حقوق المواطن في جمهورية مصر "الدرية"


في أواخر العام ٢٠١١ سعت الدكتورة درية شرف الدين المذيعة غير المرحب بها في تلفزيون الدولة المصرية في ذلك الوقت لاستضافتي في برنامجها "أهل الرأي" على شاشة قناة دريم لمناقشة مصير ثورة يناير/كانون الثاني 2011، عقب الانتخابات البرلمانية، وقد رحبت بالدعوة ودار حينها حوار هادئ.

وقد بدت الدكتورة درية القادمة من ساحة برامج السينما العالمية إلى معترك البرامج السياسية قبل وأثناء وبعد الحلقة مجاملة أكثر من اللازم في الإشادة والترحيب والإعجاب بمواقف وآراء كاتب هذه السطور على نحو أخجلني.

أخذت وزيرة الإعلام تنزع صفة المواطنة عن هذا وتسبغها على ذاك، بل ذهبت إلى أن كل من عمل في قناة الجزيرة أو ظهر عليها صورة أو صوتا هو شخص غير مرحب به في مصر الجديدة

كان ذلك في عام ٢٠١١، أما وقد أصبحنا في أواخر٢٠١٣، وانتقلت الدكتورة درية من منطقة المهمشين والمنبوذين من تلفزيون الدولة الرسمي إلى قمة سلطة الإعلام في مصر، قادمة مع القادمين فوق الدبابات ليتم تعيينها وزيرة للإعلام، فإن أول ما فعلته مذيعة "نادي السينما" أنها ارتدت زي "الكاوبوي" وتعاملت مع المعارضين لحكومتها باعتبارهم من الزنادقة المنبوذين، أو كمجموعة من الهنود الحمر الذين تتحتم إزاحتهم وإبادتهم كي يخلو لها وجه مصر، وكأنها قارة بكر اكتشفتها للتو مجموعة من الغزاة المدججين بالسلاح.

وبمنتهى الصرامة والغطرسة التي تليق فقط بمجموعة من البشر ترى في مصر ملكية خاصة لها بدأت الدكتورة درية تتقمص شخصية وزير الداخلية فتنزع صفة المواطنة عن هذا وتسبغها على ذاك، وتضع العبد الفقير إلى الله في خانة المطرودين من جنة الوطن، بذهابها إلى أن كل من ظهر على قناة الجزيرة بشحمه ولحمه، أو بصوته عبر الهاتف، أو عمل في هذه القناة، هو شخص غير مرحب به في مصر الجديدة.

هكذا مرة واحدة نصبت الدكتورة درية نفسها مرجعية ومعيارا وحيدا للوطنية، فتمنح صك المصرية وتمنعه كما تشاء، متحدثة مثل الذين عينوها باسم الشعب وعنه وعليه، ومعبرة عن ليبرالية متوحشة، لا تقل في توحشها عن الخطاب الدموي لرئيس حكومة الانقلاب الجنرال حازم الببلاوي في حديثه لمحطة تلفزيون أميركية حين برر قتل الآلاف في اعتصام رابعة العدوية مستندا إلى ما فعلته آلة الحرب الأميركية في غزو فيتنام.

إننا بصدد خطاب إقصائي استئصالي يعبر عن "كارثية" مصرية تتجاوز في عنفها ووحشيتها "كارثية" خمسينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأميركية، بما يجعلنا نقولها مرة أخرى: لقد تجاوزت بعض النخب مرحلة "العسكرة" التقليدية وتمردت على حدود دور "أحمد سبع الليل" لتطل في ثياب رادوفان كراديتش، زعيم الصرب صاحب أكبر سلسلة مجازر إبادة جماعية في القرن الماضي.

لقد تجاوزت بعض النخب مرحلة "العسكرة" التقليدية وتمردت على حدود دور "أحمد سبع الليل" لتطل في ثياب الصربي كراديتش

ويحيرك في الأمر أنه قبل أن يكون داعية قتل وإبادة كان أديبا وطبيبا متخرجا من جامعة كولومبيا!

إننا نعيش نوعا من الليبرالية المتوحشة لا يستشعر أصحابها وخزا لضمائرهم وهم يوفرون الغطاء السياسي والأخلاقي لقرار حكومة الانقلاب بمحو اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر من الوجود، بل يذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك حين يتهم الأجهزة الأمنية بالتراخي لأنها تصمت على هؤلاء "الأوغاد" المعتصمين بأطفالهم وبناتهم ومسابحهم وتهجداتهم ودعائهم، على القتلة وعلى من صفق وابتهج للقتل من مصاصي الدماء المختبئين خلف تهويماتهم الفكرية الفاسدة.

لقد كان أبو التاريخ "هيرودوت" يقول إن مصر هبة النيل، ولم يقل هو ولا الذين جاؤوا من بعده إن مصر هبة "درية شرف الدين"، وبالتالي لا بأس من اعتبار تصريح السيدة درية فاصلا من الضحك في زمن البكاء على مصر التي تئن تحت عجلات الجرافات.



حول هذه القصة

ما صدر عن المنظمات الحقوقية وفقهاء القانون الدولي حتى اللحظة يُجمع على أن ما يحدث في مصر اليوم جرائم حرب، وجرائم إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، وأن البحث بأمرها وإمساك المحاكم الدولية المختصة لزمام المبادرة بشأنها هو مسألة وقت ليس إلا.

من الصعب جدا أن يتصور المجتمع العربي حجم فداحة المشهد المصري والانقضاض الدموي على ثورة 25 يناير بهذه السرعة التي احتاجت أقل من شهرين لتحقيق هذا الهدف، وأكبر من ذلك ضمان تسوية الأرض السياسية وحرثها لعدم السماح بعودة الربيع المصري.

سلطات الانقلاب قصدت المواد المفصلة للجرائم ضد الإنسانية من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مادة مادة وقامت بخرقها جميعا. وحيث المجال يضيق فسوف يكتفي هذا المقال بسرد أبرز الانتهاكات التي تمثل الأنماط الرئيسة للتجاوزات القانونية الدولية. .

‫لقد قتل الانقلابيون أعدادا من المحتجين السلميين أثناء اجتياح ميداني رابعة العدوية والنهضة يوم “الأربعاء الأسود” أكثر بكثير مما قتل بشار الأسد ومعمر القذافي، بل فاق عدد من قتل من المصريين منذ الانقلاب أضعاف من قتلوا أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة ٢٠٠٨.

المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة