلا أن هوبز جعل حصيلة التعاقد فيما بين المجتمع تصب لصالح الحاكم الذي يتولى بموجب ذلك العقد الصلاحية المطلقة في التصرّف، فهوبز أقر مبدأ التعاقد لنشأة الشرعيّة، إلا أنه ألزم ذلك العقد بشرط مخل هو نزع صلاحية المتعاقدين بعد التعاقد وجعلها في يد السلطة أو "الحاكم".

وبطبيعة الحال أحدثت هذه النظرية الجدل وأثارت الردود عليها، وكان أبرز تلك الردود ما جاء به الفيلسوف الإنجليزي أيضا جون لوك (1632-1704)، الذي أكّد أن الناس لهم حقوق لا يمكن للعقود -مهما بلغت- أن تعطّلها، فضلاً عن أن تصادرها أو تلغيها.

ثم جاء من بعد ذلك الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (1712-1778) فطوّر النظرية وألف كتابا يحمل اسمها "العقد الاجتماعي"، وقرر فيه مبدأ السيادة الشعبية وأنّها قائمة ومستمرّة قبل وأثناء وبعد التعاقد، وهي متعلّقة بالإنسان نفسه وحقوقه الطبيعية، وما العقود إلا تعبير عن تلك الحقوق وليست منشئة لها.

إن إصرار الإنسان ومواصلته العمل على صياغة وتطوير نظرياته الدستورية وتطبيقاتها أصبحت ظاهرة ملازمة للمجتمعات الإنسانية ومشيرة لتطوّرها الحضاري، وهنا نلاحظ أن النصوص الدستورية البارزة في التاريخ وذات التأثير نشأت في أمم حرّة وقويّة، أو أمم كانت مقبلة على نهوض كبير وحقّقته بعد حين ووضعت بصمتها في التاريخ، وواكب نشأتها كتابة تلك النصوص التاريخية الدستورية.

ومن هنا يظهر بُعدٌ آخر للتطوّر الدستوري لا يكتفي بكون الدساتير تطوّرا طبيعيا للمجتمع، ولا بكونها نصوصا منظّمة لحياة ذلك المجتمع، بل هو بُعدٌ مرتبط بتوقيت وظروف نشأت تلك الدساتير لتكون دليلا أو إشارة؛ فهي دليل على قوّة الأمة وتميّزها كمثال "قوانين حمورابي" و"دستور قرطاج"، أو إشارة لبداية قيام أمة وقدوم حضارة جديدة، مثل قيام الحضارة الإسلامية أو ولادة الأمة الأميركية.

وهذا البعد المختلف في النظر إلى حركة التطوّر الدستوري للأمم والمجتمعات سنستخدمه أداة لاستبعاد نموذج دستوريّ واستدعاء نموذج مختلف، لا من حيث البناء والمضمون الفني والإجرائي، بل من حيث التوقيت والظروف والمعنى والجدوى.

وباستدعاء الواقع العربي نرى نموذجا دستوريا تمت صياغته وفق ظروف اضطرارية مصطنعة منذ ما يزيد على مئة سنة، كانت الأمة العربية فيها تحت الاحتلال المباشر من القوى الاستعمارية، وكانت الدساتير العربية حاجة للمستعمر أكثر من كونها تطورا طبيعيا للمجتمعات العربية ونخبتها.

فلقد كانت القوى المحتلّة لوطننا العربي في حاجة لصيغة قانونية تسلّم بموجبها مستعمراتها إلى النخبة المأمونة لديها، لتعترف بها في النظام العالمي الجديد الذي تمّ تصميمه وفق إرادة تلك القوى الاستعمارية نفسها.

ففي الوطن العربي اليوم وبالنظر لدوله ونظامها السياسي؛ نجد أن دساتيرها لم تنشأ وفق إرادة الشعب الذي له الحق وحده في صياغة "العقد الاجتماعي" الخاص به، فالدساتير العربية إمّا أنها منحة ملك أو سلطان، أو هي صياغة لحزب أوحد وصل إلى السلطة بانقلاب، أو نتيجة لبرلمانات صورية جرت في أجواء أبعد ما تكون عن التمثيل الحقيقي للأمة.

إذن؛ هذا النموذج الدستوري القائم في العالم العربي هو النموذج الذي تستبعده هذه المقالة، لكونه نموذجا دستوريا لا يعكس مكوّنات الأمة ولا ثقافتها ولا حضارتها، كما أنه لا يأتي في إطار تطور طبيعي للمجتمع وفكره الدستوري.

وهو أيضا ليس بالنموذج الدستوري المعبّر عن أمة قوية وصلت في تطوّرها لابتكار نظامها الدستوري، ولا هي دساتير كانت بداية لولادة أمة من جديد ولا نقطة انطلاقة حضارية لها، وفوق ذلك كله لا يلتزم النظام الدستوري في الأمة العربية بالقاعدة الأساسية التي تُبنى عليها الدساتير، وهي قاعدة "التعاقد".

باستدعاء الواقع العربي نرى نموذجا دستوريا تمت صياغته وفق ظروف اضطرارية مصطنعة منذ ما يزيد على مئة سنة، كانت الأمة العربية فيها تحت الاحتلال المباشر من القوى الاستعمارية، وكانت الدساتير العربية حاجة للمستعمر أكثر من كونها تطورا طبيعيا للمجتمعات العربية ونخبتها

فالدساتير العربية لا تمثّل -بأي حال من الأحوال- عقدا اجتماعيا قائما على تنازل الأفراد الأحرار عن بعض حقوقهم الأصلية تنازلا طوعيا مؤقّتا لصالح الجماعة، بما يعود عليها وعلى أفرادها بتحقيق مصالحهم ودرء الضرر عنهم.

وممّا سبق جميعا؛ يظهر بوضوح أن الدساتير العربية لم تنشأ في سياق طبيعي، ولم تتطور في ظروفها المفترضة ولا في بيئتها المناسبة الضرورية لكتابة عقد اجتماعي، يمثّل الأمة تمثيلا حقيقيا قادرا على التعبير عن مكوّناتها وثقافتها وحضارتها.

إذن والحال كذلك؛ علينا -قبل الدخول في مضمون ذلك العقد الاجتماعي المأمول والأسس الرئيسية التي يجب أن يحتويها- أن نوفّر السياق الطبيعي والظروف والبيئة المناسبة لنشأة هذا العقد الاجتماعي العربي الجديد، والسؤال هنا هو عن ماهيّة هذه الظروف وتلك البيئة.. وكيفية توفيرها أصلا؟!

أعتقد أن الظروف الأساسية الواجب توفيرها -حتى تتمكن الأمة من صياغة عقدها الاجتماعي الجديد- تتلخص في ثلاثة أمور أساسية افتقدتها التجربة الدستورية العربية في المئة سنة الأخيرة على الأقل: أولها الحرّية، وثانيها الاستقرار، وثالثها حسن ومصداقية تمثيل الأمة في ذلك العقد الاجتماعي.

إنّنا كأمة أمام أولوية ضرورية لا غنى عنها إذا ما أردنا كتابة عقد اجتماعي جديد، وهي أولويّة التحرر من أي قيد مفروض علينا ومانع لنا من التعبير عن إرادتنا الحرّة وتضمينها عقدنا الاجتماعي.

إنها معركة استقلال عربي حقيقية على كل المستويات (فكرية وسياسية واقتصادية ودبلوماسية)، معركة تعبّر عن رغبة الأمة في التعبير عن نفسها كأمة من جديد لا كدويلات وأنظمة مشتّتة ومتشاكسة ومقسّمة، بل أمة تملك مشروعا وتتطلع لدورها الرسالي كأمة حضارية، وهذه مرحلة أولى ليست لكتابة العقد الاجتماعي الذي يمثّل الأمة بل لتوفير البيئة المناسبة لكتابة ذلك العقد.

أمّا الأولوية الثانية فهي الاستقرار، وهي حالة تأتي طبيعيا بعد معركة التحرر التي تتّسم بعدم الاستقرار والاضطراب والتضحيات، وهي مرحلة لا تقلّ عن سابقتها صعوبة، فالاستقرار لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال "قوّة ضامنة" له، وهذه القوّة الضامنة تكتسب شرعيّتها من انتصارها في معركة التحرر، وتستمر هذه الشرعية حتى الانتهاء من كتابة "العقد الاجتماعي".

إن هذه القوّة الضامنة هي "القوة الأولى" التي تكون في بداية كل الأمم والأفكار، وتتّخذ هذه القوّة صورا مختلفة عبر التاريخ؛ فأحيانا تكون على هيئة نبي، وأحيانا على هيئة ملك متفرّد أو زعيم استثنائي، وأحيانا على هيئة طليعة ثوريّة أو آباء مؤسّسين.

إذن نحن لا نتحدّث عن استثناء أو سابقة تاريخية بل هو تقليد تاريخي ومنطقيّ، وبدونه لا يمكن توفير بيئة متوازنة يمكن أن يتفق فيها الناس على عقد يجمعهم، فهم لن يسلموا من عدوان أو تدخل خارجي إذا انعدمت القوة الحامية لهم منه.

كما أنهم لن يسلموا من مغالبة بعضهم بعضا لفرض قناعات على أخرى، خاصة أنهم ليسوا مضطرين للتوافق في حال اقتناع طرف ما بالقدرة على التفوّق والكسب. وهنا عادة يُطرح التساؤل التالي: ما الضامن لهذه "القوّة الضامنة"؟ ما الذي يمنعها من الانحياز أو التدخّل؟!

بالنظر للسنوات الأخيرة منذ الثورة العربية التي انطلقت بتونس في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010؛ سنجد أن الثورة العربية -كما في المئة سنة الماضية- افتقدت إما كل تلك الأولويات الأساسية الثلاث أو بعضها، ممّا جعل الوصول لعقد اجتماعي يمثّل الأمة حق التمثيل أمرا متعذرا

والجواب -بكلّ بساطة ووضوح- هو: "لا أحد يضمن"، وهذا جواب بدهي مع غياب القوّة "المعصومة"، وبغياب "القوّة المعصومة" ندخل فيما يسميه علم المنطق "استحالة الدور والتسلسل"، أي أنّنا نطالب بقوّة ضامنة تضمن لنا عدم انحراف القوة الضامنة.

وما دمنا نتحدّث عن بشر وميدان سياسي التعويل فيه يكون على المصالح والقوة بالدرجة الأولى، أما الوازع الذاتي الأخلاقي فهو نادر جدا، ولأننا نتحدث عن حركة تاريخية نادرة؛ فلا خيار منطقيا إلا بالتعويل على أخلاقيّة تلك "القوّة الضامنة" التي هي الرهان المتاح والمغامرة المرجّحة، إذ البديل بكلّ تأكيد مزيد من الانهيار والتدهور وضياع الحقوق.

الأولويّة الثالثة -بعد معركة التحرر والاستقرار- هي حسن ومصداقة تمثيل الأمة في هذا العقد الاجتماعي، وهنا لا بد من الاتفاق بين الأمة على آلية الاختيار والترجيح والصياغة.

وهي مسألة فنّية إجرائية وممكنة التحقق إذا ما توافرت القوة الضامنة والاستقرار، وبتوفير هذه الأولوية الثالثة يكون الطريق أكثر سهولة وانبساطا للوصول إلى عقد اجتماعي عربي جديد يمثّل الأمة حقّ التمثيل.

إنه بالنظر للسنوات الأخيرة منذ الثورة العربية التي انطلقت بتونس في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010؛ سنجد أن الثورة العربية -كما في المئة سنة الماضية- افتقدت إما كل تلك الأولويات الأساسية الثلاث أو بعضها، ممّا جعل الوصول لعقد اجتماعي يمثّل الأمة حق التمثيل أمرا متعذرا.

وحتى التجربة الوحيدة في تونس كان فيها تنازل بعض الأطراف لأطراف أخرى من قبيل التنازل عن قناعة في مقابل جزء من الحل وعدم الخسارة الكاملة، فكانت مقاربة التونسيين كما صرّح بذلك قادتهم: "نصف ثورة ولا أن يحصل لنا ما حصل في مصر من انقلاب!"، وهذه ليست هي المقاربة القادرة على تحقيق ما تتطلع إليه الأمة.

أخيرا، إن وضع الحلول للمشكلات والخروج من الأزمات -على مستوى النظرية- لا يبحث عن الممكن وعدم الممكن، بل يبحث عن الصواب والمفترض، ثم تأتي التجربة لتقترب أو تبتعد من الصواب والمفترض بما يمكنها أو بما لا يمكنها.

إن المهم هو أن نعرف طريق الخلاص ونحاول السير فيه ولو لم نخطُ فيه خطوة واحدة، والخطأ كل الخطأ هو أن نسير ألف خطوة في طريق نعلم -يقينا وبالتّجربة- أنه لا يؤدي إلى خلاصنا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.