رسالة إلى مسلمي أوروبا واللاجئين: امضوا في حياتكم

File photo of a migrant taking a selfie with German Chancellor Angela Merkel outside a refugee camp near the Federal Office for Migration and Refugees in Berlin, Germany, September 10, 2015. Time magazine named German Chancellor Angela Merkel its 2015 "Person of the Year" on December 9, 2015, noting her resilience and leadership when faced with the Syrian refugee crisis and turmoil in the European Union over its currency this year. REUTERS/Fabrizio Bensch/Files

هؤلاء الذين لا يرون أن هدف المنظمات الإرهابية -التي تشن هجمات على الغرب- هو تفكيك وحدة الأوروبيين وتجريم المسلمين (بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى)، قد سقطوا هم أنفسهم فريسة لتلك المنظمات.

فالمنهج الكلاسيكي للإرهاب هو إثارة مجموعات من الناس بعضهم ضد بعض، والتأكد من أن الشقاق سيصل مداه ولن ينجبر، فيندلع صراع مسلح في المجتمع يمكّن تلك الجماعات الإرهابية من السيطرة على مقاليد الأمور.

لا ينبغي للسياسيين الأوروبيين -عند الرد على هجمات باريس وبروكسل وبرلين– دعوة الأوروبيين إلى "المضي قدما في أسلوب حياتنا" كما هي عادتهم، وهو ما قرروه بالفعل إذ ليس أمامهم من سبيل آخر، ولكن يجب أن تكون رسالتهم على المستوى نفسه من الأهمية لمسلمي أوروبا: "امضوا قدما في حياتكم"، وواصلوا إسهاماتكم في المجتمع الذي تعيشون فيه الآن، ولا تعبؤوا بإهانات السياسيين الشعبويين لكم.

لا ينبغي للسياسيين الأوروبيين -عند الرد على هجمات باريس وبروكسل وبرلين- دعوة الأوروبيين إلى "المضي قدما في أسلوب حياتنا" كما هي عادتهم، وهو ما قرروه بالفعل إذ ليس أمامهم من سبيل آخر، ولكن يجب أن تكون رسالتهم على المستوى نفسه من الأهمية لمسلمي أوروبا: "امضوا قدما في حياتكم"

فماكينة الإعلام التي تديرها المنظمات الإرهابية الإسلامية تهدف تحديدا إلى عزلكم أنتم المسلمين عن باقي الأوروبيين، حتى تفقدوا كل دافع يحدوكم لبناء حياة ناجحة في مختلف البلدان الأوروبية. وإن فُقد الدافع لهذا، فخطر الوقوع في براثن الإرهاب يصبح حقيقة واقعة.

ولابد أن نعتبر مما قاله لاجئون أمام الكاميرات في برلين بعد الهجمات الإرهابية في ديسمبر/كانون الأول 2016، إن السبب الأساسي لتركهم أوطانهم -مثل سوريا وغيرها- هو الإرهاب المتأجج هناك.

والآن ها هم يعيشون في بلد تلتهمه الهجمات الإرهابية ذاتها، بل والحال أسوأ.. حيث يُدينهم أهل هذا البلد، فأصابع الاتهام مصوّبة إليهم معلنة أن "كل اللاجئين والمسلمين مدانون لما حدث في باريس وبروكسل وبرلين".

إن كان للسياسيين الأوروبيين -بل وفي هذا السياق لجميع السياسيين حول العالم- أن يوجهوا دعوة إلى شعوبهم؛ فتلك الدعوة يجب أن تكون دعوة للتفريق دائما بين الصالح والمسيء من البشر، وعدم إطلاق التعميمات على مجموعة من الناس.

وهذا يعني أنه على السياسيين التفرقة بين المسلمين العاديين واللاجئين المسلمين من ناحية والإرهابيين من ناحية أخرى، فالإرهابيون هم الذين يمثلون التهديد الحقيقي للمجتمع سواءً أكانوا مسلمين أم لا.

وهذا ليس بالأمر الصعب؛ فكلٌّ منا يعرف أن في كل أسرة ابنا ضالا، ولكن هذا لا يعني أن الأسرة بأكملها قد ضلت، فنحن البشر لدينا القدرة الكافية للتفريق بين الصالح والطالح من الناس.

ودائما ما يكون السياسيون الشعبويون في أوروبا أول من يوجه اللوم إلى القادة السياسيين -مثل المستشارة أنجيلا ميركل في ألمانيا، والرئيس فرانسوا هولاند في فرنسا– عن المجازر التي يرتكبها الإرهابيون.

إلا أنهم يوجهون اللوم للقوم الخطأ؛ إذْ لم يرتكب تلك الهجماتِ أيٌّ من المستشارة ميركل أو الرئيس هولاند. وبمثل هذا الأسلوبيزيد السياسيون الشعبويون الاستقطاب سوءاً، الأمر الذي يرغب بشدةٍ تنظيمُ الدولة الإسلامية في تحقيقه.

المسلمون العاديون واللاجئون في أوروبا يتعرضون لضغط من الجانبين (السياسيين الشعبويين والمسلمين المتشددين)، فهم بهذا يواجهون تحديَّ عدمِ فقدان الدافع لتحقيق حياتهم في أوروبا، وعدم الانجراف بعيدا أو التشدد مما قد يوقعهم في براثن تنظيم الدولة الإسلامية

فكل تغريدة تنشرها فراوكا بيتري (زعيمة الحزب الشعبوي الألماني "البديل لألمانيا")، أو يبعث بها غيرت فيلدرز (زعيم "حزب الحرية" الهولندي)، تُقابَل بالترحاب في مقرات ذلك التنظيم في مدينة الرَّقة، ويهنئ مقاتلوه بعضهم بعضا قائلين: "إن الأمور تسير على ما يرام، فالأوروبيون يتنازعون ووحدتهم تتفكك، والشقاق يزيد بين الناس، ومسلمو أوروبا سيلقون بأنفسهم بين أذرعنا".

وأكثر ما يتمناه تنظيم الدولة الإسلامية هو أن ينضم إليه المسلمون في أوروبا، فالخلافة التي أقامها في سوريا والعراق تنهار، وهم في حاجة إلى أعضاء جدد في العالم الغربي.

وإضافة إلى تصريحات السياسيين الشعبويين في أوروبا، هناك أيضا تصريحات الأصوليين من المسلمين في أوروبا، ومعظمهم من السلفيين الذين يعملون على استقطاب تابعين لهم بالقدر ذاته الذي يفعل السياسيون الشعبويون، إن لم يكن أكثر.

والمشكلة هنا هي أن كثيرين منهم راضون -سرا أو علنا- عن الهجمات الإرهابية التي يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية في أوروبا. فهم يؤيدون ما يقوله التنظيم عن الإسلام ويدعمون مبدأه في "نصرة الشريعة".

وبهذا نجد أن المسلمين العاديين واللاجئين في أوروبا يتعرضون لضغط من الجانبين (السياسيين الشعبويين والمسلمين المتشددين)، فهم بهذا يواجهون تحديَّ عدمِ فقدان الدافع لتحقيق حياتهم في أوروبا، وعدم الانجراف بعيدا أو التشدد مما قد يوقعهم في براثن تنظيم الدولة الإسلامية.

الحل يكمن في أنه ليست هناك حاجة لهراء السياسيين وتفسيراتهم الخواء؛ فما نحتاجه حقا هو مشاركة كل الأطراف المعنية بالأمر داخل أوروبا، في مناورة حذقة لمنع تحويل الأفراد إلى أداة في أيدي الإرهابيين الذين يتحركون إستراتيجياً، وتقودهم عقولهم المريضة المخربة.



حول هذه القصة

A local man (L) arrives to help migrants as they arrive on an inflatable boat on the Greek island of Lesbos after crossing the Aegean sea from Turkey to Greece on August 14, 2015. Turkish efforts to stop traffickers from sending large 'ghost ships' crammed with migrants towards Italy has sparked the surge in arrivals in Greece, the International Organization for Migration said on August 13. The migrants and refugees making the perilous journey across the Mediterranean to Europe are increasingly travelling the eastern route from Turkey to the Greek islands, which have seen more arrivals since the beginning of the year than long-time top destination Italy, according to UN figures. AFP PHOTO / ACHILLEAS ZAVALLIS

ترتبك القارة الموحدة في استيعاب اللاجئين إليها، وتعجز عن صياغة إستراتيجيات عميقة للتعامل مع منابع الظاهرة، والحقيقة المسكوت عنها أنها ضالعة بقسط من المسؤولية عن واقع إنساني مريع على تخومها.

opinion by حسام شاكر
Published On 30/8/2015
تفجيرا في مطار بروكسل

لقد حان الوقت ليدرك الاتحاد الأوروبي أنه في حالة حرب شاء أم أبى، ويجب أن يتصرف على هذا الأساس داخليا وخارجيا.

opinion by دومينيك مويسي
Published On 4/4/2016
A mosque is pictured in the Tyrolean village of Telfs in western Austria October 2, 2014. Austria called on Thursday for standardised German-language translations of the Koran and moved to prohibit foreign funding of Muslim organisations on its soil in a draft law aimed in part at tackling Islamic extremism. The bill will overhaul a 1912 law governing the status of Austrian Muslims, prompting concern from a major local Islamic body, which saw it mirroring widespread mistrust of Muslims. REUTERS/Dominic Ebenbichler (AUSTRIA - Tags: RELIGION POLITICS)

استلامي لجائزة للسلام والتآخي بين الأديان مثل بالنسبة لي فرصة لاستجماع أفكاري حول إشكالية بالغة القدم هي علاقة الأديان ببعضها، وعلاقة التطرف بالدين بصفة عامة، وبالإسلام بصفة خاصة.

opinion by منصف المرزوقي
Published On 11/4/2016
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة