متاهات التعثر الحكومي في المغرب

مواقف متباينة
رسالة وتوظيف

عندما أعلِنت النتائج النهائية للانتخابات التشريعية الأخيرة فيي المغرب (7 أكتوبر/تشرين الأول 2016)، حسبنا أن مدة تشكيل الحكومة المغربية لن تتجاوز أسبوعا إلى عشرة أيام لسببيْن أساسييْن:

الأول: أن منطوق الدستور واضح ولا يقبل كبير تأويل، أي أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات، والحزب في الحالة هذه هو حزب العدالة والتنمية، الذي تصدرها بالمقاعد الـ125 التي حصدها.

الثاني: أن الأحزاب المشكلة للائتلاف الحكومي السابق لم تُبدِ أي تحفظ مبدئي في حينه، أي عند تكليف الملك للسيد عبد الإله بنكيران بتشكيل الحكومة، ولا أبدت نية عدم التعامل مع الرجل. وكان لسان حالهم جميعا يقول: اللهم إلا غريمه "التاريخي" حزب الأصالة والمعاصرة، مما يعني أنهم إما مستعدون للمشاركة أو عازمون على "تسهيل مهمة الشخص المكلف بتشكيل الحكومة".

كل المؤشرات كانت توحي وتشير -عقب استقبال الملك لعبد الإله بنكيران في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2016 (يومان فقط من إعلان النتائج)- إلى أن مدة المشاورات ستكون قصيرة، وأن تشكيل أغلبية برلمانية تسند الحكومة سهل، وأنه لو كان ثمة خلاف بين الأحزاب المشاركة -وهو أمر مستبعد نظريا- فإنه سيكون حول نصيب هذا الحزب أو ذاك من الحقائب الوزارية

كل المؤشرات كانت توحي وتشير -عقب استقبال الملك لعبد الإله بنكيران في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2016 (يومين فقط من إعلان النتائج)- إلى أن مدة المشاورات ستكون قصيرة، وأن تشكيل أغلبية برلمانية تسند الحكومة سهل، وأنه لو كان ثمة خلاف بين الأحزاب المشاركة -وهو أمر مستبعد نظريا- فإنه سيكون حول نصيب هذا الحزب أو ذاك من الحقائب الوزارية، وطبيعة القطاعات التي سيتكفل بها كل عضو من أعضاء الأحزاب المشاركة.

بيد أن الذي لم يكن يجول بالخاطر كما يقال، هو حالة التنافر والتطاحن التي أبانت عنها المشاورات، وسيادة منطق الأخذ والرد من لدن هذا الطرف أو ذاك.

كنا نحسب أن الخلاف يدور حول آليات هيكلة الحكومة وضبط الاختيارات الإستراتيجية الكبرى، وطبيعة الكفاءات التي من المفروض أن يتم إشراكها في الحكومة، فإذا بنا بإزاء مسلسل من اللقاءات والتصريحات والبيانات لا يبقي لاحقُها لسابقها شيئا، حتى باتت الإشاعة والتشويش هما المؤثثين للنقاش العام، وبتنا نعيش -بعد أكثر من ثلاثة أشهر من "المفاوضات"- في ظل حكومة تسيير أعمال لا تجتمع إلا لماما، وإن اجتمعت فلأمر جلل لا يقبل التأجيل.

لم يعد الفاعل الحزبي صاحب تصرّف قارّ يمكن الاحتكام إليه لتقييم سلوكه وأدائه، بل أضحى مادة للاهتزاز والاضطراب وعدم الثبات على موقف. وهي وضعية كان يعيشها الفاعل إياه منذ مدة طويلة، لكنها كانت تتم "من وراء حجاب"، ولم تكن تتمظهر في مواقفه إلا فيما يتسرب من معلومات، أو ما يُسرّ به هذا السياسي أو ذاك، بعدما يكون قد ابتعد عن التدافع المباشر، ودخل مرحلة الاعتكاف في بيته.

مواقف متباينة
لا يسمح المجال هنا للتفصيل في تأرجح مواقف الأحزاب السياسية، والاشتراطات التي كان يدفع بها هذا الطرف أو ذاك، وكانت -في جزء كبير منها- سبب تعثر وتأخر تشكيل الحكومة. بيد أنه بالإمكان التوقف عند بعضها ولو بعجالة، في عرض هو إلى كرونولوجيا المحكي أقرب منه إلى التحليل الموسع:

– فباستثناء حزب الأصالة والمعاصرة ثم حزب التقدم والاشتراكية، فإن باقي الأحزاب تقريبا لم تستقر على موقف ثابت؛ أولا: لأن حزب الأصالة والمعاصرة أظهر تموقعه في المعارضة منذ صدور نتائج الانتخابات. لا بل إن أمينه العام أغلق باب المشاركة في الحكومة بالجملة والتفصيل، واعتبر الحديث فيها أو التلميح إليها خطا أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف من الظروف.

وكذلك كان بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الذي سارع منذ اليوم الأول إلى استبعاد حزب الأصالة والمعاصرة من المشاورات، وذهب لدرجة "تحريم" التعامل معه..، إنه غريمه ونقيضه بل عدوه اللدود الذي لا فائدة من مهادنته، فما بالك بمفاتحته في أمر تشكيل ائتلاف حكومي كان هذا الحزب (أي الأصالة والمعاصرة) قاب قوسين أو أدنى من نسفه، عندما عمد -مباشرة بعد إعلان النتائج- إلى التنسيق مع ثلة من الأحزاب، لمكاتبة القصر في منع استمرار بنكيران في قيادة الحكومة لولاية ثانية من خمس سنوات.

ما يخشاه بنكيران تحديدا هو أنه لو استبعد حزب الأحرار ودفع به دفعا للمعارضة، فإن هذا الأخير لن يعدم السبل -بالتنسيق مع حزب الأصالة والمعاصرة- لاستدراج هذا الحزب أو ذاك، حتى وإن كان هذا الأخير ضمن مكونات الحكومة، فيضمن نصابا يمكّنه من إعمال حقه في ممارسة ملتمس الرقابة

ثانيا: ولأن حزب التقدم والاشتراكية -المشارك في الحكومة السابقة- لم يحصل في الانتخابات إلا على بضعة مقاعد تتجاوز بالكاد عدد أصابع اليدين؛ كان إعلانُه السريعُ الانضمامَ إلى الحكومة هو خيارَ الغريق الذي يرى في أية قشة متحركة ملاذ نجاة..، وإلا ففي خيار آخر هلاكه وانتهاؤه.

لم يتمنع حزب الاستقلال -فيما يخصه- عن المشاركة في الحكومة، بل إنه لم يقدم كثير اشتراطات، وهو الذي كاد انسحابه من حكومة بنكيران الأولى يعجل برحيلها. وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لم يبدِ هو الآخر ممانعة كبيرة تذكر.

– كل الطرق كانت سالكة أمام بنكيران، لا بل إن "الأحزاب الإدارية" الأخرى -التي غالبا ما تهتم بحصتها من "الكراسي" أكثر من اهتمامها بالبرامج أو بالسياسات، أو بمن يكون بجانبها في مجالس الحكومة أو المجالس الوزارية- لم تُبدِ بدورها أي تمنع في الالتحاق بالحكومة..، وأقصد هنا مجموعة "الحركات الشعبية" على وجه التحديد.

– ومع أن بنكيران بذلك يكون قد ضمن لحكومته أغلبية عددية في البرلمان حتى وإن لم تكن معتبرة، فإنه راهن أيضا وبالأساس على أغلبية مريحة، من خلال مفاتحة حزب التجمع الوطني للأحرار، فكان في ذلك مقتله.

قيل في حينه إن إلحاح رئيس الحكومة المعين على حزب الأحرار مرده أن هذا الأخير يكتنز كفاءات متمرسة ورجال أعمال من عيار ثقيل، من شأن استقطابهم إعطاء دفعة قوية للاقتصاد وللاستثمار، لخلق الثروة ومن ثمة لخلق مناصب شغل هو في حاجة ماسة إليها لامتصاص غضب الشارع. وقيل حينها أيضا إن وجود الأحرار إلى جانب بنكيران في الحكومة سيعطيه ضمانة إضافية لأن تكون حكومته في مأمن عن أية محاولة تشويش أو زعزعة في المستقبل.

من الوارد أن يكون ما سبق من "دفوعات" هو السبب. بيد أن الواضح -من قراءتنا للمشهد العام- أن بنكيران إنما كان يراهن -فضلا عن ضمان أغلبية مريحة- على عزل حزب الأصالة والمعاصرة عزلا تاما، حتى لا يتسنى له "التآمر" عليه في المستقبل. أي أن بنكيران قد يتحمل معارضة حزب الأصالة والمعاصرة وحده، لكنه لا يستطيع أن يدرأ شر سلوكه إذا كان مستأنسا ومستأسدا بحزب يلعب إلى جانبه نفس الدور.

ما يخشاه بنكيران تحديدا هو أنه لو استبعد حزب الأحرار ودفع به دفعا للمعارضة، فإن هذا الأخير لن يعدم السبل -بالتنسيق مع حزب الأصالة والمعاصرة- لاستدراج هذا الحزب أو ذاك، حتى وإن كان هذا الأخير ضمن مكونات الحكومة، فيضمن نصابا يمكّنه من إعمال حقه في ممارسة ملتمس الرقابة، ويطيح بحكومة بنكيران في منتصف الطريق وبالقانون.

رسالة وتوظيف
ويبدو لنا أن حزب الأحرار التقط الرسالة جيدا، فـ"تفنن" في توظيفها التوظيف السليم من منطلق قراءته لموازين القوى:

* فقد وظفها في اشتراطه على بنكيران استبعاد حزب الاستقلال من التشكيلة التي يزمع إقامتها، على اعتبار أن فلسفة الاستقلاليين لا تتساوق مع تطلع الحزب لبناء حكومة متناسقة وموحدة، كما يقول رئيس الأحرار.

إذا كانت "زلة لسان" الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط بخصوص الأراضي الموريتانية قد خففت الحرج عن بنكيران ليتم الضغط على الحزب فينسحب، فإن "مسمار" الاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري بقي حجرة كأداء على طاولة رئيس الحكومة المعين ورئيس حزب الأحرار

لم يكتف بنكيران برفض هذا الشرط فحسب، بل اعتبره تعجيزيا وعنصر ابتزاز مباشر، إذ إن إقدامه على مثل هذه الخطوة "مسألة غير أخلاقية"، إذ ما معنى -يقول بنكيران- أن أستبعد حزبا لاستقبال آخر؟ وما المبرر في ذلك أصلا؟

* ووظفها في اشتراطه أن يكون لحزب الاتحاد الاشتراكي ولحزب الاتحاد الدستوري موطئ قدم في الحكومة، لأنهما حليفاه ولا يمكنه الاستغناء عنهما بأي حال من الأحوال.

وفي هذه النقطة أيضا، لم يتردد بنكيران في التصريح بأن هذا الشرط "غير مقبول"، لأنه يرى أن الاتحاد الاشتراكي أبدى تحفظه بعد مفاتحته وانسحب دون سابق إنذار، ثم إنه لم يفاتح الأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري في الأمر؛ فكيف القبول بوجود ضيف في الوليمة.. وهو لم يُدعَ لها في الأصل؟

وإذا كانت "زلة لسان" الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط بخصوص الأراضي الموريتانية قد خففت الحرج عن بنكيران ليتم الضغط على الحزب فينسحب، فإن "مسمار" الاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري بقي حجرة كأداء على طاولة رئيس الحكومة المعين ورئيس حزب الأحرار، وهو مسمار دفع بالاحتقان إلى مدى جعل بنكيران يعلن بلاغه الشهير "انتهى الكلام"، في إشارة إلى أنه لم يعد معنيا بالمفاوضات مع زعيم حزب الأحرار لأن هذا الأخير "ليس سيد قراره"، حسب منطوق بنكيران.

بيد أن الذي لم يكن يخطر على البال -والتطاحنات على أشدها- هو أن يأمر الملك رئيس الحكومة بالتنسيق مع المؤسسة البرلمانية لانتخاب رئيس لمجلس النواب، ومن ثم تكوين فرَق هذا الأخير في أفق المصادقة على القانون الأساسي للانضمام للاتحاد الأفريقي في القمة المزمع عقدها قريبا.. وبذلك اختلطت الأوراق!!



حول هذه القصة

توجد أوجه شبه كثيرة بين الحزبين المغاربيين (العدالة المغربي، والنهضة التونسية) فكلاهما سليل المدرسة العصرية، وتأثر بالمناهج الحديثة، ولكن توجد فوارق مهمة بينهما، أثرت في علاقتهما بالدولة، وطريقة إدارتهما للحكم.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة