مخاضات المشهد الحزبي في تونس وامتحان المدلول

أخيرا حدّدت هيئة الانتخابات في تونس شهر ديسمبر/كانون الأول القادم موعدا للانتخابات المحلية. وهذه الانتخابات ستكون امتحانا للتحولات التي حصلت في الخريطة الحزبية، وتمرينا للانتخابات القادمة، إضافة إلى رهاناتها الخاصة.

لن نعدم خلال الأسابيع القادمة حديثا عن مكونات الساحة وإستراتيجياتها الانتخابية، ولذلك نريد لفت الانتباه إلى ما نعتبره أعمق، فما هو بصدد التغير اليوم يتجاوز الخريطة الحزبية ليشمل مدلول الحزب نفسه.

1- الحزب السياسي وامتحان المدلول:
قبل الثورة التونسية، لم يكن من السهل الحديث عن أحزاب سياسية نظرا لغياب الفضاء السياسي أصلا. ولكن في المقابل لم يكن من الصعب تعريف الهيئات التي كانت تقوم مقام الأحزاب.

فمن جانب كان هناك حزب حكم التهم الدولة، وأغرق الفضاء المجتمعي بهيئات هي أدواته للضبط الاجتماعي. وفي مقابله وُجدت تنظيمات مقاومة لافتكاك الحد الأدنى من الحقوق السياسية.

ورغم اختلاف طبيعة الصنفين فإن كلمات مفاتيح كانت تجمعهما، مثل: المشروع والبرنامج والهرمية والمؤسّسات والهياكل والمناضلون والتأطير والتثقيف والتواصل…

البرنامج السياسي هو -بمعنى ما- بضاعة تخضع لقانون العرض والطلب. وعندما يلاحظ الساسة -وهم تجار شاطرون- العزوف عن البضاعة الحزبية القديمة، يسارعون إلى تكييف بضاعتهم مع الحاجات الجديدة لاستدراج المستهلكين

الثورة غيرت المعطيات جذريا؛ فقد أتاحت الفرصة لميلاد السياسة، وفتحت الباب لتطوير التنظيمات المناضلة، ولإنشاء أحزاب جديدة، بل وإعادة إنتاج الحزب القديم.

ومن هنا تغير رهان العملية السياسية برمتها، إذ انتقل من صراع حول الحرية إلى صراع حول الحكم. وأدى ذلك إلى تنوع في أنماط المسمى حزبا سياسيا.

يجب أن ننتبه إلى أن محافظة الظواهر والكيانات الاجتماعية على أسمائها لا يعني استقرارا في ماهياتها. ولعل أبرز سمات عصرنا السيولة، ومن علاماته التفكير المتجدد في البلدان المتقدمة في ماهية الأحزاب السياسية، نتيجة الخبرات المتراكمة ونتيجة أوضاع جديدة تستدعي إجابات طريفة.

البرنامج السياسي هو -بمعنى ما- بضاعة تخضع لقانون العرض والطلب. وعندما يلاحظ الساسة -وهم تجار شاطرون- العزوف عن البضاعة الحزبية القديمة، يسارعون إلى تكييف بضاعتهم مع الحاجات الجديدة لاستدراج المستهلكين، وفقا لصيغ تتماشى مع مزاج عصر عوضت فيه المرونةُ والسيولة والتنوع الصلابةَ والهرمية والتنظيم/الثكنة.

أحزاب الخضر كانت استجابة للحاجات الجديدة في البرنامج وفي طريقة التسيير. وكثير من الأحزاب طورت خبرتها في إدارة شأنها الداخلي عبر الاعتراف بالتنوع وتنظيمه، كما طورت خبرتها في التعامل مع المجتمع باعتماد آلية الوسائط المستقلة وآلية التشبيك.

الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة وفرنسا تعطي فكرة عما ستكون عليه أشكال تسويق البضاعة السياسية. الافتراضي يفرض نسقه في كل شيء، وسيؤدي إلى تفجير مفهوم الحزب السياسي بما يوفر منطقة توازن جديدة بين الانخراط وما يعنيه من التزامات، والكدح الذي لا ينتهي للمحافظة على الحرية الذاتية.

قد لا يحقق المترشح للرئاسة الفرنسية إيمانويل ماكرون المفاجأة بالفوز بالانتخابات ولكنه حقق مفاجآت كثيرة، فخلال سنة فقط أصبح هذا المتمرد على الحزب الاشتراكي منافسا للأحزاب التقليدية الكبرى، وانضم إلى حزبه أكثر من مائتيْ ألف منخرط عبر صيغة مرنة تصل إلى حدّ عدم اشتراط فك الارتباط بالحزب القديم لمن كان له التزام سابق.

ولئن كانت الإنسانية تتقدم باستمرار بجناح التعديل الذاتي المرافق للممارسة، وبجناح التفكير والمراجعة اللاحق لها، فإن الحالة الحزبية التونسية اليوم هي نتاج الاستجابة الحسية للحاجات الجديدة أكثر مما هي نتاج تنظير سابق. إذ لم تتطور الأحزاب لتتجاوز إدارة المستعجل وتدمج في هيكلتها أقساما للتطوير، كما لم يتطور البحث العلمي الأكاديمي المستقل ليلبي الحاجيات الجديدة.

2- أنماط الأحزاب التونسية:
هذا الحراك بين تطوير تنظيمات المقاومة وإعادة إنتاج القديم واستحداث الجديد، أفضى إلى ثلاثة أنماط من الأحزاب:

الحزب/المدرسة:

الذي يولي أهمية كبرى للتثقيف والتأطير والهياكل والمناضلين انطلاقا من مشروع ورؤية يتفرع عنها برنامج.

ولئن كان من المعلوم أن ثنائية (التوسع/ التقلص) -على صورة آلة الأكورديون في القبض والبسط- تشمل في الأوضاع الديمقراطية القاعدة الانتخابية للأحزاب، فإنها تشمل أيضا حتى قاعدة الانخراط.

ففي سوق حزبية مفتوحة تتعدد دوافع الانتماء، ويصبح الوفاء لمشروع يجسده حزب أحد الدوافع فقط، تزاحمه دوافع أخرى "أكثر أرضية"، منها بناء المسارات السياسية الشخصية، أو توقع تلبية حاجات فئوية وحتى فردية.

ميزة الحزب/المدرسة أنه يضمن حدا أدنى من القاعدة الوفية بالمزج بين العراقة، ومخبر التدريب، ومصعد الارتقاء، بما قد يغري الشباب خاصة بالشأن العام.

في سوق حزبية مفتوحة تتعدد دوافع الانتماء، ويصبح الوفاء لمشروع يجسده حزب أحد الدوافع فقط، تزاحمه دوافع أخرى "أكثر أرضية"، منها بناء المسارات السياسية الشخصية، أو توقع تلبية حاجات فئوية وحتى فردية

ولكن هذا النمط نفسه يتعرض لأكثر من امتحان؛ فهو يستثمر في الصبر، والصبر بضاعة لم تعد مغرية. وهو مطالب بالانفتاح، ولكن العراقة قد تتحول عائقا، والتاريخ قد يكون عبئا. وأكبر الأعباء هي أمراض السرية.

ولذلك فعملية التطوير يمكن أن تنجح لتعطي هيئات مرنة ومفتوحة، ويمكن أن تتغلب نزعة المحافظة لنجد أنفسنا أمام ثكنات يسكنها الحنين أكثر مما يقودها الطموح.

الحزب/الماكينة الانتخابية:
المعادلة هنا بسيطة؛ فالحكم هو الهدف والانتخاب هو الآلية. وهذا يتطلب تموقعا انتخابيا، وقدرة على الإقناع، وميزة تفاضلية هي القدرة على الإنجاز.

الأمر لا يحتاج إلى هياكل ثقيلة، بل نحتاج فقط قدرة تعبوية محدودة في الزمن، ووسائط تعوض العمل الميداني المرهق، وقدرة على الإقناع متناسبة مع اللحظة الانتخابية، وهي ليست لحظة عقلانية، إنها لحظات إبهار وصور. ومعلوم أن نسبة الذين يطلعون على البرامج الانتخابية ضعيفة.

هذه الأحزاب قد تشكل هيئات جهوية في المناسبة الانتخابية، ثم تذوب بعدها لتعود قبيل المناسبة الموالية.

أحزاب الكفاءات:
وهي أحزاب تشتغل على الكفاءة كميزة تفاضلية. وربّما جاز لنا أن نسميها أحزاب "المهندسين"، ليس فقط لأنّ صانعيها وغالب منتسبيها من المهندسين، بل لأنها تشتغل بطريقة هندسية على القانون الانتخابي وما يتيحه من فرص، وعلى الخريطة الانتخابية وما فيها من فجوات، وأروقة، وفراغات.

هي أحزاب تعديل وتوازن، متخففة من أعباء الأيديولوجيا والتاريخ، وتلك نقطة قوتها ونقطة ضعفها أيضا.

3- منزلقات المشهد الحزبي:
إن عملية تأهيل المشهد الحزبي هي عملية تاريخية، وهي من ضمانات الانتقال الديمقراطي ذاته. غير أن هذا الانتقال يمكن أن يختزل في عملية سياسية هي نفسها مهدّدة بالتسطيح. فننتقل من كثافة المشروع وسيادة قيم النضال والتضحية إلى خفة البرنامج، وغلبة قيمة النجاعة الحقيقية أو الموهومة، وننتقل من معاناة التثقيف إلى إتقان تقنيات استدراج الناخبين.

ما يدعو إلى الانشغال هو التداخل بين المال والإعلام والرياضة والسياسة. ففي مرحلة البناء الحساسة هذه يسعى رأس المال المشبوه ليتحكم في التشكيلات الحزبية، وفي الإعلام، وفي الهيئات المنتخبة، لتتحول الأحزاب إلى مجرد واجهات

في هذه العملية كلّها تصبح السياسة سلعة، ويعوض التسويق التثقيف. والتسويق هو في العمق عملية "تحيّل" تخدر العقلاني وتوظف الانفعالي، لينحصر الصراع في مربع الصورة على حساب المضمون.

ما يدعو إلى الانشغال هو التداخل بين المال والإعلام والرياضة والسياسة. ففي مرحلة البناء الحساسة هذه يسعى رأس المال المشبوه ليتحكم في التشكيلات الحزبية، وفي الإعلام، وفي الهيئات المنتخبة، لتتحول الأحزاب إلى مجرد واجهات. وعديدة هي التجارب التي مرت بمحنة ديمقراطيات الواجهات في ظروف ضعف الدولة، وتواضع أجهزة الرقابة واليقظة المواطنية.

يتذكر محبو كرة القدم الفرق بين "أجاكس أمستردام" الذي فتح مدرسة لتعليم الناشئة طريقة مميزة في الأداء الكروي، وبين "تشيلسي" الفريق المتواضع الذي اشتراه -وسط التسعينيات- ثري روسي انتدب له أفضل اللاعبين ليتصدر الدوري الإنجليزي.

إن الحراك العقلاني الذي يسبق ويتخلل مؤتمرات عدد من الأحزاب، وكذلك جهد التوعية السياسية، ودور الإعلام الحرفي النزيه، يغلب لدينا دواعي التفاؤل بالتحكم في عوامل التلويث للحياة الحزبية والسياسية.



حول هذه القصة

يحيي التونسيون هذه الأيام الذكرى السادسة لاندلاع ثورتهم وسط أوضاع شديدة الحراك في البلاد والمنطقة. وهي فرصة للتقييم، وللإجابة عن بعض الأسئلة الجوهرية الملحة، كما أنها فرصة لتدقيق اتجاه البوصلة.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة