مقالات

فتح ومؤتمرها.. تقلبات التاريخ ونضوب الواقع

نظرة تاريخية
ما بعد الطبعة الجديدة
تدبير سلطوي

باستثناء المؤتمرين الأخيرين؛ السادس الذي عُقد في العام 2009، والسابع الذي يُفترض أن ينعقد أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، فقد ارتبطت مؤتمرات حركة فتح العامة بالظروف النضالية والتحولات السياسية وتدافع التيارات الفتحاوية المُشبعة بالسياسية والإيديولوجيا.

صحيح أن بعض تلك المؤتمرات لم يأت في سياق الصعود الوطني العام أو التنظيمي الخاص، إلا أنها عبرت عن تدافع داخلي استند إلى تنوع الرؤى السياسية والمنطلقات الإيديولوجية، ولم يستند فقط إلى علاقات المصالح والزبائنية التي تميزت بها فتح على وجه التحديد أكثر من أي فصيل فلسطيني آخر.

نظرة تاريخية
باستثناء المؤتمر الأول للحركة، والذي لا يُعرف له تاريخ محدد، ويجرى تعريفه غالبا بالاجتماعات الأولى التي عُقدت تمهيدا للإعلان عن انطلاقة الحركة؛ فإن المؤتمرات الأربعة التالية له انعقدت في سنوات ١٩٦٨، ١٩٧١، ١٩٨١، ١٩٨٨، وبذلك تكون سلسلة الاجتماعات التأسيسية التي عُدت مؤتمرا أولا قد جاءت بهدف إطلاق مشروع وطني كفاحي، بدا حالما ومغامرا ساعتها.

لعل قيادة فتح وعلى مدار عشرين عاما لم تشعر بحاجتها إلى عقد مؤتمر عام، بعدما تخلت فعليا عن طبعتها الكفاحية، وفقدت طبيعتها المنتجة للتيارات المتنوعة، وقد استحالت إلى نظام حاكم تمارس فيه القيادة مهارتها في الإدارة الزبائنية، والتي احترفتها حتى أثناء فترة النضال

أما المؤتمر الثاني، فكان في العام التالي على هزيمة العام ١٩٦٧، وهو الأمر الذي عنى من وجه آخر -انطوى على مفارقة بالغة الدلالة- انتصارا للمقاومة الفلسطينية، ولاسيما حركة فتح التي ارتفعت إلى ذروة الجماهيرية في معركة الكرامة، والتي سبقت هذا المؤتمر بأربعة شهور.

وإذا كان المؤتمر الثالث قد جاء بعد إخفاق الثورة الفلسطينية في الأردن، وخروجها منه بعد الأحداث الدامية التي اصطدمت فيها الثورة بالحكومة الأردنية، بمعنى أنه لم يأت هذه المرة في سياق الصعود الكفاحي، فإنه عكس طبيعة السجالات الوطنية سياسيا وفكريا بعد تلك الأحداث، والمقترحات المقدمة في البحث عن الخطأ وتصحيح المسار.

كان ذلك المؤتمر محاولة من القيادة المتنفذة لاحتواء تلك النقاشات، والتي برز بعضها لاحقا تجنحا في حالة صبري البنا (أبو النضال)، ولكنه أيضا عكس وزن التيارات اليسارية داخل فتح، والتي حققت مكاسب جديدة في كل من اللجنة المركزية والمجلس الثوري، ونجحت في إقرار صيغة "المركزية الديمقراطية" المقتبسة من التقليد الحزبي اللينيني.

تعززت قوى اليسار الفتحاوية في المرحلة اللبنانية، وقد هيمنت على سياسات فتح عموما في الحرب الأهلية اللبنانية، ولاسيما بعد تحالفها مع الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، وانعكس هذا التعاظم في المكاسب التي عظمتها هذه القوى في المؤتمر الرابع، الذي ارتفع فيه عدد اليساريين في اللجنة المركزية وفي المجلس الثوري، وتبنت فيه لغة سياسية مشبعة باللكنة الماركسية من قبيل تبني تحليل طبقي للتاريخ الفلسطيني.

وانعكست قوى اليسار في فتح في اتجاه مضاد بعد ذلك في أكبر انشقاق في تاريخ فتح، والذي اشتهرت حركته باسم "فتح أبو موسى"، ولكن اللافت أن فتح بزعامة القيادة التاريخية قد استمرت، بينما اندثرت كل المحاولات الإصلاحية التي قاربت الأزمة ماركسيا أو بخطوات انشقاقية.

بل إن فتح "الرسمية" ظلت حركة تقاوم الاحتلال إلى حين توقيع اتفاق أوسلو في العام ١٩٩٣، وفي سياق هذه المقاومة جاء المؤتمر الخامس مواكبا الانتفاضة الفلسطينية الكبرى، في محاولة من فتح للاستفادة من تلك اللحظة الكفاحية الهادرة.

ما بعد الطبعة الجديدة
لعل قيادة فتح وعلى مدار عشرين عاما لم تشعر بحاجتها إلى عقد مؤتمر عام، بعدما تخلت فعليا عن طبعتها الكفاحية، وفقدت طبيعتها المنتجة للتيارات المتنوعة، وقد استحالت إلى نظام حاكم تمارس فيه القيادة مهارتها في الإدارة الزبائنية، والتي احترفتها حتى أثناء فترة النضال الطويلة، فطبيعة علاقات السلطة في العالم العربي تحديدا، تقوم على اعتبارات المصالح الخاصة أولا وأخيرا.

لا تعبر ما يُطلق عليها "تيارات" داخل فتح هذه المرة عن ثراء سياسي وفكري، إذ تخلو الخصومة من أي اختلاف سياسي، فضلا عن خلوها بداهة من أي اختلاف فكري، فالتيار الذي يجري العمل على إقصائه بواسطة شرعية المؤتمر العام، هو من أهم المرتكزات التي استعانت بها السلطة

لم يكن عرفات يشعر بأي تهديد داخلي لقيادته طوال رئاسته للسلطة الفلسطينية، سوى في سنوات حصاره الأخيرة، والتي لم تكن تسمح ظروف المواجهة فيها مع الاحتلال -أثناء انتفاضة الأقصى– بعقد المؤتمر العام، بينما احتاجت خلافته إلى تسكين الصراعات التي قد تنشأ عن عقد مؤتمر عام، حتى استدعت القيادة الجديدة هذا الغطاء الحركي بعدما خسرت الحركة الانتخابات البلدية والتشريعية، ثم خسرت قطاع غزة في الانقسام الذي تأسس على نتائج تلك الانتخابات.

تمثلت الحاجة للمؤتمر السادس في تكريس القيادة الجديدة، وإعادة تجميع فتح لاحتواء النتائج المترتبة على خسارة الحركة للانتخابات التشريعية وهزيمتها في أحداث الانقسام في قطاع غزة، واتخذ هذا التجميع لنفسه هدفين أساسيين؛ الأول مواجهة حركة حماس، والثاني إعادة إطلاق المفاوضات مع "إسرائيل"، وقد بدأ ذلك فعلا في مؤتمر "أنابوليس" بعد أربعة شهور من الانقسام فقط!

الطبيعة القَبَلية لفتح والمفتقرة تاريخيا إلى الصيغة التنظيمية وإلى البنية الإيديولوجية، ثم المفتقرة إلى مشروع كفاحي جامع من بعد تحولها إلى نظام رسمي عربي آخر، تحتاج لأهداف التجميع والتوحيد إلى اختراع قبيلة أخرى متوهمة في صورة العدو لاستثارة حس القبيلة في فتح.

وقد كانت حماس هي القبيلة العدو في التعريف الفتحاوي في لحظة حساسة فتحاويا حينما تراجعت مكانة القبيلة المهيمنة لصالح "قبيلة" قادمة من الهامش السياسي الفلسطيني، وهو أمر بالغ القسوة على الوجدان القَبَلي، وقد أمكن استخدام هذه الحساسية لتمرير إعادة تجريب المجرب، لتعبئة الفراغ السياسي الناجم عن تحويل فتح إلى محض حزب حاكم على المثال العربي، خال من أي برنامج كفاحي.

تدبير سلطوي
أما المؤتمر السابع فهو تدبير سلطوي صرف، لإعادة ترتيب مشهد الحزب الحاكم، في لحظة حساسة متعلقة بالاعتبار الفتحاوي الذاتي، وبالدرجة الأولى لفرض شرعية حركية يجري استخلاصها من المؤتمر العام لتصفية الصراع الداخلي مع تيار محمد دحلان، دون أن يعني هذا أن الشخصيات ومراكز النفوذ التي تستغل هذه اللحظة لإقصاء دحلان متفقة على بقية عناصر ترتيب المشهد.

لا تعبر ما يُطلق عليها "تيارات" داخل فتح هذه المرة عن ثراء سياسي وفكري، إذ تخلو الخصومة من أي اختلاف سياسي، فضلا عن خلوها بداهة من أي اختلاف فكري، فالتيار الذي يجري العمل على إقصائه بواسطة شرعية المؤتمر العام، هو من أهم المرتكزات التي استعانت بها السلطة، إن أمنيا فترة قيادة محمد دحلان للأجهزة الأمنية، أو بعد ذلك فترة توليه مسؤولية إدارة قوى فتح والسلطة أثناء الانقسام في صراعها مع حماس، بل وفي ترتيب المؤتمر العام السابق!

صحيح أن المؤتمر يخلو من المضمون السياسي الجاد في مواجهة الاحتلال، ولا يُتوقع منه أن يحدث نقلة في المشهد الفلسطيني، وصحيح أنه لم يأت استجابة لمتطلبات ديمقراطية، إلا أنه ليس مجرد حفلة كما يصفها البعض، فهو خطوة مهمة في تصفية الصراع الداخلي الجاري والمُغذى من بعض الدول الإقليمية

بمعنى أنه لا خلاف على المضمون السياسي بين مجموعة دحلان والشخصيات والمجموعات الأخرى المناوئة لها. وما تظهره مجموعة دحلان من خطاب متجاوز للسائد السلطوي الآن، إنما هو عملية دعائية لا أكثر، كثيرا ما تحاول أيضا إعادة تأويل التاريخ القريب جدا لتمايز نفسها عن قيادة السلطة، أو لتبرئ نفسها من المسؤولية عن أحداث الانقسام.

السياسي في الخلاف الفتحاوي الداخلي، لا يتضمن الموقف من الاحتلال ولا إدارة الصراع، وإنما هو سياسي بمعنى الصراع على السلطة والنفوذ، وارتباطه بالقوى الخارجية فحسب، إذ تدعم بعض القوى الإقليمية محمد دحلان. ولأن الصراع كذلك، أمكن تحييد الاحتلال نسبيا، والذي يمكنه الآن مراقبة توازن القوى بين الفريقين المختصمين.

يمكن ملاحظة التدبير السلطوي كذلك من جهة طبيعة المؤتمرين، الذين حصل أكثرهم على عضوية المؤتمر العام السابع بالتعيين، كأعضاء اللجنة المركزية والمجلسين الثوري والاستشاري والكفاءات وموظفين في السلطة وسفراء لها وأعضاء في مفوضيات فتح، وعاملين في المنظمات الشعبية، وأسرى، ومعتمدين، بمعنى أن القيادة قد عينت أغلب أعضاء المؤتمر.

صحيح أن المؤتمر يخلو من المضمون السياسي الجاد في مواجهة الاحتلال، ولا يُتوقع منه أن يحدث نقلة في المشهد الفلسطيني، وصحيح أنه لم يأت استجابة لمتطلبات ديمقراطية، وإنما لإرادة سلطوية، إلا أنه ليس مجرد حفلة كما يصفها البعض، فهو خطوة مهمة في تصفية الصراع الداخلي الجاري والمُغذى من بعض الدول الإقليمية العربية، دون أن يعني ذلك أن هذه الخطوة حتمية النتائج.

لم يتمكن الثراء الفتحاوي في العقدين الأولين من عمر الحركة من كبح القيادة التاريخية، أو تعديل مسارها السياسي، بل وعانت بعض تجليات هذا الثراء من فشل مميت، ربما ساهم في إفقار الحركة سياسيا وفكريا كما في الانشقاق الكبير عام ١٩٨٣، ولكن الثراء في حد ذاته ميزة إيجابية، عبرت عن نفسها في توازنات فتح تنظيميا وسياسيا، وساهمت في تغذية الحركة بالمضمون الكفاحي -على الأقل- حتى توقيع أوسلو.

لكن هذا الثراء ينعدم في فتح اليوم، كما تخلو الحركة من أي أطروحة أو مقاربة سياسية لتجاوز النهج السائد الذي يقوم على تثبيت واقع السلطة كما هو بلا أي أفق سياسي أو بديل نضالي، ولذلك فإن الفلسطينيين لا ينتظرون شيئا من هذا المؤتمر، سوى معرفة ما يمكن أن يفعله في ترتيب البيت السلطوي الفتحاوي.



حول هذه القصة

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة