حماس والموقف من حرب مصر وتنظيم الدولة بسيناء

تأمين الحدود
توريط حماس
الدور الإسرائيلي 

يزداد التوتر الأمني في سيناء على حدود غزة، إذ وصل قبل أسابيع إلى حد إطلاق تنظيم الدولة الإسلامية صواريخ باتجاه مدينة إيلات جنوبي إسرائيل، مما دفع سلاح الجو الإسرائيلي لاغتيال بعض أعضاء التنظيم.

السطور التالية تحاول التعرف على الوضع الأمني بين سيناء وغزة، ومعرفة آثار التوتر المتزايد بين تنظيم الدولة وإسرائيل على الوضع الأمني في القطاع، وهل يتم توريط حركة حماس في مواجهة بين التنظيم وإسرائيل ومصر؟ وكيف تسعى الحركة لتجنب هذا التورط؟

تأمين الحدود
تشهد سيناء منذ أسابيع توترا متزايدا بسبب الحرب الدائرة بين الجيش المصري وتنظيم الدولة، وبات الفلسطينيون يسمعون أصوات التفجيرات جراء اشتباكات الجانبين بصورة دورية.

لكن جرعة جديدة أضيفت للتوتر عقب إطلاق تنظيم الدولة يوم 9 فبراير/شباط الماضي صواريخ من سيناء المصرية على إيلات، ورد سلاح الجو الإسرائيلي يوم 22 فبراير/شباط بقتل خمسة من أعضاء التنظيم.

هذا التوتر المتصاعد في سيناء بين تنظيم الدولة من جهة ومصر وإسرائيل من جهة أخرى، يطرح علامات استفهام حول مدى بقائه في سيناء وعدم انزلاقه إلى غزة -التي تسيطر فيها حماس- عبر حدود المنطقتين؟ وعن إمكانية تدهور التوتر الأمني ليصل إلى مشارف غزة الجنوبية من جهة مدينة رفح؟

التوتر المتصاعد في سيناء بين تنظيم الدولة من جهة ومصر وإسرائيل من جهة أخرى، يطرح علامات استفهام حول مدى بقائه في سيناء وعدم انزلاقه إلى غزة -التي تسيطر فيها حماس- عبر حدود المنطقتين؟ وعن إمكانية تدهور التوتر الأمني ليصل إلى مشارف غزة الجنوبية من جهة مدينة رفح؟

لا تتردد حماس في تأكيد أنها تقود المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي بالتنسيق مع قوى المقاومة بحكمة ووعي، وتدرك وجود محاولات مستمرة لحرف بوصلة المقاومة الفلسطينية وإشغالها بصراعات لا تصب في مصلحة مشروعها التحرري.

وفي حين تعلن حماس أنها تحافظ على منهجها القاضي بعدم التدخل في شؤون الدول، بما فيه ما يجري بسيناء؛ فإنها تؤكد -في الوقت ذاته- أنها ستدافع عن غزة ضد أي اعتداء، لأنها حركة تحرر ومعركتها واضحة وتخوضها فوق أرضها، وسلاحها لا توجهه إلا لمن يحتل أرضها ويعتدي على شعبها.

على أرض الواقع، زاد الجيش المصري نشر حواجزه الأمنية -في المسافة البالغة 450 كيلومترا بين معبر رفح ومدينة القاهرة– بأكثر من عشرين حاجزا.

وحين زار كاتب هذه السطور المنطقة الحدودية الفلسطينية المصرية رأى وجودا أمنيا مكثفا للأمن الفلسطيني، وتعزيزا للإجراءات الميدانية، بحيث لا يُسمح لأي شخص بدخول سيناء بالتهريب، وليس من السهل لأحد أن يتسلل إلى قطاع غزة من مصر.

مع العلم بأن الجانبين (غزة وسيناء) يرتبطان بحدود تمتد 12 كلم، تنتشر على طولها قوات أمنية فلسطينية ومصرية تقوم بتأمينها، ولن يكون بإمكان أي مسلح التنقل بين الحدود في الاتجاهين بسهولة، سواء من المعابر الرسمية فوق الأرض أو عبر الأنفاق تحت الأرض!

جاء ذلك عقب زيارة قام بها وفد من الأجهزة الأمنية التابعة لحماس إلى مصر برئاسة قائد قوات الأمن في غزة اللواء توفيق أبو نعيم، وقبلها زيارة وفد يرأسه إسماعيل هنية نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، وإعلان الوفدين أن حماس تحرص على علاقات إستراتيجية قوية مع مصر.

حتى اللحظة، تبدو حدود غزة ومصر آمنة ومستقرة، وتقوم قوات الأمن الفلسطينية بمتابعة مكثفة للحدود الجنوبية بفرض المزيد من الإجراءات الأمنية على الحدود، وتكثيف نشر القوات وزيادة عددها.

وأرسلت حماس إلى مصر رسائل مفادها أن غزة لن تصبح منطلقاً للمساس بالأمن المصري، ولا يمكن أن تنزلق في أي مواجهات جانبية بسيناء، بعكس ما صدر عن أوساط إعلامية مقربة من دوائر صنع القرار المصري من أن حماس -التي تعتبر أحد فروع جماعة الإخوان المسلمين– يعتبر استمرار سيطرتها على قطاع غزة بمثابة بؤرة تؤرق المنطقة.

توريط حماس
في خضم هذا النقاش يجب التنبه جيدا إلى أن إسرائيل لاعب مؤثر في سيناء، وخاصة المعارك بين الجيش المصري وتنظيم الدولة، وربما ازدادت حساسية الوضع الأمني في سيناء وتأثيره السلبي على غزة عقب غارات إسرائيل على التنظيم، مما يعتبر ناقوس خطر يُدقّ لغزة.

فقد يكون هناك مخطط إسرائيلي لإقحام الفلسطينيين في أحداث سيناء، سواء بتوريطهم في معارك مع مصر أو التنظيم لخلط أوراق المنطقة.

هذا التصور قد يتطلب من الأجهزة الأمنية الفلسطينيةبغزة إبداء قدر أكبر من الحذر والذكاء والضبط، إذ رغم ما يقال عن تنسيق فلسطيني مصري على الحدود فإن علاقة الطرفين لم تنفرج بعدُ على الأرض، علما بأن مصر زادت هجماتها على ما تبقى من الأنفاق التجارية.

مصر قد لا تكون معنية بتوسيع رقعة المواجهة خارج حدودها، لكن استمرار التحريض الإسرائيلي على غزة، والمزاعم عن دورها في دعم مقاتلي التنظيمات المسلحة في سيناء، قد يوجِد أرضية معادية لحماس في أوساط صناع القرار المصريين

صحيح أن مصر قد لا تكون معنية بتوسيع رقعة المواجهة خارج حدودها، لكن استمرار التحريض الإسرائيلي على غزة، والمزاعم عن دورها في دعم مقاتلي التنظيمات المسلحة في سيناء، قد يوجِد أرضية معادية لحماس في أوساط صناع القرار المصريين.

لا سيما مع تأكيد محافل أمنية إسرائيلية تكثيف التعاون الأمني والعسكري بين الجيشين المصري والإسرائيلي ضد كل من تنظيم الدولة بسيناء وحماس بغزة.

بل إنّ هناك فرضيات فلسطينية -وإن كانت بعيدة- تطرح إمكانية توجيه ضربة إسرائيليّة لغزّة تبدأ من سيناء -حيث توجد التنظيمات المسلحة- بحيث إن شعرت مصر وإسرائيل بأن سيناء تحولت مرتعا للتنظيمات، فقد تتهمان غزة بتوفير الدعم المادي والعسكري لها، تمهيداً لحصولهما على غطاء أميركي لضربها دون تحفظ.

تبدي حماس -كما يظهر- حرصا على عدم إقحامها في صراع مصري داخلي مسلح، لأن لديها مخاوف كافية من اندلاع مواجهة مع إسرائيل في أي وقت، مما يدفعها لتأمين حدودها الجنوبية مع مصر كي لا يتم الانقضاض عليها من أكثر من جبهة فتُستنزف قدراتها العسكرية.

تشهد المنطقة الحدوديّة بين سيناء وغزّة هجمات متبادلة بين الجيش المصريّ ومجموعات مسلّحة توقع قتلى وجرحى بينهما، ويتخللها صدور اتّهامات مصريّة لأفراد مسلّحين في غزّة بالتورّط فيها سواء بالتخطيط أو التنفيذ، وهو ما تنفيه حماس.

ولذلك قد لا تشهد هذه المنطقة المتوترة الهدوء المأمول، رغم الإجراءات الأمنيّة التي تتّخذها القوّات المصريّة والفلسطينية على حدود.

ويدفع هذا الأمر حماس لتركيز الأنظار على التحذير من أي عدوان إسرائيليّ على الفلسطينيين، وعدم الانشغال بالأحداث الميدانيّة على حدود غزّة مع مصر، رغبة منها في تحشيد الدول العربيّة خلف الشعب الفلسطيني، بعيداً عن تشتيت الجهود السياسيّة نحو أكثر من قضيّة في آن واحد.

الدور الإسرائيلي
الثابت أنّ أيّ توتّر على حدود غزّة ومصر لا يخدم مصلحتيهما، فحصار الشعب الفلسطينيّ يخدم إسرائيل، ولا بدّ من تفاهم فلسطينيّ/مصريّ يسفر عن توفير حاجات الشعب الفلسطينيّ، ويسهّل حركته، وفي الوقت ذاته يساعد الجانب المصريّ على ضبط أمنه.

لكن ما قد يثير خشية الفلسطينيين هو تكرار توجيه الاتهامات لهم بإيواء مسلحين مطلوبين لمصر، مع اشتداد ملاحقة الأجهزة الأمنية لهم هناك، رغم توفر معلومات أمنيّة تفيد بأن سيناء تعبث فيها جميع الأطراف وعلى رأسها إسرائيل.

تحرص الأجنحة الفلسطينية المسلحة على منع تأثر الحالة الأمنية المستقرة نسبياً في غزة بأي تبعات للتدهور الأمني الحاصل في سيناء، رافضة لجوء أي من الأطراف لإدخال القطاع في مواجهة مع إسرائيل غير متفق عليها مع باقي القوى المسلحة

إن التقدير السائد في غزة اليوم هو أن الجيش المصري لن يوقف حملته العسكرية في سيناء ضد المجموعات السلفية في المدى القريب، بل ستمتد فترة زمنية ليست قليلة، مما يعني أن التوتر سيكون سيد الموقف على الحدود المصرية الفلسطينية الإسرائيلية.

مع العلم بأن حماس في غزة ليست ذات تأثير إيجابي كبير على عناصر المجموعات "الجهادية"، بل إن التوتر والخلاف باتا يسودان علاقات الطرفين أكثر من الهدوء والتنسيق.

ولذلك تبرز فرضيات غير محبذة مفادها أن تبادر المجموعات السلفية لقصف إسرائيل من غزة رداً على ما تعتبره هجوماً مصرياً إسرائيلياً مشتركاً ضد رفاقهم، أو أن تحوّل سيناء جبهة عسكرية ساخنة، وربما هذا آخر ما تتمناه حماس لأنها -في هذه الحالة- ستتلقى رداً إسرائيلياً موجعاً.

ميدانيا، تحرص الأجنحة الفلسطينية المسلحة على منع تأثر الحالة الأمنية المستقرة نسبياً في غزة بأي تبعات للتدهور الأمني الحاصل في سيناء، رافضة لجوء أي من الأطراف لإدخال القطاع في مواجهة مع إسرائيل غير متفق عليها مع باقي القوى المسلحة.

كما أن الأجهزة الأمنية بغزة لديها توجه بضبط الوضع الميداني أكثر من أي وقت مضى، لمنع استخدام غزة ساحة لتصدير الصراع الداخلي بمصر. وإذا كانت حماس ترفض تحميلها أي مسؤولية عن الأعمال الدامية العنيفة بسيناء، فهي ربما لن تسمح لأي مجموعة مسلحة بأن تصفي حساباتها مع السلطات المصرية انطلاقاً من أراضي غزة.

أخيراً؛ من الواضح أنّ حماس ليست بصدد توتير الموقف الميدانيّ مع مصر، حتّى وإن شعرت بأنّ هناك مخطّطاً لاستدراجها للاشتباك معها.

بل إنّ الحركة تبذل جهوداً سياسيّة لترميم العلاقة معها لقناعتها بأهميّتها لها، سواء من الناحية السياسيّة لكونها من الدول العربيّة الكبرى، أو من الناحية المعيشيّة نظراً للحدود المشتركة بين مصر وغزّة، فضلا عن أن أولويّتها -كما يبدو- هي مواجهة إسرائيل بالدرجة الأولى وليس أي طرف آخر.



حول هذه القصة

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة