سوريا.. سباق فيينا الصعب

United Nations Special Envoy for Syria Staffan de Mistura (back C-L), US Secretary of State John Kerry (back C) and Russian Foreign Minister Sergei Lavrov (back C-R) head an international conference on Syria at the Hotel Imperial in Vienna, Austria, 14 November 2015. The international community plans to meet in Vienna to get to grips with the Syria conflict and attempt to find a solution to the ongoing bloodshed. Representatives from 17 countries, the European Union and United Nations are expected to attend the talks in the Austrian capital. Representatives from Syria will not sit round the table, so little is expected from the talks.

مساء الجمعة 13 نوفمبر/تشرين الثاني، نفّذ قتلة من داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) هجمات في عدة مواقع في باريس، وحصدوا بذلك أرواحا بريئة في مسعاهم لتنفيذ أجندتهم القائمة على الكراهية وبث بذور الشقاق والخوف من الآخر. وقد جاءت تلك الهجمات في أعقاب تفجيرات لا تقل إجراما نفذت في بيروت وبغداد وأنقرة ومدينة سوروتش التركية، وعدة أماكن أخرى مع الأسف.

انطلاقا من قواعدهما في سوريا، تلحق داعش ونظام بشار الأسد الدمار والبؤس بالشعب السوري، ويشيعان معا الإرهاب ويتسببان بزعزعة الاستقرار في محيط أبعد بكثير من نطاق الحدود السورية.

إن داعش والأسد وجهان لعملة واحدة، فكلاهما يستخدم الإجرام والترويع لتعزيز قبضتيهما على الحكم. وفيما كان تنظيم داعش يضرب ضربته في باريس، كانت قوات نظام الأسد تمطر الشعب السوري بالقنابل المتفجرة. وكما هو حال داعش، فإن الأسد لا يبالي بمن يكون أولئك الذين يقصفهم طالما أنه باق في سدة الحكم.

تلك مقدمة مطوّلة يمكن إيجازها بالقول إن على المجتمع الدولي أن يساعد الشعب السوري لإنقاذ سوريا، ولا بد من فعل ذلك الآن.

داعش والأسد وجهان لعملة واحدة، فكلاهما يستخدم الإجرام والترويع لتعزيز قبضتيهما على الحكم. وفيما كان تنظيم داعش يضرب ضربته في باريس، كانت قوات نظام الأسد تمطر الشعب السوري بالقنابل المتفجرة

وفعلا تعهد المجتمع الدولي بتقديم المساعدة المنشودة في اجتماع عقد صبيحة السبت 14 نوفمبر/تشرين الثاني في العاصمة النمساوية فيينا. ضم ذلك الاجتماع وزراء وممثلين عن سبع عشرة دولة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، اجتمعوا للاتفاق على طريقة لإنقاذ سوريا من الجحيم الذي باتت تمثله اليوم. وقد كنت أحد الذين حظوا بالمشاركة في ذلك اللقاء.

كان ذلك اللقاء الثاني للمجتمع الدولي في فيينا، وهذه المرة أسّس مجموعة الدعم الدولية لسوريا. اللقاء الأول عُقد قبل أسبوعين، وعبر من خلاله وزير الخارجية الأميركي جون كيري بوضوح أن الوضع في سوريا قد أصبح ملحا ولا يحتمل التأجيل.

وهو الآن يوضح بأن الهجمات التي نفذتها داعش في باريس، وقبلها بيومين في بيروت، تؤكد أن الحاجة العاجلة لمعالجة الوضع في سوريا باتت أقوى. ينبغي علينا أن نشحذ المبادئ التي تم الاتفاق عليها في اجتماع 30 أكتوبر/تشرين الأول، وأن نجعلها أكثر إحكاما ونحولها إلى خطة عمل.

وقد تمخض النقاش الذي استمر طيلة اليوم عن تلك الخطة المتمثلة بورقة فيينا الثانية، وكذلك عن اتفاق لتأسيس مجموعة الدعم الدولية لسوريا والتي ستتولى الانطلاق بهذه الخطة.

لكن الكمال غاية لا تدرك، وقد سارع المنتقدون لإيجاد الثقوب والمثالب في الخطة، وسوف يستمرون في محاولاتهم لتمزيقها (فهذا ديدنهم في نهاية المطاف). ولكنني أعتقد أن الخطة جيدة للأسباب التالية:

أولا، لأنها تلتزم بتحقيق الانتقال في سوريا. والانتقال هنا ليس مصطلحا ضبابيا مثل "التحول" أو "التطور" بل انتقال. وأقول بوضوح: انتقال من نظام الأسد وطغمته الحاكمة إلى شيء آخر، شيء أفضل، كخطوة أولى إلى نظام حكم ذي مصداقية، جامع شامل وغير طائفي. (ونعم، حكم الأسد طائفي يتدثر بعباءة العلمانية).

ثانيا، مجموعة الدعم التزمت بجدول زمني واضح: تاريخ محدد لبدء مفاوضات رسمية، ليس حوارا، ولا طرح أفكار، بل مفاوضات تُعقد بحلول الأول من يناير/كانون الثاني بين المعارضة و"الحكومة" (علامة التنصيص من الكاتب)، وإنشاء صيغة حكم خلال ستة أشهر، ويعقبها صياغة دستور وترتيبات انتخابية، وإجراء انتخابات بعد ثمانية عشر شهرا أو، لكي يبدو الأمر واقعيا أكثر، في منتصف عام 2017.

ثالثا، تحمل الخطة أملا حقيقيا للمدنيين السوريين، حيث تتضمن تدابير لبناء الثقة تجعل العملية السياسية ممكنة وتمهد الطريق لوقف إطلاق النار في أنحاء سوريا كلها، وترافقها ضغوط لإنهاء العنف العشوائي ضد الشعب (نعم، نظام الأسد هو الضالع الأساسي فيه).

تحمل الخطة الجديدة أملا حقيقيا للمدنيين السوريين، حيث تتضمن تدابير لبناء الثقة تجعل العملية السياسية ممكنة وتمهد الطريق لوقف إطلاق النار في أنحاء سوريا كلها، وترافقها ضغوط لإنهاء العنف العشوائي ضد الشعب

ويجدر القول إن الخطة واقعية في أهدافها. فلا يمكن تصور وقف إطلاق النار دون ربطه بعملية سياسية ذات مصداقية، فالثقة لا تزال غائبة لحد الآن. وتدابير بناء الثقة هي التي سوف تساعد في تحقيق وقف إطلاق النار.

رابعا، هناك عزم أكيد واضح على دعم المعارضة السورية كي تتمكن من الوقوف كالند للند ومرفوعة الرأس في مواجهة النظام بالمفاوضات. وإحقاقا للحق، فإن الدول التي تقف إلى جانب الشعب السوري تعترف بالائتلاف الوطني السوري بأنه "قلب المعارضة وقائدها".

ويعرف الائتلاف ما ينبغي عليه فعله لكي يتواصل مع كافة الفصائل السورية والشعب للوصول إلى رؤية وأهداف موحدة وموقف تفاوضي متناغم بحلول يناير/كانون الثاني القادم. ونحن نمد لهم يد العون في ذلك وسوف نبقى إلى جانبهم. ذلك كان مضمون رسالة وزير الخارجية البريطاني خلال لقائه مع رئيس الائتلاف خالد خوجة أثناء زيارته في وقت سابق من الشهر الجاري.

خامسا، سوف تساهم مجموعة الدعم الدولية في التوصل إلى تفاهم مشترك حول تحديد من هم الإرهابيون في سوريا. تنظيم داعش هو أحد تلك الجماعات الإرهابية. وهناك أيضا جبهة النصرة الموالية للقاعدة. وسوف نستخدم ذلك التفاهم لممارسة المزيد من الضغوط على روسيا، بل وسنمارس ذلك الضغط فعلا، لكي تتوقف عن قصف أولئك الذين يدافعون عن الشعب السوري. وأفعال روسيا هي التي سوف تحكم على مدى التزامها بالعملية السياسية.

سوف ينصب تركيزي على نحو أكبر على الأطراف التي لديها الاستعداد للالتزام بالعملية السياسية الجديدة وبالقيم التي يتطلع إليها غالبية السوريين: سوريا واحدة بدون الأسد، غير مقسمة، تعيش في سلام مع نفسها ومع جيرانها، ولديها حكومة جامعة تسمح بالمشاركة للجميع على قدم المساواة، وتساوي بالحقوق والواجبات وتوفير الحماية للجميع، وحيث تكون التعددية السياسية وحكم القانون مبادئ جوهرية وليست مجرد "مسائل ثانوية من المحبب أن تتوفر".

سادسا، سوف يقدم مجلس الأمن الدعم لكل ذلك. حيث سوف يعطي صلاحيات كافية للجنة الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار ويطبقها. كما سيدعم العملية الانتقالية. وستكون له الكلمة الأخيرة في تصنيف الجماعات الإرهابية التي لم يتم تصنيفها بعد.

أود أن أتطرق هنا مباشرة إلى نقطتين أساسيتين:
لم يرد اسم الأسد في أي مكان في الورقة. وبالنظر إلى تشكيل المجتمعين حول الطاولة فإن ذلك ليس مستغربا. لكن يبدو جليا أن العملية الانتقالية التي تمت صياغتها في الخطة الأخيرة لا مكان للأسد فيها. فقد أقصى نفسه بنفسه عن مستقبل سوريا بحكمه الوحشي واستخدامه الغازات السامة وقصفه للمدنيين وتعذيبهم حتى الموت. وبذلك فإن المفاوضات الرسمية لن يكون لها سوى موقف واحد بهذا الشأن.

يبدو جليا أن العملية الانتقالية التي تمت صياغتها بالخطة الأخيرة لا مكان فيها للأسد. فقد أقصى نفسه بنفسه عن مستقبل سوريا بحكمه الوحشي واستخدامه الغازات السامة وقصفه للمدنيين وتعذيبهم حتى الموت. وبذلك فالمفاوضات الرسمية لن يكون لها سوى موقف واحد بهذا الشأن

وللمرة الثانية، لم يكن للسوريين أي حضور في غرفة الاجتماع. يمكنني تصور مقدار الإحباط الذي يشعرون به حين يرون الآخرين يضعون لهم خطة حول مستقبل بلدهم. ولكن السوريين يعلمون أكثر من سواهم لماذا جاء اجتماع فيينا بهذه الصيغة، إذ أن المنطقة والمجتمع الدولي أدركا الحاجة لصياغة تصورهما لكيفية إنهاء الصراع في سوريا، والذي هو حرب بالوكالة بقدر ما هو حرب أهلية. وما نحتاج أن نركز عليه الآن هو عودة السوريين ليتولوا بثبات زمام مصيرهم بأنفسهم، ودور مجموعة الدعم هو مساندتهم في ذلك وليس وضع العقبات أمامهم.

إذن هذا هو نص الخطة، فما الخطوة التالية؟
أولا، نحن بحاجة كمجموعة دعم لإبقاء هذه العملية حية. ولعل أهم مهمة تواجهنا هي دعم المعارضة لمساعدتها للاستعداد للمفاوضات القادمة.

ثانيا، سوف يظل السوريون بحاجة إلى مساعدتنا، وبشكل فوري. إن المملكة المتحدة ثاني أكبر دولة مانحة لسوريا (بعد الولايات المتحدة). ومساهماتنا الإنسانية ضخمة، كما أننا نقدم دعما أوسع لمساندة الأطراف السورية المعتدلة التي تعمل لخدمة مجتمعها ولتحقيق انتقال حقيقي.

ثالثا، لا بد لنا أن نكون واقعيين بثبات فيما تتطلع عقولنا وأفئدتنا إلى تحقيق عملية انتقال نحو مستقبل أفضل. فالنظام والداعمون له يواصلون اعتداءاتهم الوحشية على السوريين. وجاء التدخل العسكري الروسي ليزيد الصراع تعقيدا في سوريا، ويجعل التسوية السياسية أبعد منالا، حيث تزعم روسيا أنها تهاجم داعش ولكنها تستهدف أساسا المعارضة السورية المسلحة.

وبالتالي، بينما تحقق عملية فيينا تقدما، سوف نساند المعارضة، ونسلط الضوء على الضربات العسكرية الروسية ضد جماعات غير داعش، وعلى وحشية الأسد، ودعم مساعي المبعوث الخاص للأمم المتحدة دي ميستورا وفريقه رغم إدراكنا أن تلك مهمة شاقة.

عندما رجعت إلى منزلي من فيينا، وجدت شارة "عضو وفد – فيينا" في قاع حقيبتي، فلم أرمها بل احتفظت بها في مكان آمن لأنني أريد إخراجها في السنوات المقبلة لكي أقول لنفسي "كنت موجودا هناك عندما تمكنا أخيرا من إطلاق خطة ساهمت في إنقاذ سوريا". إذا دعونا نتمسك ببعض الأمل المقترن بجرعة سخية من الواقعية لنضمن بأن الأسد لن يفلت من العقاب عن جرائمه.



حول هذه القصة

FILE - In this Tuesday, Nov. 1 , 2011 file photo, U.S. soldiers begin their journey home at al-Asad airbase, west of Baghdad, Iraq. A year after the last American troops rumbled out of Iraq, the two countries are still trying to get comfortable with a looser, more nuanced relationship as the young democracy struggles to cope with ongoing political upheaval and the legacy of war. (AP Photo/ Khalid Mohammed, File)

يجري حديث واسع عن غياب الإستراتيجية لدى إدارة أوباما تجاه سوريا، كما يجري التركيز على فشل سياسته في الحرب ضد داعش، فهل فشلت أميركا حقا، أم أن الأمر مبالغ فيه؟

مقال رأي بقلم
Published On 19/11/2015
A handout photograph made avaiable by the US Department of State showing US Secretary of State John Kerry (C-R) sitting with his fellow Foreign Ministers at the Hotel Imperial in Vienna, Austria, 30 October 2015, prior to a group discussion about ways to stop the fighting in Syria. UN Syria envoy Staffan de Mistura said on 30 October 2015 that the peace negotiations in Vienna could offer a 'light at the end of the tunnel' in the war. Among the countries attending are Saudi Arabia, Turkey, Jordan, Egypt, the United Arab Emirates, Qatar, Iraq and Lebanon Germany, USA, Russia, Britain, France, Italy. EPA/US DEPARTMENT OF STATE / HANDDOUT

أثارت دعوة إيران لاجتماع فيينا الثاني حول سوريا تساؤلات بشأن ما إذا كان الأمر يمثل تغيرا جديا تجاه طهران، ثم تأثير ذلك على الأزمة السورية ومستقبل رأس النظام الحالي بسوريا.

مقال رأي بقلم
Published On 1/11/2015
A picture made available on 21 October 2015 shows Syrian President Bashar al-Assad (2-L) attending a luncheon with Russian President Vladimir Putin (2-R), Russian Prime Minister Dmitry Medvedev (3-R), Russian Foreign Minister Sergei Lavrov, Russian Foreign Intelligence Chief Mikhail Fradkov (3-L), and Russian Defence Minister Sergei Shoigu (R) at the Kremlin in Moscow, Russia, 20 October 2015. Beleaguered Syrian President Bashar al-Assad travelled to Moscow for talks with his Russian counterpart Vladimir Putin, the Kremlin revealed on 21 October 2015. Assad and Putin discussed the situation in war-torn Syria on 20 October 2015 evening during the talks that had not been made public in advance, the Kremlin spokesman said. The talks dealt with the 'fight against terrorist extremist groups' and with Russian air support for attacks by Syrian troops on the ground. Russia has been carrying out airstrikes in Syria since the end of September. Moscow has declared the so-called Islamic State (IS or ISIS) as the main enemy, but Western nations have accused Moscow of attacking other groups opposed to the Assad regime.

عوامل عديدة تجعل من مصير بشار الأسد نقطة خلاف جوهرية في كل المفاوضات الدولية والإقليمية حول الأزمة السورية ومستقبلها، بعضها داخلي وبعضها الآخر خارجي.

مقال رأي بقلم
Published On 19/11/2015
epa04416226 A handout picture made available by the US Department of Defense (DoD) on 25 September 2014 shows a formation of US Navy F-18E Super Hornets leaving after receiving fuel from a KC-135 Stratotanker over northern Iraq, 23 September 2014. These aircraft were part of a large coalition strike package that was the first to strike Islamic State (IS or ISIL) targets in Syria. Airstrikes carried out on late 24 September 2014 against Islamic State targets in Syria hit oil refineries that the US says provide a revenue stream for the militants, the Pentagon says. The oil refineries provide about 2 million US dollar a day in revenue for the Islamic State, Rear Admiral John Kirby says. Kirby spoke after the raids ended and all aircraft returned safely. The United States was joined by Saudi Arabia and the United Arab Emirites in carrying out the strikes, Kirby says. EPA/DOD/US AIR FORCE/SGT. SHAWN NICKEL HANDOUT EDITORIAL USE ONLY

كيف تبدو مقاربة الولايات المتحدة للأزمة السورية؟ وما الذي مثله موقف واشنطن بمؤتمر فيينا2؟ وهل ستمثل هجمات باريس حافزا لتسريع التسوية السياسية؟

مقال رأي بقلم
Published On 17/11/2015
المزيد من سياسي
الأكثر قراءة