فيتناميون إخوان

لم تستطع "مارثا راداتز" مراسلة قناة إي بي سي الأميركية إخفاء امتعاضها واندهاشها الشديدين وهي تنقل تعليق الببلاوي رئيس وزراء سلطة الانقلاب في مصر لمذيعة محطتها الإخبارية الأميركية.

وهو التعليق الذي شبه فيه ما قامت به قوات الجيش المصري من قتل وعنف ضد أبناء وطنه وبني جلدته المصريين المعتصمين السلميين في رابعة العدوية والنهضة، الرافضين للانقلاب العسكري، بما قام به جيش بلادها في الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، وفي الحرب على فيتنام!

ففي حوارها مع السيد الببلاوي الانقلابي بمقر رئاسة الوزراء -المُغتصب قسرا بقوة الدبابات- اعترف الببلاوي بحقيقة الجرائم الوحشية التي قامت بها قوات الشرطة والجيش المصريين، بأوامر قادة الانقلاب السيسي والببلاوي ومحمد إبراهيم (وزير الداخلية) والتي راح ضحيتها الآف الشهداء من المصريين بالرصاص الحي، بل تم حرق جثامينهم، فضلا إصابة عشرات الآلآف .

لم ينكر الببلاوي هذه الوحشية، بل أقرها حينما قال موجها حديثه للمراسلة الأميركية: "هناك أوقات استثنائية يتم التعامل فيها بوحشية، لكن هذا لا يعني أن يصبح هذا أسلوب حياة".

أقر الببلاوي بالجرائم الوحشية حين قال للمراسلة الأميركية: "هناك أوقات استثنائية يتم التعامل فيها بوحشية، لكن هذا لا يعني أن يصبح هذا أسلوب حياة"

وبعدها استطرد الببلاوي مبررا هذه الوحشية من سلطات الانقلاب العسكري في مصر تجاه المعتصمين والمتظاهرين السلميين، المدافعين عن الديمقراطية، والرافضين للانقلاب العسكري، مشبها هذا للمراسلة الأميركية بالفظائع التي مارسها الجيش الأميركي في الحرب العالمية الثانية ومن بعدها حرب فيتنام.

أما الكارثة الأكبر، فهي أن الببلاوي أكد في نهاية حواره معها أنه "غير نادم على هذا".

لن أستفيض هنا في الحديث عن سقوط الأقنعة في هذه الأزمة، الكاشفة والفاضحة للعديد من مدعي التمدن، من أصحاب المبادئ الانتقائية والضمائر المتلونة.

فالجميع يتذكر أن الببلاوي نفسه استقال من حكومة عصام شرف الانتقالية إثر مجزرة ماسبيرو مساء الأحد ٩ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١١، وهي المجزرة التي نفذتها قوات الشرطة العسكرية والأمن المصريان ضد شباب معتصمين أغلبهم من المسيحيين، وراح ضحيتها ١٩ قتيلا مصريا بدم بارد.

وكانت استقالة الببلاوي بعدها بيومين احتجاجا على طريقة معالجة الحكومة لأحداث ماسبيرو، وهي الاستقالة التي أكد فيها أنه "على قناعة بأن على الحكومة توفير الأمن والأمان للمواطنين، وأنها حتى لو لم تكن مسؤولة، ولم يقع من جانبها خطأ في هذه الأحداث فإن عليها حماية المواطنين".

ومع ذلك، فإنني سأتوقف في هذا المقام عند هذه التصريحات التي اعترف فيها أحد المسؤولين الرئيسيين في سلطة الانقلاب العسكري بأن ما قاموا به هو عمل وحشي، ويقارن ما يجري في مصر بما قامت به القوات العسكرية الأميركية من فظائع في فيتنام خلال حربها هناك.

إن هذا الحديث يكشف عن العقلية الانقلابية التي باتت ترى شعبها -الرافض للانقلاب العسكري، والمتمسك بالديمقراطية التي سعى لبنائها عقب ثورة يناير المجيدة- شعبا أجنبيا عنها، ينبغي تأديبه لفرض سلطة قوات الاحتلال عليه.

حديث الببلاوي يكشف العقلية الانقلابية التي باتت ترى شعبها -الرافض للانقلاب والمتمسك بالديمقراطية- شعبا أجنبيا عنها ينبغي تأديبه لفرض سلطة الاحتلال عليه

إن تلك التصريحات تمثل وصمة عار بحق الببلاوي، وبحق كل الانقلابيين، وتوثق لجريمة مكتملة الأركان ضد الإنسانية، وينبغي أن يتم إرفاق تسجيلاتها بملف الممارسات الوحشية- من قتل وحرق وتعذيب- الذي يتم إعداده من بعض المنظمات الحقوقية الآن للتقدم به للمحكمة الجنائية الدولية.

واستصحابا لمقارنة الببلاوي، فقد تمت محاكمة ٢٠٠ من قادة الحزب النازي الألماني في محكمة نورمبيرغ عقب الحرب العالمية الثانية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتراوحت الأحكام الصادرة ضدهم ما بين الإعدام والسجن مدى الحياة.

فليس أقل أن يقبل الببلاوي ورفاقه الانقلابيون بعاقبة فعلتهم كما دللوا هم عليها.

بقي أن نلاحظ أن "مارثا راداتز" لم تنقل لنا من حديثها مع الببلاوي أي زعم له بأن فيتنام الشمالية كانت "إخوانا" (التهمة الجاهزة لكل مناهضي انقلاب مصر) فاستحقت من أجل ذلك تلك الوحشية من الجيش الأميركي.

إن إبداع السيد الببلاوي الانقلابي تعدى هذا بكثير، واعتبر كل المتظاهرين في الميادين المصرية -الذين كانوا يصورونهم على أنهم إخوان مسلمون- "فيتناميين"، أو بالأحرى فيتناميين إخوان!



حول هذه القصة

بدا مفجعاً بحضرة مجازر مصر انهماك متحدثين في تفسير السفك المذهل للدماء البريئة، بالنكير على “أداء الإخوان” وتحميل المعتصمين مسؤولية المقتلة. هو مذهب “لوْم الضحية” الذي ظلّ نهجاً مفضّلا عبر التاريخ لتبرير الفظائع، بتحميل مَن تستهدفهم الانتهاكات المسؤولية عن المظالم.

ما يجري بمصر لعبة أمنية حقيرة لتبرير المزيد من القمع والقتل وتعزيز القبضة الأمنية، وذلك من أجل تكريس حكم عسكري طاعن في القمع، توحي المؤشرات بعزمه على مزيد من القمع، وتزوير الانتخابات، وبالتالي استعادة نظام المخلوع بصورة أسوأ.

ما صدر عن المنظمات الحقوقية وفقهاء القانون الدولي حتى اللحظة يُجمع على أن ما يحدث في مصر اليوم جرائم حرب، وجرائم إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، وأن البحث بأمرها وإمساك المحاكم الدولية المختصة لزمام المبادرة بشأنها هو مسألة وقت ليس إلا.

الذين نفذوا الانقلاب العسكري ضد الرئيس المنتخب في مصر، والذين تواطؤوا معهم، والذين ساندوهم من الداخل ومن الخارج، لهم شبهات يتحججون بها، ويرددونها بالأصالة أو بالتبعية. وبغية الخروج من “تلبيس إبليس”، أقدم فيما يلي عرضا ومناقشة علمية لأهم تلك “الحجج الانقلابية”.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة