كردستان العراق.. 2017 عام خسارة الحلم

KIRKUK, IRAQ - SEPTEMBER 25: Peshmerga soldiers fire their guns in the air to celebrate the referendum on the road outside a voting station on September 25, 2017 in Kirkuk, Iraq. Despite strong objection from neighboring countries and the Iraqi government. Some five million Kurds took to the polls today across three provinces in the historic independence referendum. (Photo by Chris McGrath/Getty Images)

حكاية الحجل التي لا تنتهي
كابوس ما بعد كركوك
المرحلة الأصعب

سيتذكر الكرد طويلا أن عام 2017 كان أشبه بنكسة لأحلامهم بإقامة دولة كردية مستقلة بعد أن اعتقدوا أن ذلك بات بمتناول اليد على وقع الاستفتاء الذي جرى على الانفصال.

ولعل ما حصل سيذكرهم بمصير جمهورية مهاباد الكردية قبل نحو نصف قرن، تلك الجمهورية التي لم تصمد سوى أحد عشر شهرا قبل أن تدخل قوات الجيش الإيراني إلى عاصمة الجمهورية وتعتقل قادتها وتعدم معظمهم، إنها صورة الأقدار التي تكرر نفسها عميقا في ذاكرة الكرد بحثا عن حلمهم الذي ما ينفك ينطلق من جديد مع كل انتكاسة.

حكاية الحجل التي لا تنتهي
ثمة مقولة معروفة لدى الكرد تقول: "الكل أعداء الحجل والحجل عدو نفسه"، وحسب المقولة، فإن طائر الحجل يساعد على الإيقاع بأبناء جلدته لصالح الأعداء في اللحظات المصيرية، وهكذا أصبح الحجل رمزا للخيانة في التاريخ الكردي القديم والحديث.

ربما تذكر مسعود البارزاني هذه الحكاية طويلا، عندما خسر ما حققه في عقدين من الزمن تقريبا في ليلة واحدة، وعندما تبخر حلمه بتأسيس أول دولة كردية مستقلة تدخل اسمه التاريخ قبل أن يجد نفسه محصورا بزحف الحشد الشعبي والجيش العراقي باتجاه مناطقه وإصدار الحكومة العراقية مذكرة جلب للعديد من قادته.

ثمة مقولة معروفة لدى الكرد تقول: "الكل أعداء الحجل والحجل عدو نفسه"، وحسب المقولة، فإن طائر الحجل يساعد على الإيقاع بأبناء جلدته لصالح الأعداء في اللحظات المصيرية، وهكذا أصبح الحجل رمزا للخيانة في التاريخ الكردي القديم والحديث

لكن السؤال هنا، لماذا قصة الحجل هذه تبدو سارية في كل زمان ومكان كرديا؟ ولماذا لا تنته الحكاية التي طالما اختبرها الكرد جيدا واكتووا بنارها عبر التاريخ؟

في الواقع عندما اعتقد البارزاني أن الظروف باتت مهيأة لإقامة دولة كردية، وأصر على المضي في إجراء الاستفتاء على الانفصال رغم الرفض العراقي والإقليمي وكل المناشدات الدولية، كان يعتقد أن الوضع داخل الإقليم على ما يرام وأن بريق الحلم بدولة مستقلة كاف لدفع خصومه السياسيين نحو المضي خلفه حتى النهاية، لكن تقديراته لم تكن دقيقة لا اتجاه الداخل ولا اتجاه الخارج، فاللعب مع الكبار وضعته في مآزق مصيري حرج أدى إلى خروجه من الحياة السياسية عمليا.

فقد اكتشف الرجل أن الحليف التركي مستعد للتضحية بالعلاقة معه طالما أن الأمر يتجاوز كردستان العراق إلى تركيا نفسها ومستقبلها بحكم التواجد الكردي هناك، وأن إيران الجارة مستمرة في مشروعها المفتوح تجاه المنطقة إلى ما لا نهاية، وأن الحشد الشعبي عندما تأسس لم يكن هدفه محاربة داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) فقط بل السيطرة على كامل العراق.

وأن الحليف الأميركي الذي اعتقد أنه يمثل مشروعه في المنطقة لا يعرف العواطف والأخلاق، وأن الذهاب إلى عقد صفقات نفطية ضخمة مع روسيا كاف لدفع الحليف الأميركي للتخلي عنه في أي لحظة. وهكذا وجد نفسه في لعبة مع الكبار لا يستطيع أن يجاريهم على مذبح المصالح والعلاقات بين الدول، وأن الرهان على التناقضات قد تتحول إلى لعبة قاتلة ومدمرة.

أما في الداخل، فإنه نسي أن سلالة الحجل مستمرة وهي في كل مرحلة تنتج أشخاصها طبقا للظروف والحالة، وأن تعطيل البرلمان، والاستمرار في رئاسة منتهية ولايتها، وإقصاء حركة التغيير، وممارسة القسر على منافسه التاريخي الاتحاد الوطني الكردستاني، وحصر الامتيازات والمناصب بالعائلة والقريبين منها.. كلها لعبة لا تقل خطورة عن اللعب مع الكبار وتناقضاتهم، فالحجل لا يظهر أو لا يعود إلى ممارسة فعل "الخيانة" من لا شيء، وإنما يظهر بفعل المحرض أولا وأخيرا.

ولعل محنة البارزاني لا تكمن في تسلل الأعداء ليلا إلى غرفة الحجل ليوقظوه وليمارس طقسه التاريخي كرديا في كركوك، فهو يعرف أن الحجل المنتشي على وقع ما جرى في كركوك يلقى الدعم والتأييد من محيطه، وأن الصدام معه قد يكون النهاية، وهكذا بدا الحجل كرديا، ليس مجرد طائر يقوم بدور حصان طراودة في المنعطفات واللحظات الحرجة، وإنما فعل وسلوك وأشخاص وفكر.. عصي على الكرد كيفية مداواته حتى الآن.

كابوس ما بعد كركوك
أدخل الانهيار السريع لقوات البشمركة في كركوك أمام زحف الجيش العراقي والحشد الشعبي إقليم كردستان في مرحلة جديدة هي الأصعب له منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

يشهد إقليم كردستان العراق ما يشبه ثورة عارمة ضد سلطته السياسية، إذ أظهرت التطورات هشاشة البنيان السياسي في الإقليم من جهة، ومن جهة ثانية عمق الشرخ بين الجماهير التي تئن تحت وطأة الظروف الصعبة وبين سلطة الأحزاب الحاكمة

ولعل منظر فرار آلاف العائلات الكردية من كركوك شكل عنوانا لهذه المرحلة الجديدة حيث الخوف من بغداد رسخ نفسه من جديد هاجسا دائما في الإقليم بعد أن غاب ذلك مع انهيار حكم صدام حسين، فالعلاقة مع التحالف الشيعي لم تنته فحسب، بل تحولت إلى عداء على وقع الأصوات المطالبة بمحاكمة قادة الاستفتاء بما في ذلك مسعود البارزاني.

وعليه يمكن القول إن خسارة الإقليم تجاوزت الواقع الميداني إلى الفضاء السياسي، فعلى وقع انهيار العلاقة مع بغداد يعاني الإقليم من فقدان للموارد وحصار إقليمي.
 
فالدولتان الجارتان (إيران وتركيا) لم تكتفيا برفض الاستفتاء بل تحالفتا مع بغداد لا في فرض الأخيرة سيطرتها على كركوك وباقي المناطق المتنازع عليها فحسب، بل في الإصرار على بسط سيطرتها على جميع المعابر الحدودية مع الخارج، بما في ذلك تلك التي لم تكن تحت سيطرة بغداد طوال المرحلة الماضية أو التي أنشئت مؤخرا مع المناطق الكردية في سوريا.

وإذا كان ما جرى قد غير من حدود خريطة الإقليم لصالح بغداد وشروطها التي لا تنتهي لبدء حوار مع أربيل، فإن خسائر الإقليم على المستوى الدولي لا تقل أهمية عن خسارتها الإقليمية، فالرهان على الموقف الأميركي لم يكن إلا سرابا؛ حيث اكتفت واشنطن بالقول إنها لن تنحاز إلى أي طرف بعد أن اعتقدت قيادة الإقليم أنها ستقف مع تطلع الكرد إلى دولة مستقلة.

ولعل كل ما سبق وضع الإقليم في كابوس صعب دون أفق، خاصة مع تفاقم الأزمة المعيشية وتفجرها في الشارع وسط مخاوف من تكرار سيناريو كركوك في السليمانية، لاسيما أن بغداد باتت تتحدث صراحة عن شمال العراق وليس إقليم كردستان كما نص دستور عام 2005، وتتحدث عن حكم المحافظات وليس قيادة الإقليم في تعبير ضمني عن إلغاء الإقليم ككيان.

المرحلة الأصعب
على وقع ما جرى في كركوك، يشهد إقليم كردستان العراق ما يشبه ثورة عارمة ضد سلطته السياسية، إذ أظهرت التطورات اللاحقة هشاشة البنيان السياسي في الإقليم من جهة، ومن جهة ثانية عمق الشرخ بين الجماهير التي تئن تحت وطأة الظروف المعيشية الصعبة وبين سلطة الأحزاب الحاكمة التي تفكر بالمحاصصة ومشغولة بمصالحها الحزبية والاقتصادية والعائلية أكثر من أي شيء آخر.

وما الاتهامات المتبادلة بين هذه الأحزاب باحتكار السلطة والثروة والقرار وممارسة الفساد بل والخيانة إلا تعبير عن واقع حال هذه الأحزاب وممارساتها.

ولعل كل ما سبق زاد من قناعة المواطن العادي بالخروج إلى الشارع والمطالبة بإصلاحات جذرية إلى حد تغيير المنظومة السياسية. ومع أن التظاهرات المعيشية بدت محصورة في السليمانية دون أربيل وهو ما يفسره البعض بوجود فسحة للحرية في السليمانية أكثر من أربيل التي تعيش تحت سيطرة حزب الديمقراطي الكردستاني.
 

يودع إقليم كردستان عام 2017 وكأنه يقف عند مفترق طرق كبير، بين سيناريو الشروع في إصلاح جذري يعيد ترتيب البيت الكردي وسلطته السياسية بعيدا عن المحاصصة الحزبية والعائلية أو الانفتاح على سيناريو الفوضى والتفكك

بيد أن الشعارات التي رفعت بدت ضد جميع الأحزاب السياسية في الإقليم، حيث تعرضت مقارها ومراكزها للحرق في تعبير عن حالة الغضب الشديد والعارم، وهو ما أخرج التظاهرات من طابع الاحتجاج على الظروف المعيشية الصعبة بسبب التأخر عن سداد الرواتب وتدني الخدمات وتزايد نسب الفقر والبطالة إلى تظاهرات شعبية ضد السلطة السياسية التي لم تعد مبرراتها تقنع الشارع الغاضب من كل شيء.

فالقول إن عدم سداد الرواتب وتدني أسعار النفط والحصار الإقليمي وغيرها من الأسباب باتت تحسب على هذه السلطة ودليل على فشلها، وهي لم تعد كافية لإقناع المواطن الكردي بفساد السلطة خاصة أنه وصل إلى حالة يأس شديد من الحديث عن الإصلاح والوعود المتكررة بتحسين وضعه المعيشي، وعليه فإن ما يجري يحمل معه ملامح ثورة سياسية ضد الطبقة الحاكمة في ظل ظهور أحزاب جديدة تنشد التغيير الجذري.

ودون شك، فإن ما يجري هو أقرب إلى ثورة غضب شاملة هزت البنيان السياسي في الإقليم ولاسيما بعد انسحاب حركة التغيير والجماعة الإسلامية من الحكومة، فيما لجأ الحزبان الكبيران الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى تجاوز خلافاتهما مؤقتا لصالح كيفية مواجهة الغضب الشعبي خوفا أولا من أن خروج الأمور عن السيطرة، وخشية ثانيا من استغلال بغداد التظاهرات الجارية لتكرار سيناريو كركوك في السليمانية.

وهو ما وجد مؤشرا له في تأكيد حيدر العبادي أن حكومته لن تقف مكتوفة الأيدي في حال تم الاعتداء على أي مواطن في الإقليم، حيث فتح ذلك الباب أمام مثل هذا السيناريو.

يودع إقليم كردستان عام 2017 وكأنه يقف عند مفترق طرق كبير، بين سيناريو الشروع في إصلاح جذري يعيد ترتيب البيت الكردي وسلطته السياسية بعيدا عن المحاصصة الحزبية والعائلية أو الانفتاح على سيناريو الفوضى والتفكك والعودة إلى نظام الإدارتين وهو ما يعني انهيار الإقليم ككيان لصالح سيادة تنشدها بغداد.



حول هذه القصة

Iraqi forces are seen at the entrance to the military airport after they retook it from Kurdish fighters near the disputed city of Kirkuk on October 16, 2017, in a major operation sparked by a controversial independence referendum.Thousands of residents fled Kurdish districts of Kirkuk for fear of clashes after Iraqi military forces launched operations against Kurdish fighters near the northern city, an AFP journalist said. / AFP PHOTO / Marwan IBRAHIM (Photo credit should read MARWAN IBRAHIM/AFP/Getty Images)

حققت الخطوة الأحادية الجانب التي اتخذتها القيادة الكردية بإقليم كردستان العراق يوم 25 سبتمبر/أيلول الماضي بتنظيمها استفتاءً بشأن الانفصال؛ حققت لهذه القيادة شعبية كبيرة جدا داخليا لكنها كانت محفوفة بالمخاطر.

مقال رأي بقلم
Published On 18/10/2017
A picture taken on October 2, 2017 shows Kurdish regional president Massoud Barzani (C) meeting with Kirkuk provincial Governor Najim al-Din Karim (3-L) and Kurdish political parties representatives in Kirkuk. / AFP PHOTO / Marwan IBRAHIM (Photo credit should read MARWAN IBRAHIM/AFP/Getty Images)

وجهت خسارة الكرد لمدينة كركوك -وبشكل درامي- الأنظارَ إلى عمق الخلافات بين السليمانية وأربيل، وهي خلافات عميقة تتفاعل على وقع الاستقطاب الحزبي، والانقسام الجغرافي، والتنافس على السلطة والثروة، والأبعاد الإقليمية.

مقال رأي بقلم
Published On 21/10/2017
epa06203328 Kurdish men carry a portrait of President of the Iraqi Kurdistan Region Masoud Barzani as they take part in a march to support independence referendum in Erbil city, the Capital of the Kurdistan Region in northern Iraq, 13 September 2017. The Kurdistan Region has scheduled an independence referendum for 25 September 2017 to allow people in the region to determine their future, either remain as part of Iraq or declare independence. EPA-EFE/GAILAN HAJI

أظهرت النتائج أن نسبة عالية من الأكراد العراقيين صوتوا في استفتاء بشأن استقلال إقليم كردستان العراق ومناطق أخرى يوجد فيها عدد كبير للأكراد، وأن نسبة أعلى من الناخبين صوتت بـ”نعم”.

مقال رأي بقلم
Published On 7/10/2017
epa03188343 Turkish Prime Minister Recep Tayyip Erdogan (R) and Kurdistan Region President Massoud Barzani shake hands before their meeting in Istanbul, Turkey 19 April 2012. Barzani is in Turkey for a two day visit. EPA/POOL

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ بدأ تطبيق المخططات الدولية المرسومة لمنطقة الشرق الأوسط، فكانت معاهدة سايكس بيكو وغيرها من المعاهدات التي صاغت معادلة دولية كان الأكراد الخاسر الأول فيها.

مقال رأي بقلم
Published On 29/5/2017
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة