المصريون في مواجهة الاستبداد والفقر والإعلام

حادث غرق مركب رشيد بمصر

هروب الشعب
جذور الأزمة

تتوالى الكوارث على مصر، فالبلاد التي تعاني من صراع سياسي حاد وشبه انهيار اقتصادي، هاجر منها بطرق غير نظامية إلى إيطاليا 3500 طفل قاصر في أول 7 شهور من عام 2016 وهو ثلث إجمالي القصر الذين هاجروا إلى ذلك البلد خلال تلك الفترة حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

ويشكل الأطفال نحو 60 بالمائة من المهاجرين المصريين غير النظاميين حسب مصادر أخرى. وفي 21 سبتمبر/أيلول 2016 غرق مركب صيد قبالة سواحل مدينة رشيد راح ضحيته المئات من الأبرياء.
لموضوع هجرة المصريين غير النظامية أبعاد داخلية وخارجية، ولن يحلها قانون هنا أو هناك، لكن هذا المقال يتحدث عن البعد الداخلي المصري تحديدا.

هروب الشعب
الأخبار التي تناقلها أهالي ضحايا المركب الأخير أخبار سيئة للغاية، فهناك من الناجين من تحدث عن أن هذه المحاولة لن تكون الأخيرة، وهناك من تحدث عن فشل أجهزة الدولة في عمليات الإنقاذ، وآخرون أكدوا أنه برغم جهود مكافحة الهجرة غير النظامية في مصر إلا أن خروج المراكب لا يتم إلا بعد رشوة قيادات المنطقة المحليين. أما قمة المأساة فكانت صورة لأحد الناجين بالمستشفى وهو مكبل بسلاسل حديدية بعد القبض عليه.

وللأسف استمر البعض في تحميل ضحايا الحادث المسؤولية. أحدهم -وهو سفير سابق- وصف الضحايا "بالمنتحرين" وقال أنه يجب عدم التعاطف معهم، معتبرا أن من يلوم الدولة بعدم توفير فرص عمل لهم إنما يشجع على "فساد إضافي اسمه بطالة مقنعة".

وتناقلت الأخبار أيضا استنكار أحد خطباء المساجد هجرة الشباب قائلا إن الأوضاع بمصر لم تصل إلى مرحلة "ربط الحجر على البطون" كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم! هؤلاء لا يزالون يطالبون الشعب بالصبر على جور الحكام والأخذ بسنة الرسول في التحمل بينما لا يستنكرون على الحكام اختراقهم ليس فقط لأبجديات القرآن والسنة وإنما لأبسط معاني الإنسانية في اعتمادهم القمع والتنكيل والكذب كسياسات عامة.

جاء الرد الرسمي كالمعتاد منذ سنوات، فالأمر لا علاقة للدولة به، وهو ظاهرة تتصل بشجع السماسرة وجهل الناس، والمتحدث باسم مجلس الوزراء استبعد أن يكون سبب هجرة المصريين البطالة أو الفقر.

بل وترى الرواية الرسمية للنظام الأمر "إنجازا من إنجازات حرس الحدود وأجهزة الدولة الأخرى" كما جاء في بيان المتحدث العسكري الذي تحدث عن أن قوات حرس الحدود أحبطت "محاولة هجرة غير شرعية" و"أنقذت" عددا من المهاجرين بعد غرق المركب الذي كان يقلهم! هكذا وبكل بساطة وكأن هؤلاء السماسرة يعملون في فراغ، أو أن قلة وعي الناس حقيقة مطلقة لا يُسأل عنها من يتحكم في رقاب الناس سياسيا وأمنيا واقتصاديا وتعليميا وثقافيا منذ عقود طويلة.

هذا ليس جديدا فقد كان المخلوع حسني مبارك عديم الإحساس بالكوارث المتكررة، وفي 2006 بعد غرق عبّارة قادمة من السعودية ووفاة أكثر من ألف إنسان، لم يجد ضرورة للذهاب إلى مكان الحادث، وذهب بعد الحادث مباشرة لمشاهدة مباراة لكرة القدم.

كارثة 21 سبتمبر/أيلول وقعت بعد أيام معدودة من تباهي الجنرال الحاكم بأن في مصر 5 مليون لاجئ، وهو أمر كذبته المفوضية المصرية لشؤون اللاجئين مؤكدة أن العدد هو 186 ألف لاجئ، بينهم نحو 131 ألف سوري، بجانب لاجئين من دول أخرى أكثرهم من السودان والصومال وليبيا. والكثير من هؤلاء اللاجئين يعانون من المعاملة السيئة من أجهزة الأمن.

جذور الأزمة
واقع الأمر أن هناك بالفعل سماسرة للهجرة غير النظامية وهناك ظاهرة دولية، لكن هناك أربعة أسباب داخلية على الأقل لا يتحدث عنها النظام وأذرعه الإعلامية ومجموعة المثقفين الذين باعوا ضمائرهم:

أولا: الهجرة غير النظامية لا تحدث إلا في الدول التي تنعدم فيها كرامة الإنسان ويعيش فيها الشعب مقهورا ومغلوبا على أمره ولا يجد مفرا إلا الهجرة والفرار.

مصر صارت من هذه الدول منذ إصرار المسؤولين وبعض المثقفين على إهانة الشعب يوميا وتحميله مسؤولية الكوارث المتتالية دون أدنى إحساس بمسؤولية النظام. ألا يدرك هؤلاء أن كل مهاجر غير نظامي هو إنسان في المقام الأول يرى بجلاء الفارق بين حاله وحال أمثاله من المقهورين من جهة وبين شرائح من المجتمع المصري تنعم بحياة كريمة وبسيل من الامتيازات والمكافآت وحماية الأجهزة الأمنية من جهة أخرى؟ بل، وفي ظل الفضاءات المفتوحة وسبل التواصل الإلكتروني، يقارن هذا الإنسان المقهور بين مصر وأوضاعها المتردية وبين غيرها من الدول التي كانت حتى وقت قريب أسوأ من مصر بكثير؟

ألا يدرك هؤلاء أن هناك قيمة اسمها الكرامة تدفع الإنسان إلى تفضيل الهجرة والعمل في الغربة وحيدا لتوفير سبل العيش والعلاج لأسرته على العيش مقهورا مقموعا في وطنه؟ ألا يعرف هؤلاء أن هناك قيمة اسمها القدوة الحسنة يراها الشباب الراغب في الهجرة منعدمة تماما في سلوك المسؤولين ومتصدري العام والإعلام الذين يمارسون الإزدواجية يوميا عندما يطالبون الشعب بالتقشف والتحمل بينما يتم تقنين الفساد وحمايته وزيادة مرتبات ومكافآت الفئات التي تحمي النظام وتستفيد من وجوده بشكل دوري؟

ألا يعرف من يتهم الشعب بالكسل والبحث عن الحلول السريعة أن كل هؤلاء المهاجرين يعملون في أوروبا في الأعمال البسيطة حتى يتوفر لهم الحد الأدنى من شظف العيش والكرامة. أيظن هؤلاء أن الدول الأوروبية تستقبل اللاجئين وتوزع عليهم الأموال هكذا مجانا؟

مصر أصبحت من هذه الدول أيضا بعد أن استمرأت الأذرع الإعلامية للنظام وصف الشعب بالجهل وقلة الوعي وعدم الانتماء وطالبته مرارا (هكذا جهارا نهارا) بترك الوطن والهجرة إذا كان لا يعجبه النظام!! وسمعنا في الإعلام عبارات مثل (الباب يفوّت جمل)، (لماذا لا تهاجرون؟).

مصر أصبحت من هذه الدول أيضا بعد أن حمّل معارضو النظام الشعب مسؤولية إجهاض الثورة وشمتوا فيمن أيد النظام، وكأن هؤلاء المعارضين لم يسمعوا أنه ما من انقلاب عسكري أو ثورة مضادة أو دكتاتور إلا وله ظهير شعبي يصنعه على عينه عبر التضليل الإعلامي ويضم أيضا أعمدة النظام وكذلك المستفيدين من النظام والمثقفين الذين يأكلون على كل الموائد وأسر كل هذه الفئات؟ كيف يفهم هؤلاء حقيقة أن الاستبداد منظومة لها أدوات ومؤسسات وحلفاء؟

ثانيا: الهجرة غير النظامية لا تحدث إلا في الدول التي تعاني من صراعات وحروب وتحكمها جماعات مصالح تحول هذه الدول إلى أشباه دول.

مصر أصبحت من هذه الدول منذ أن تم تحويل نضال شعبها السلمي من أجل الكرامة والحرية والعدالة إلى صراع صفري بين ما يسمى زورا وبهتانا "الدولة" و"الإرهاب"، ومنذ تمكين قوى الثورة المضادة والمنتفعين من الفساد والاستبداد، ومنذ غلق المجال السياسي وتحكم الأجهزة الأمنية، وتخريب مؤسسات الدولة، واختراق الأحزاب، وتزوير الانتخابات، واعتقال عشرات الآلاف من الأبرياء.

مصر أصبحت من هذه الدول بعد أن صار الكذب سياسة عامة معتمدة، فالجنرال الذي يُحمّل الشعب مسؤولية فشله وكوارثه في خطاباته في الداخل ويطالبه بالاستماع له هو فقط، ويتحدث عن ما أسماه "قوى الشر" و"الإنجازات" التي يخفيها عن هذه القوى، وعن أن الدستور كتب بنوايا حسنة وأن الدول لا تحكم بالنوايا الحسنة، وأن الديمقراطية تحتاج إلى 25 سنة حتى تتحقق، وأن الفلاسفة وأجهزة المخابرات تستمع له، هو نفسه الذي لا يرى حرجا في الكذب في الزيارات الخارجية فيؤكد أن مصر بلد الحريات وسيادة القانون، وأنه لا وجود لمعتقلين سياسيين، وأن الانتخابات نزيهة وحرة، والقضاء مستقل، والأحكام عادلة، والأحزاب والصحافة ومنظمات المجتمع المدني تعمل بحرية.

مصر أصبحت من هذه الدول بعد أن شببها حاكمها بأنها "شبه دولة". وهذا ليس جديدا فقد نقل عن المخلوع مبارك تعليقه على محاولة توريث ابنه قوله "وما الذى تظنون أنى أرغب في توريثه له؟ إنها خرابة". وفي مناسبة أخرى رد المخلوع باستهجان على شاب مصري يعمل بالأمم المتحدة أعرب عن رغبته في العودة إلى مصر قائلا: "هيه دى بلد حد يرجع لها".

ثالثا: الهجرة غير النظامية لا تحدث إلا في الدول التي تعاني من فقر شديد أو فشل ذريع في إدارة الاقتصاد ويغيب فيها العدل.

مصر أصبحت من هذه الدول بعد أن فشل النظام الحالي في إدارة الاقتصاد وأهدر كل فرص التنمية ومليارات المنح والمساعدات التي جاءت بعد 30 يونيو في مشاريع اقتصادية كبرى بلا دراسات جدوى حقيقية وبلا مشاركة أصحاب الخبرة والمجتمع، بجانب تقنين الفساد ومحاربة الذين يحاربون الفساد، وانهيار الجنيه، وارتفاع الأسعار، ورهن البلاد بسلسلة من القروض وصفقات السلاح دون معرفة تفاصيلها وأسبابها.

مصر أصبحت من هذه الدول بعد الترويج لمجموعة من الأكاذيب والأساطير وكأنها حقائق اقتصادية دون ربطها بالسياق العام أو بالمتطلبات الأخرى للتنمية والعدالة الاجتماعية، كالقول إن الإصلاح يبدأ من رفع الدعم وتحميل الفقراء ثمنه، وأن زيادة السكان هي سبب المشكلة، وأنه من الممكن حل المشكلة الاقتصادية دون حل المشكلة السياسية، وغير ذلك.

رابعا: الهجرة غير النظامية لا تحدث إلا في الدول التي تنعدم فيها المعارضة الحقيقية أو تعمل فيها معارضة منقسمة وليس لها قيادة موحدة أو رؤية جامعة.

مصر صارت من هذه الدول بعد أن أهدرت معارضة النظام في الداخل والخارج كل الفرص التي توفرت وراحت تتمسك بخلافاتها الداخلية والتاريخية وتتناطح كا النعاج، في الوقت التي اختارت فيه الأغلبية العظمى من المخلصين السكوت إما خوفا أو تقزيما للذات.

مصر صارت من هذه الدول عندما راحت المعارضة تتسابق في زرع الرؤوس المتنافسة والطامحة لأدوار غير مؤهلة لها في الأساس وتلهث وراء أفكار متعددة وغير مدروسة بدلا من الاصطفاف وراء هدف واحد جامع وتوجيه كافة القدرات نحو إنجازه طبقا لخطة محددة ومدروسة تتكامل فيها الأدوار ويتعاون فيها الجميع دون انتظار لرفع وعي الشعب أو سقوط النظام من تلقاء نفسه أو الرهان على تغير مواقف دول إقليمية أو كبرى. فهذه الأهداف كلها لا يمكن تحقيقها إلا بتكتل كل من له مصلحة في أهداف ثورة يناير أولا.



حول هذه القصة

A migrant from Syria cries as she stands with her children on a field after crossing into Hungary from the border with Serbia near the village of Roszke, September 5, 2015. Austria and Germany threw open their borders to thousands of exhausted migrants on Saturday, bussed to the Hungarian border by a right-wing government that had tried to stop them but was overwhelmed by the sheer numbers reaching Europe's frontiers. Left to walk the last yards into Austria, rain-soaked migrants, many of them refugees from Syria's civil war, were whisked by train and shuttle bus to Vienna, where many said they were resolved to continue on to Germany. REUTERS/Marko Djurica

في كثير من البلدان، وخاصة الأوروبية يجري تأطير الهجرة على نحو متزايد باعتبارها قضية أمنية؛ في إذعان واضح للضغوط من قبل الشعبويين المروجين للخوف ولفرض قيود أكثر صرامة على الهجرة.

opinion by بيتر د سثرلاند
Published On 1/9/2016
Austrian police look at refugees arriving from Hungary at a reception center in Nickelsdorf, Austria, 13 September 2015. As Hungarian authorities are preparing to implement stricter immigration laws from 15 September, efforts are under way to build a alternative church migration route on the Balkans along the Croatian coast, rather than through Hungary. Meanwhile Germany is temporarily restoring border checks with Austria to stem the influx of refugees and provide order to the asylum process, German Interior Minister Thomas de Maiziere said during a news conference in Berlin, Germany.

لقد دخلنا عصر الهجرة.. لو قرر الذين يعيشون خارج بلدان مولدهم أن يتحدوا ليشكلوا دولة خاصة بهم، فستكون خامس أكبر دولة بالعالم حيث سيصل عدد سكانها إلى 240 مليون شخص.

opinion by مارك ليونارد
Published On 21/4/2016
Syrian refugees, who are stuck between the Jordanian and Syrian borders, watch a group of them cross into Jordanian territory, near the town of Ruwaished, at the Hadalat area, east of the capital Amman, May 4, 2016. REUTERS/Muhammad Hamed

يركز خبراء التنمية وصناع السياسات على الهجرة إلى المناطق الحضرية والحاجة إلى التوسع الحضري المستدام. وهو أمر مفهوم، ولكن ينبغي أن لا يغفلوا عن التغيرات الجذرية الجارية في المناطق الريفية.

opinion by كانايو نوانزي
Published On 12/9/2016
A young migrant carries food, near tents at a makeshift camp amongst railway tracks, at the border between Greece and the Former Yugoslav Republic of Macedonia (FYROM) near Idomeni, Northern Greece, 15 March 2016. Greek Prime Minister Alxis Tsipras on 15 March called on refugees to allow the Athens government to move them from the Idomeni camp to other reception centers, stressing that the borders are closed and will not be reopened in the near future. Greece has registered more than 44,000 migrants that are currently trapped due to entry restrictions already imposed by Macedonia in recent months, by denying entry to all those who are considered economic migrants, prohibiting the passage of Afghans, and finally denying entry to all Syrians and Iraqis who are not from combat areas.

من المحتمل أن تكون هذه السنة هي الأكثر مصيرية بالنسبة لحماية اللاجئين وقضية الهجرة منذ توقيع اتفاقية جنيف عام 1951، لذلك يجب أن نتعامل مع هذه القضية بجدية وبسرعة استثنائية.

opinion by بيتر د سثرلاند
Published On 7/4/2016
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة