إعمار غزة.. السياسي يتغلب على الإنساني

(L-R) Egypt's Foreign Minister Sameh Shoukry, Palestinian President Mahmoud Abbas, Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi and Norway's Foreign Minister Borge Brende attend a Gaza reconstruction conference in Cairo October 12, 2014. Egypt, which brokered a ceasefire between Israel and the Palestinians in Gaza after a 50-day war, used a reconstruction conference in Cairo on Sunday to call for a wider peace deal based on a 2002 Arab initiative. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany (EGYPT - Tags: POLITICS)
رويترز

إحصائيات الدمار
القطط السمان
شروط إسرائيل

قد سبقت المؤتمر الذي عقد يوم 12/10، استعدادات على قدم وساق لنيل الحصة الأكبر من المشاريع الإعمارية المتوقعة بعد المؤتمر، بالتواصل مع الجهات الدولية ذات الاختصاص، لا سيما وكالة الغوث "أونروا"، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والتنسيق مع حكومة التوافق المشرفة على جميع مشاريع الإعمار.

إحصائيات الدمار
تشير إحصائيّات وزارة الأشغال في غزّة إلى تدمير عشرين ألف وحدة سكنية تدميرا كاملا، أو تضررت ضررا شديدا، وأربعين ألف وحدة أخرى تدميرا جزئيا.

وإذا بقي عدد الشاحنات التي يسمح لها بإنزال بضاعتها كما كان في النصف الأول من 2014، بمعدل 1100 شهريا، فسيحتاج الفلسطينيون خمسين سنة لبناء 89 ألف بيت جديد في القطاع، و226 مدرسة جديدة وعيادات ومساجد وآبار مياه ومصانع ومنشآت الماء والصرف الصحي، إذا استمر الوضع الحالي من القيود على الحركة والتنقل.

إذا بقي عدد الشاحنات التي يسمح لها بإنزال بضاعتها كما كان في النصف الأول من 2014، بمعدل 1100 شهريا، فسيحتاج الفلسطينيون خمسين سنة لبناء 89 ألف بيت جديد في القطاع، و226 منشأة

كما تشير الإحصائيّات الصادرة عن أونروا إلى أنّ الحرب الإسرائيليّة على غزة أجبرت 400 ألف مواطن على ترك منازلهم، منهم 250 ألفا لجؤوا إلى 18 مدرسة تابعة لها، إضافة لـ150 ألفا آخرين يسكنون الحدائق العامّة والمستشفيات والكنائس والشوارع.

كاتب السطور علم بتطورات متسارعة تجري في الخفاء، قبل وبعد مؤتمر إعادة إعمار غزة، تتعلق برغبة بعض المؤسسات الاقتصادية بالحصول على نصيب الأسد من الأموال المرصودة لذلك، بتسويق نفسها أمام الدول المانحة، العربية والغربية، وإبداء قدرتها على تنفيذ مشاريع الإعمار بالمعايير الدولية.

وتؤكد الإحصائية شبه النهائية عن وزارة الأشغال العامة في غزة أن إجمالي مواد البناء وإعادة إعمار غزة اللازمة تبلغ 1.5 مليون طن إسمنت، و227 ألف طن حديد، وخمسة ملايين طن حصى.

الواضح لكثير من دوائر صنع القرار في غزة وخارجها أن ما يحصل حاليا ليس تنافسا بين شركات في قطاع خاص، لأنها تقدم مشاريعها وخططها مستندة لنفوذها داخل الجهات التنفيذية الرسمية الفلسطينية، مما يمنحها حق احتكار مشاريع إعادة الإعمار.

وفي نفس الوقت فإن هذا التنافس يحرم باقي شركات القطاع الخاص أن تقدم مساهماتها بهذا المشروع الكبير، لأنها تعتبرها فرصة استثمارية لتحقيق مزيد من الأرباح والمكاسب، بعيدا عن المعايير المعتمدة عالميا.

كما بدأت بعض الشركات ترتيب أوراقها وعقودها واتفاقياتها بالسر والخفاء تحت ذرائع التسهيلات ودعم القطاع الخاص وإعادته للحياة، وإعادة الإعمار، مما أثار مخاوف من الاستقطاب الحاصل بين كبرى المؤسسات الاقتصادية لإعادة إعمار غزة.

القطط السمان
وقد دفع ذلك بالمنظمات الأهلية ومؤسسات القطاع الخاص في غزة للاتفاق على تشكيل هيئة وطنية لإعادة إعمار القطاع، تعمل على التخطيط والإشراف والرقابة عليه في إطار من الشفافية، وتوحيد خطة الإعمار، وتوضيح المرجعيات، وإزالة المعوقات أمام تنفيذه بإعادة إنشاء كافة المصانع الإنشائية، وتوريد كافة الآليات والمعدات اللازمة من حيث الكم والنوع، وفتح شامل للمعابر لتلبية احتياجات السوق دون شروط.

التنافس على إعمار غزة قائم أيضا بين مصر وإسرائيل، ويتعلق بمواد البناء التي ستعمر غزة، في ضوء إغلاق معبر رفح لأسباب سياسية، لكنه عاد بالخسارة الفادحة على الشركات المصرية التي تصل موادها السوق الغزية، خاصة "الإسمنت العسكري" المملوك للقوات المسلحة المصرية، وشركات أخرى خاصة، مما أدى لتوقف عمل 12 شركة في سيناء حاصلة على عقود حصرية من هيئة الإعمار ووزارة الأشغال الفلسطينية لتزويد غزة بمواد البناء، رغم حصولها على الموافقات الأمنية بعد اختيارها لأنها تضم كل أطياف المجتمع السيناوي وشركاته.

بدأت بعض الشركات ترتيب أوراقها وعقودها واتفاقياتها بالسر والخفاء تحت ذرائع التسهيلات ودعم القطاع الخاص وإعادته للحياة، وإعادة الإعمار، مما أثار مخاوف من الاستقطاب الحاصل بين كبرى المؤسسات الاقتصادية لإعادة إعمار غزة

في المقابل هناك شركات إسرائيلية تسعى للفوز بعملية إعمار غزة بدلا عن الشركات المصرية، حيث حصلت على موافقة السلطة الفلسطينية والأجهزة المصرية للعمل في مشاريع إعمار سابقة عبر المنحة القطرية البالغة 500 مليون دولار، وأدخلت جزءا منها قبل توقف إدخال مواد البناء عبر المعبر، لكن إسرائيل ترفض إدخال مواد البناء عبر معبر رفح، وتضغط على مختلف الجهات لإدخالها من معبر آخر، على أن تورد المواد الشركات الإسرائيلية بالتنسيق مع بعض شركات السلطة الفلسطينية.

الغائب الأكبر في الحرب الدائرة خلف الكواليس للحصول على نصيب الأسد من أموال إعمار غزة هي حركة حماس، التي لم تعلن موقفا لها مما يحصل، لأنها كما يبدو لا تريد أن تتدخل في طبيعة الحراك الاقتصادي الذي من شأنه التعجيل بإعادة إعمار غزة، رغم تحفظها على غياب آليات الرقابة والشفافية، بسبب غياب المجلس التشريعي عن الواقع السياسي الفلسطيني، مما يفسح المجال للتلاعب بالمال العام.

كما أن مشروع إعادة إعمار غزة يحتم ألا تذهب أمواله لجيوب بعض المتنفذين القريبين من مواقع صنع القرار في السلطة الفلسطينية، بل أن يتاح سوق المنافسة أمام الجميع في أجواء من الحرية التنافسية، وتوحيد قنوات الصرف والتمويل، بما لا يتنافى مع سرعة إعمار غزة.

وقد قامت حماس بجهود ذاتية في الأسابيع الأخيرة من الحرب، لتقديم مساعدات أولية للمتضررين في غزة، ووزّعت 32 مليون دولار على المتضرّرين في الأيّام التي تلت انتهاء الحرب على النحو التالي:

– 19 مليونا و630 ألف دولار على أصحاب المنازل المهدّمة كليّا، بواقع ألفي دولار لكلّ صاحب وحدة سكنيّة.

– 11 مليونا و460 ألف دولار على أصحاب البيوت المهدّمة جزئيّا، بواقع 1500 دولار لكلّ صاحب وحدة سكنيّة.

– 800 ألف دولار على عائلات الشهداء، بواقع ألف دولار لكلّ عائلة شهيد متزوّج، ضمن إغاثة طارئة، وليس جزءا من التعويض المستحقّ للمتضرّرين.

يأتي ذلك بالتزامن مع ما أعلنه مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط روبرت سيري منتصف سبتمبر/أيلول الماضي عن خطة إدخال مواد البناء إلى غزة، واستقدام 250-500 مفتش دولي لضمان تنفيذ عملية إعادة الإعمار، وفرض رقابة عليها كي لا تصل مواد البناء إلى حماس، وهو ما يشير إلى أن مشروع إعادة إعمار غزة بات مسيسا بالضرورة بعيدا عن وجهه الإنساني.

شروط إسرائيل
أما إسرائيل الحاضر الأكبر في مؤتمر إعمار غزة في مصر -رغم عدم دعوتها للمشاركة فيه- فقد تراجعت مؤخرا عن اشتراطها بدء إعمار القطاع بنزع سلاح الفصائل، خاصة حماس، بخلاف الموقف خلال الحرب وبعد انتهائها، واكتفت باشتراط الإعمار بالحفاظ على وقف إطلاق النار والهدوء القائم، وتنوي اشتراط نزع سلاح القطاع بخطوات مستقبلية متقدمة كاستمرار تطويره.

فيما أبدت إسرائيل تخوفها من استغلال حماس لأموال إعمار غزة لترميم أنفاقها الهجومية، وتغيير الأمر الواقع في القطاع، خاصة على المعابر، مما يفتح المجال أمام تنفيذ عمليات فيها، ولذلك تتابع أجهزتها الأمنية عن كثب الحوار الجاري بين حماس والسلطة الفلسطينية فيما يتعلق بنشر الشرطة في معابر "رفح وكرم أبو سالم وإيريز".

أكثر من ذلك فقد أعلنت إسرائيل أن كل مواد البناء والمعدات لإعمار غزة ستمر عبر معابرها فقط، وهي تركز على آليات إدخالها، ورصدها إلى حين وصولها لأهدافها، بالإضافة لمراقبة الأموال التي تدخل القطاع، ما يعني صعوبة أن يعاد بناء غزة دون مشاركة أو تعاون إسرائيل، لأن أهم شروطها لإعادة إعمار غزة تسليم الحكم للسلطة الفلسطينية بشكل كامل، وألا يكون الحكم رمزيا فقط، بل تسليم حماس لكل مقاليد الحكم.

يترقب الفلسطينيون في غزة قدوم فصل الشتاء، وأيديهم على قلوبهم خوفا من موسم ماطر، والمشردون ما زالوا في مراكز الإيواء التي لا تقيهم البرد والمطر، في ظل يقين متزايد أن موضوع إعادة إعمار غزة لن يكون يسيرا

ردود الفعل الإسرائيلية في معظمها قللت من أهمية قرارات مؤتمر مصر لإعادة إعمار غزة، لأن الواقع على الأرض سيتحدد في تل أبيب وليس القاهرة، وجهاز الإشراف على إعادة الإعمار سيتم إنشاؤه هنا، والسلطة الفلسطينية مسؤولة عن ضمان سير إعادة التأهيل، صحيح أن التمويل والاعتراف الدولي في القاهرة، لكن المؤتمر ليس بديلا عن الاتفاقيات الفعلية التي يتم التوصل إليها هنا.

بل إن عاموس غلعاد -رئيس الدائرة السياسية والأمنية بوزارة الدفاع الإسرائيلية- وصف مؤتمر إعادة إعمار غزة بأنه "حفلة تنكرية".

ولذلك لم تتردد إسرائيل بالتهديد أنها قد تسعى لعرقلة إعادة إعمار غزة إذا بدا لها أن حماس قد تستغل جزءا صغيرا من المساعدات الدولية ومواد البناء، لترميم قدراتها العسكرية والأنفاق، رغم وجود أصوات خافتة فيها ترى أن الإعمار الحقيقي لغزة مسألة إنسانية من الطراز الأول، تخدم مصلحة إسرائيل، على ألا يكون ثمن ذلك تجديد إطلاق قذائف صاروخية على بلدات غلاف غزة وتل أبيب، أو بتجديد حفر أنفاق من غزة إلى "صوفا وناحل عوز".

أخيرا يترقب الفلسطينيون في غزة قدوم فصل الشتاء، وأيديهم على قلوبهم خوفا من موسم ماطر، والمشردون ما زالوا في مراكز الإيواء التي لا تقيهم البرد والمطر، في ظل يقين متزايد أن موضوع إعادة إعمار غزة لن يكون يسيرا، مع تغلب الجانب السياسي على البعد الإنساني في هذه القضية المأساوية المتكررة عقب كل حرب تشهدها غزة.



حول هذه القصة

(L-R) Egypt's Foreign Minister Sameh Shoukry, Palestinian President Mahmoud Abbas, Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi and Norway's Foreign Minister Borge Brende attend a Gaza reconstruction conference in Cairo October 12, 2014. Egypt, which brokered a ceasefire between Israel and the Palestinians in Gaza after a 50-day war, used a reconstruction conference in Cairo on Sunday to call for a wider peace deal based on a 2002 Arab initiative. REUTERS/Carolyn Kaster/Pool (EGYPT - Tags: POLITICS)

بعد الدمار الكبير الذي أصاب كافة مناحي الحياة في غزة، بات من الملح تهيئة الظروف المناسبة لإعادة إعمار غزة. ولعل ذلك هو التحدي الأهم الذي يواجه حكومة التوافق الفلسطينية.

opinion by نبيل السهلي
Published On 14/10/2014
Hamas militants celebrate with people what they said was a victory over Israel, in Gaza City August 27, 2014. An open-ended ceasefire in the Gaza war held on Wednesday as Prime Minister Benjamin Netanyahu faced strong criticism in Israel over a costly conflict with Palestinian militants in which no clear victor emerged. REUTERS/Suhaib Salem (GAZA - Tags: POLITICS CIVIL UNREST CONFLICT)

أكتب لكم هذه الرسالة بعد الانتصار الكبير الذي حققه شعبنا في معركة غزة، التي كانت معركة كل فلسطين، ومعركة جميع المقاومين المخلصين الشرفاء، ومعركة أمتنا وأحرارها المسلمين والمسيحيين.

opinion by رأفت فهد مرة
Published On 4/9/2014
A Palestinian man looks out over destruction in part of Gaza City's al-Tufah neighbourhood as the fragile ceasefire in the Gaza Strip entered a second day on August 6, 2014 while Israeli and Palestinian delegations prepared for crunch talks in Cairo to try to extend the 72-hour truce. The ceasefire, which came into effect on August 5, has brought relief to both sides after one month of fighting killed 1,875 Palestinians and 67 people on the Israeli side. AFP PHOTO / MAHMUD HAMS

لا يمكن وصف الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها الجيش الصهيوني في قطاع غزة إلا بـ”إرهاب دولة منظم”، وهو ما دفع دولة مثل بوليفيا إلى تصنيف هذا الكيان “دولة إرهابية”.

opinion by محمد هنيد
Published On 25/9/2014
المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة