هل تريد أميركا إحراج تركيا أمام العرب؟

epa04426794 A handout picture provided by Turkish Presidental press office shows Turkish President Recep Tayyip Erdogan (C) speaks during an opening ceremony of the parliament after a summer recess in Ankara, Turkey, 01 October 2014. Turkey's government has sent a motion to parliament asking for authorization to carry out military action in neighbouring Iraq and Syria, local media quoted senior government officials as saying on 01 October. EPA/KAYHAN OZER / PRESIDENTAL PRESS OFFICE / HANDOUT HANDOUT EDITORIAL USE ONLY/NO SALES
وكالة الأنباء الأوروبية


هل تريد أميركا توريط تركيا في المستنقع السوري؟ سؤال لا يحمل مفاجآت والإجابة عليه بالإثبات أو النفي لا تحمل دلالة. مسؤولون أتراك كبار صرحوا للإعلام: دخولنا سوريا يراد له أن يكون كدخول صدام الكويت، وتأييد أميركا لنا لا يمنع قيام روسيا بدور أميركا في عام 1991 ووضع تركيا أمام استحقاقات قضائية دولية.

لكن التساؤل يبقى مشروعا أمام التزام أميركا الدفاع عن تركيا في وجه أي اعتداء من جهة ومضايقتها والتحرش بها من جهة ثانية.

يمكن الإجابة على التساؤل من داخل تركيا ومن محيطها والدلالة حينئذ مختلفة. الأولى أدواتها محلية وتخص الأتراك وحدهم وتنسجم مع نمطية العلاقات بين الدولتين. مضايقات أميركا لتركيا والإيقاع بها في إحراجات سياسية وأمنية محلية ودولية ليست أمرا مستجدا.

يتوجس الأتراك خيفة  من رغبات أطلسية يعتقدون أنها حقيقية لتقسيم بلادهم، وفي المقابل تبادل أميركا الشك بالشك سيما بعد رفض تركيا السماح للجيش الأميركي بغزو العراق من أرضها

سياسيا كانت أميركا وراء انقلاب الجيش على الحكم المدني في عام 1980 الذي عطل نهضة تركيا لعقدين كاملين وزج بها في طور من الشلل السياسي والاقتصادي. عسكريا اكتشفت تركيا في مرحلة ما من حربها مع حزب العمال الكردستاني الانفصالي أن عدوها يحاربها بسلاح حليفها أي بسلاح أميركي.

إستراتيجيا تشهر أميركا سيف ملف الأرمن من غمده بين الفينة والأخرى في توقيتات تختارها بعناية لإلحاق أقصى درجات الإحراج والابتزاز بالحكومة التركية.

من جهتها تحكم "عقدة سيفر" (نسبة لمعاهدة سيفر السرية في الحرب العالمية الأولى التي هدفت إلى تقسيم تركيا والتي كشفها البلاشفة الروس) نظرة الأتراك إلى أميركا، فالأتراك يتوجسون من رغبات أطلسية يعتقدون أنها حقيقية لتقسيم بلادهم، وفي المقابل تبادل أميركا الشك بالشك ولا سيما بعد رفض تركيا السماح للجيش الأميركي بغزو العراق من أرضها. الإجابة من الداخل التركي لا تحمل أكثر من دلالة مشاكسات حدثت في الماضي وتحدث هذه المرة في عين العرب.

إجابة المحيط لا تخص الأتراك وحدهم وإنما المنطقة جمعاء وهو الأهم والأخطر وهو ينتظم في ظاهرة إضعاف الدولة في المنطقة وتفكيك مجتمعاتها التي تؤيدها الشواهد المتضافرة في العراق وسوريا واليمن والبحرين.

تمثل تركيا وسط هذه الظاهرة الأنموذج الأخير المتبقي الذي يمكن للمنطقة إعادة التبلور حوله والنهوض من جديد، وتدل دواوين التاريخ على أن محورا تركيا سلجوقيا أو عثمانيا كان أساسيا في إعادة تبلور مجتمعات المنطقة إثر كل غارة فارسية تكون المجتمعات العربية ساحة لها.

ما يلقي ضوءا على حجم الضرر الذي تسمح أميركا بإنزاله بتركيا هو القيمة الإستراتيجية يوم قبلتها عضوا في ناديها (الناتو) في عام 1952. لم تكن الدولة الزراعية الفقيرة والمتأخرة والمنهكة في الحرب العالمية الأولى بالنسبة لأميركا أكثر من مساحة جغرافية متاخمة للاتحاد السوفياتي تقيم عليها قواعدها العسكرية وجيشا علمانيا انتزعت منه قيمه الفكرية وظيفته الضغط على الزناد في أي اتجاه يطلب منه.

وقد اصطحبته أميركا إلى حربها الكورية الكورية في 1953 ليقاتل على أرض لا يعرفها ضد عدو لا خصومة له معه إلى جانب حليف كان بالأمس عدوا لدودا له. ذاك الجيش قد تغير اليوم وتغيرت قيادته واستعاد انتماءه وكان تمرده على طلب أميركا غزو العراق من أرضه في عام 2003 تتويجا لعقيدته الجديدة.

لا يروق لأوروبا العليلة انتقال أكبر مطار في العالم من أوروبا إلى مدينة إسطنبول وتحول الشباب في الشرق الأوسط وأفريقيا عن جامعاتها العريقة لحساب جامعات تركيا ومثلها مستشفياتها وأن تكون تركيا ماردا اقتصاديا على حدودها

حاجة أميركا من تركيا لا تتطلب أكثر من الدولة التي كانت في عام 1952، بل إن تركيا تلك أدت دورها المناط بها على أحسن وجه في أدق حقب الحرب الباردة التي ذهبت.

حاجة أميركا إلى تركيا لا تقتضي أن يكون ترتيب اقتصادها السادس أوروبيا وهبوط التضخم فيها من 30% إلى 7% وتضاعف معدل دخل المواطن السنوي عشرة أضعاف وتضاعف عدد المطارات والجامعات في غضون عشرة أعوام وإلى خدمات صحية مجانية تصل إلى كل قرية وقمة جبل وشبكات طرق سريعة وأنفاق تنخر جبالها وقطارات سريعة، هذا كله غير ضروري وزواله غير مضر.

بالتوازي لا يروق لأوروبا العليلة انتقال أكبر مطار في العالم من أوروبا إلى مدينة إسطنبول وتحول الشباب في الشرق الأوسط وأفريقيا عن جامعاتها العريقة لحساب جامعات تركيا ومثلها مستشفياتها وأن تكون تركيا ماردا اقتصاديا على حدودها. هذا كله ليس شرطا في علاقات الغرب مع حليفها في الناتو تركيا.

تركيا التي فضلت أميركا "إسلامها" على "الإسلام العربي" لا تمثل نهضتها بالنسبة لواشنطن ماردا أصوليا وإنما تمثل تعافيا لنظام الدولة ولمدنية المجتمع اللذين كانا على مدى تسعة عقود من عمر الدولة الحديثة معا المحضن الذي تقضي فيه مجتمعاتها نقاهتها الثقافية وترمم هويتها إثر جراحة سايكس بيكو فيما يراد لها إعادة تكوين على أسس مختلفة ضمن عملية إعادة هندسة اجتماعية شاملة للمنطقة.

نظرة أميركا إلى مجتمعات المنطقة على انسجام مع ما عبر عنه أعمدة الجاسوسية الإنجليزية في أعقاب الحرب العالمية الأولى من أن الحرب لم تؤدِ غرضها الأعظم في الشرق الإسلامي وهو الانتهاء من "المسألة الشرقية" (العنوان الذي أطلق على معركة الغرب مع الشرق الإسلامي وتفكيك نظامه الإقليمي وبنيته الاجتماعية)، وأن هذه المجتمعات أعادت إلى صدارتها نفس الواجهات السياسية والاجتماعية التي مثلت شارعها في المبعوثان العثماني.

بعبارة أخرى: أن حدثا بحجم الحرب العالمية الأولى الذي أحدث أول تغيير في الخريطة السياسية للعالم خلال ستة قرون لم ينجح في إحداث تغيير جراحي اجتماعي ثقافي في المنطقة على وجه أكمل رغم دخول العلاقات العربية التركية كنتيجة له حقبة سبات ثقافي واجتماعي طويل. المتغيرات السياسية والاجتماعية في تركيا تمثل اليوم انقلابا من جديد لمنحنى هذه العلاقات.

تقييم النظام السياسي العربي لأدائه الذاتي لا يختلف عن تقييم أوروبا لأدائها، فتركيا أصبحت داخل البيت العربي كما كانت مصر عبد الناصر وعراق صدام حسين، وأعلامها ترفع في الشوارع العربية بدلا من الأعلام العربية، وأسماء زعمائها تطلق على المواليد الجدد. الأهم أن هذا ليس صنيع ناشطين سياسيين أو إسلاميين وإنما عمل أبعد الناس عن المؤثرات السياسية والإسلام الحركي، وأقلهم بضاعة وأكثرهم تواضعا في المجتمع.

هذا هو المشهد الذي يستشعر منه النظام العربي الخطر ويتراءى له أنه عودة للعثمانية التي لم تكن دولتها منظومة دينية بقدر ما كانت أعرافا اجتماعية استلت من الإسلام ونظاما سياسيا محافظا حافظ على خصوصيات مجتمعات المنطقة وهو ما تطلبه اليوم الشعوب التي ذهبت مجتمعاتها ودولها ويجدونه في تركيا.

لا ضير أن يذهب النظام الحالي في تركيا ومعه الرخاء والاستقرار، ويؤوب العلمانيون ومعهم الفشل والاضطرابات وتبقى تركيا بالنسبة لأميركا مساحة أرض. التخلص من تركيا غاية والتحرش بها وسيلة

ليس لشيء من هذه المعاني ذكر في السياسة الخارجية لتركيا أو في أحاديث منظريها الإستراتيجيين أو كتابات النخبة، وليس لمؤسسات الفكر فيها استثمار في هذه الحقول بل الزهد والحساسية والعزوف. في المقابل لا تقوم على ظاهرة الالتئام الثقافي والاجتماعي العربي التركي في المحيط العربي مدرسة سياسية أو فكرية أو منظمة ما إنما هي ظاهرة شعبية عفوية أوجدها تحول فكري عميق لدى الإنسان العربي تقدم فيه النسب القيمي على النسب القومي.

كل شيء يحدث في تركيا اليوم لا ينسجم مع المزاج الرسمي الإقليمي (العربي والإيراني) والدولي، وكل حدث في الاتجاه المعاكس يلتقي مع هذه المزاجات، لذا ينهال المال الرسمي العربي على الأحزاب والمؤسسات العلمانية والروحية التركية على حد سواء المناهضة للنظام السياسي القائم، وينهال السلاح الأميركي من السماء بالمظلات على المنظمات المعادية لتركيا في عين العرب التي تمثل امتدادا لحزب العمال الكردستاني المدرج على قائمة الإرهاب الأميركية.

وتمتد أصابع إيران لتحريك الأقليات الطائفية داخل تركيا وفي محيطها، وتعقد مؤتمرات أمنية دولية متتالية للتخطيط لفعاليات عسكرية قبالة الحدود التركية تشترك فيها "أمم الأرض" وتظهر أمامها تركيا الخروف الأسود في القطيع الأبيض.

العنوان الرسمي للمشهد الإقليمي هو: لا مكان لتركيا المؤسسات في محيط يسلّم لحكم المليشيات، لا مكان لاقتصاد الدولة في محيط السوق السوداء وتهريب الثروات الطبيعية، لا مكان لمجتمع الأغلبية المتعدد العرقيات والأديان والمذاهب وسط كيان الأقليات، لا مكان للافتة الإسلام الحضارية أمام لافتة الطائفية.

لا ضير أن يذهب النظام الحالي في تركيا ومعه الرخاء والاستقرار، ويؤوب العلمانيون ومعهم الفشل والاضطرابات وتبقى تركيا بالنسبة لأميركا مساحة أرض. التخلص من تركيا غاية والتحرش بها وسيلة.



حول هذه القصة

رغم الصمت الغربي إزاء خطة تركيا إقامة منطقة عازلة على حدودها مع سوريا والعراق، والرفض الروسي الإيراني المسبق لها، تسير الأمور في أنقرة على قدم وساق لإخراجها لحيز الواقع.

opinion by خورشيد دلي
Published On 28/9/2014
A Turkish soldier stands guard as Syrian Kurds wait behind the border fence near the southeastern town of Suruc in Sanliurfa province, September 21, 2014. Kurdish militants in Turkey have issued a new call to arms to defend a border town in northern Syria from advancing Islamic State fighters, and the Turkish authorities and United Nations prepared on Sunday for a surge in refugees. About 70,000 Syrian Kurds have fled into Turkey since Friday as Islamic State fighters seized dozens of villages close to the border and advanced on the frontier town of Ayn al-Arab, known as Kobani in Kurdish. REUTERS/Stringer (TURKEY - Tags: POLITICS MILITARY CIVIL UNREST CONFLICT SOCIETY IMMIGRATION)

بات الطريق ممهدا أمام التدخل العسكري التركي في سوريا، بعد تصويت البرلمان على مشروع قرار يسمح للحكومة بالقيام بعمليات عسكرية في كل من سوريا والعراق ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

opinion by عمر كوش
Published On 9/10/2014
Turkish army tanks take position near the Syrian border on September 29, 2014 in Suruc after three mortars hit the Turkish side. Turkey's government may on September 29, 2014 send motions to parliament requesting extended mandates for military action in Iraq and Syria, so Ankara can join the coalition against the Islamic State. AFP PHOTO/BULENT KILIC

تبدو تركيا اليوم أكثر إدراكا أن القضية الكردية لم تعد شأنا داخليا للدول الأربع المحتضنة للأكراد بعد ضعف حكومتي العراق وسوريا، وأن حلها ربما يمر عبر إعادة رسم خرائط الإقليم.

opinion by سعيد الحاج
Published On 9/7/2014
Turkey's Prime Minister Tayyip Erdogan, President of Iraqi Kurdistan Masoud Barzani (L) and Kurdish poet and singer Sivan Perwer (R), who had fled Turkey in the 1970s, greet people, as they are flanked by politicians and chidren during a ceremony in Diyarbakir November 16, 2013. The president of Iraqi Kurdistan called on Turkey's Kurds to back a flagging peace process with Ankara on Saturday, making his first visit to southeastern Turkey in two decades in a show of support for Prime Minister Tayyip Erdogan. Masoud Barzani's trip to Diyarbakir, the main city in Turkey's Kurdish-dominated southeast, comes as Ankara finalises billions of dollars of energy deals with his semi-autonomous region and amid mutual concern over the ambitions of Kurdish militias in the chaos of neighbouring Syria. REUTERS/Stringer (TURKEY - Tags: POLITICS ENTERTAINMENT)

منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها عن إنشاء حلف دولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية توجهت الأنظار مباشرة إلى تركيا، وأثيرت الأسئلة بشأن الدور الذي يتوقع أن تلعبه في هذا التحالف.

opinion by سعيد الحاج
Published On 21/9/2014
Turkish Consul General of Mosul Ozturk Yilmaz (2nd R) is welcomed by his relatives as Turkish Prime Minister Ahmet Davutoglu (C) looks on, as they arrive at Esenboga airport in Ankara September 20, 2014, in this handout courtesy of the Prime Minister's Press Office. Turkish intelligence agents brought 46 hostages seized by Islamic State militants in northern Iraq back to Turkey on Saturday after more than three months in captivity, in what President Tayyip Erdogan described as a covert rescue operation. Security sources told Reuters the hostages had been released overnight in the town of Tel Abyad on the Syrian side of the border with Turkey after being transferred from the eastern Syrian city of Raqqa, Islamic State's stronghold. The hostages, who included Yilmaz, diplomats' children and special forces soldiers, were seized from the Turkish consulate in Mosul on June 11 during a lightning advance by the Sunni insurgents. REUTERS/Hakan Goktepe/Prime Minister Press Office/Handout via Reuters (TURKEY - Tags: POLITICS CRIME LAW CIVIL UNREST TPX IMAGES OF THE DAY) ATTENTION EDITORS - THIS PICTURE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. REUTERS IS UNABLE TO INDEPENDENTLY VERIFY THE AUTHENTICITY, CONTENT, LOCATION OR DATE OF THIS IMAGE. NO SALES. NO ARCHIVES. FOR EDITORIAL USE ONLY. NOT FOR SALE FOR MARKETING OR ADVERTISING CAMPAIGNS. THIS PICTURE IS DISTRIBUTED EXACTLY AS RECEIVED BY REUTERS, AS A SERVICE TO CLIENTS
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة