إخفاقات التمثيل السياسي في أميركا وآفاق الديمقراطية

مع اقتراب موعد تنصيب رئيس الولايات المتحدة المنتخب دونالد ترمب، ربما يكون أفضل سبيل لتقييم الإدارة القادمة هو التركيز على العوامل الجوهرية التي أدت إلى فوزه. والواقع أن ترمب لم يُنتَخَب من فراغ، وبينما تتشكل أجندته، يمكننا أن نبدأ قياس تأثيرها على الاقتصاد السياسي الذي سمحت أحواله بترشحه لمنصب الرئيس.

لقد فاز ترمب عبر تحدي مصداقية المؤسسات السياسية والأكاديمية، وتسليط الضوء بلا هوادة على التناقضات بين وصفها للاقتصاد السياسي بالولايات المتحدة والواقع الذي يعيشه العديد من الناخبين. ومثله كمثل بيرني ساندرز في الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي؛ بدأ ترمب يجتذب حشودا كبيرة عن طريق الانفصال عن التيار الرئيسي في حزبه.

وفي حين حاولت هيلاري كلينتون والمنافسون من الحزب الجمهوري (مثل جيب بوش وماركو روبيو) بناء تحالفات قائمة على قضايا ثقافية وتقاليد حزبية، رَكَّز ترمب وساندرز بشكل مباشر على الأمور الأكثر أهمية بالنسبة للناخبين: الاقتصاد السياسي، حيث رَوَّج المسؤولون المنتخبون بقوة لرخاء عريض القاعدة يشمل كل فئات الناخبين.

لقد فاز ترمب عبر تحدي مصداقية المؤسسات السياسية والأكاديمية، وتسليط الضوء بلا هوادة على التناقضات بين وصفها للاقتصاد السياسي بالولايات المتحدة والواقع الذي يعيشه العديد من الناخبين

ولكن كيف أغفل المرشحون الآخرون مثل هذا الموضوع المركزي؟ في اعتقادي أنهم لم يغفلوا عنه؛ ولكن جهودهم لاجتذاب مجموعة واسعة من الناخبين كانت مقيدة بفِعل النظام الذي يجعل من الصعب للغاية تمويل حملة سياسية جديرة بالثقة من دون الخنوع للشريحة الأكثر ثراءً في المجتمع الأميركي.

فقد دعا النظام إلى التمرد، وكان ترمب وساندرز -عن طريق التمويل الذاتي وجمع الأموال على مستوى القاعدة- في وضع مثالي لقيادة التمرد.

كان المرشحون الآخرون أيضا مقيدين بعقيدة الحزب، التي منعت الديمقراطيين والجمهوريين -على حد سواء- لفترة طويلة من معالجة التفاوتات الهيكلية التي تعيب الاقتصاد الأميركي بشكل مباشر. إذ يستلزم القيام بهذا توخي الصراحة بشأن القضايا الصعبة مثل التكنولوجيات المعطلة للنظم القائمة والعولمة.

كما يتطلب الأمر مواجهة تركة عقود من اتفاقيات التجارة الحرة المصممة من قِبَل جماعات الضغط وأصحاب المصالح، فضلا عن الهيئات التنظيمية، وعمليات الإنقاذ، والسياسات الضريبية التي كانت تضخ المكاسب الاقتصادية إلى أعلى سلم الدخل، في حين تفرض التقشف على الميزانية في الاستجابة لاحتياجات أغلب الأميركيين.

وقد تردد صدى القصة التي أذاعها ترمب عن نظام "زائف" بين الناخبين أكثر من أي شيء آخر سمعوه من قادتهم السياسيين منذ فترة طويلة. ويشير هذا إلى انحراف ثان وثيق الصِلة: ففي نظر العديد من الناخبين لا يحظى إجماع "الخبراء" بشأن العولمة بأي قدر من المصداقية. فقد روج خبراء الاقتصاد بشكل خاص للتجارة الحرة والأسواق العالمية باعتبارها خيرا محضا لا تشوبه شائبة.

وباستثناءات قليلة (مثل داني رودريك من هارفارد ومايكل سبنس الحائز لجائزة نوبل) لم تبدر عن أحد أية إشارة إلى نزوح العديد من العمال وحرمانهم من أي تعويض تقريبا، وأن العولمة السريعة قد تنهك النسيج الاجتماعي الأميركي بما يتجاوز قدرته على التحمل.

ولكن أي خبير حقيقي في الاقتصاد السياسي الأميركي يستطيع أن يرى بكل وضوح أن الولايات المتحدة لن تقدم التعويض الكافي لأولئك المتضررين بفِعل المنافسة الأجنبية. ويعود قسم كبير من هذا الارتباك إلى علاقة التجارة الحرة الأميركية مع الصين، الدولة البالغة الضخامة التي يقل نصيب الفرد في دخلها كثيرا عن نظيره في الولايات المتحدة.

وتشير دراسة حديثة -أجراها ديفد أوتور من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وباحثون آخرون- إلى أن الضائقة الاجتماعية الناجمة عن التجارة بين الولايات المتحدة والصين أفضت إلى استقطاب السياسات الأميركية، وربما زادت تأييد مجموعة بعينها من الناخبين للساسة المناهضين للهجرة من أمثال ترمب.

أصبحت أزمة التمثيل المزدوجة هذه -على المستويين السياسي والفِكري- بمثابة مشروب سام. فلم يحظ منتقدو سياسات ترمب بأي قبول لدى أنصاره، لأنهم ينتمون إلى فئة الخبراء الذين فقدوا ثقتهم

في مقال نُشِر عام 1922 بعنوان "العِلم الكئيب"؛ عالج هـ. ل. مِنكِن السؤال القائل: لماذا يتجاهل خبراء الاقتصاد التأثيرات الاجتماعية السلبية التي قد تخلفها العولمة على اقتصاد متقدم مثل اقتصاد الولايات المتحدة؟ فزعم مِنكِن أن مثل هذه الانحرافات تعزز قوة أولئك الذين يمتلكون القوة بالفعل.

وسواء كان ذلك عن وعي أو من دون وعي، فإن الخبراء يعلمون أنهم يستطيعون كسب الود والبقاء بعيدا عن المتاعب، إما بالتزام الصمت أو التأكيد على السياسات التي تجعل الأقوياء أفضل حالا.

ولكن في نهاية المطاف لابد أن تتبدل الأحوال؛ فمع تركز الثروات على نحو غير مسبوق، لابد أن تبدأ الدولة التي تعاني من انعدام الأمن الاقتصادي على نطاق واسع في البحث عن كِباش فداء، وكان الخبراء والمفكرون أنفسهم هدفا مثاليا هذه المرة.

أصبحت أزمة التمثيل المزدوجة هذه -على المستويين السياسي والفِكري- بمثابة مشروب سام. فلم يحظ منتقدو سياسات ترمب بأي قبول لدى أنصاره، لأنهم ينتمون إلى فئة الخبراء الذين فقدوا ثقتهم. وهذا العجز في المصداقية من شأنه أن يعطي ترمب نطاقا عريضا من حرية العمل والتصرف، ولكنه يفرض عليه أيضا التحديات مع انتقاله من الحملة الانتخابية إلى الحكم.

بوصفه رئيسا؛ سيحتاج ترمب إلى ابتكار علاجات للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي وصفها. ولكن لكي يفعل هذا، يتعين عليه أن يعمل من داخل نفس النظام "الزائف" الذي خاض حملته ضده، وسيكون لزاما عليه أن يصوغ سياسات عملية وملائمة حقا، وقادرة على إحداث تأثير إيجابي على حياة الأميركيين.

من المؤكد أن الكونغرس -الذي يسيطر عليه الجمهوريون- ربما يعمل مع ترمب لتنفيذ نسخة مصغرة من الصفقة الجديدة التي أقرها فرانكلين روزفلت في ثلاثينيات القرن الماضي.

ولكن من المرجح -في حال عدم إصلاح النظام "الزائف"- أن يعود التوسع المالي الذي اقترحه ترمب مرة أخرى بالفوائد بشكل غير متناسب على الأثرياء، من دون أن "تتقاطر هذه الفوائد إلى الأسفل" باتجاه بقية الأميركيين.

كانت "الشراكات بين القطاعين العام والخاص" محل إشادة باعتبارها وسيلة لتوجيه رأس المال نحو جهود إعادة البناء الوطنية؛ ولكن مثل هذه التدابير يمكن التلاعب بها، وكثيرا ما تُفضي إلى نتائج تضمن المكسب للأثرياء والخسارة لدافعي الضرائب من ذلك النوع الذي استفاد منه أباطرة وال ستريت ووادي السليكون في السنوات الأخيرة. ومن المؤكد أن هذا ليس ما انجذب إليه أنصار ترمب عندما أعلن أنه يريد "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى".

الواقع أن ترمب -ربيب الثروة الموروثة- لديه الآن الفرصة للفوز بمكان له في التاريخ. ولا نملك إلا أن نأمل أن يرتفع إلى مستوى التحدي، وأن يتخيل دوره بوصفه مصلحا للعيوب التي تشوب الديمقراطية الأميركية، لا أن يرتضي بالإشراف على إبرام مجموعة من "الصفقات" مع الأقوياء ولصالحهم

كان ثلاثة وعشرون من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين (بالإضافة إلى اثنين من المستقلين الذين يجتمعون بالديمقراطيين)، وثمانية فقط من أعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين، يمكن إعادة انتخابهم في عام 2018.

وإذا أقر الجمهوريون في العامين المقبلين حزمة نمو متوافقة مع مبادئ جون ماينارد كينز تعمل على إحكام الضوابط على أسواق العمل وزيادة الأجور، فربما يصبح بوسعهم تأمين قبضتهم على السلطة لسنوات عديدة مقبلة.

وهذا بدوره من شأنه أن يمكنهم من تعيين قضاة جدد في المحكمة العليا على استعداد لتجاهل أو تقويض حقوق النساء والعمال، وحماية البيئة، والتعليم العام. ونظرا للّغة التي استخدمها ترمب أثناء حملته الانتخابية فسوف تكون النتيجة هزلية، إن لم تكن مأساوية.

الواقع أن ترمب -ربيب الثروة الموروثة- لديه الآن الفرصة للفوز بمكان له في التاريخ. ولا نملك إلا أن نأمل أن يرتفع إلى مستوى التحدي، وأن يتخيل دوره بوصفه مصلحا للعيوب التي تشوب الديمقراطية الأميركية، لا أن يرتضي بالإشراف على إبرام مجموعة من "الصفقات" مع الأقوياء ولصالحهم.

والواقع كذلك أن أميركا -القادرة على توسيع قاعدة الرخاء الاقتصادي وجعل نظامها السياسي أكثر ديمقراطية- تتطلب فرض إصلاحات كفيلة بالحد من سلطة المال، وزيادة القدرة على الاستجابة للمواطنين. وأي شيء أقل من هذا سيشكل فشلا من قِبَل ترمب في احترام أولئك الذين أتوا به إلى السلطة.

والواقع أن الفشل في الارتقاء إلى مستوى المبادئ المؤسِّسة لأميركا كان سببا لفترة طويلة في خلق التوتر الذي يعطي الزخم للتقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد. وإذا أبطل ترامب هذه المبادئ، وإذا تحول استدعاء هذه المبادئ -في ظل حالة القنوط واليأس التي تتبع ذلك- إلى عمل عاطفي أو رومانسي؛ فإن ثمن إخفاقات التمثيل التي أدت لانتخاب ترمب سيكون باهظا حقا.



حول هذه القصة

تمارس الولايات المتحدة -التي يفترض أنها منارة الديمقراطية بالعالم- شكلا غريبا من الديمقراطية. فقد حصلت مرشحة رئاسية على أصوات أكثر بما يقارب ثلاثة ملايين مما ناله منافسها لكنه فاز عليها!

المزيد من اقتصادي
الأكثر قراءة