مقالات

خالد مشعل في قطاع غزة

الزيارة الأولى
أفضل ألف مرة ومرة
نتوءات وندبات تنظيمية
النموذج المطلوب

كما كان متوقعاً منذ شهرٍ مضى، فقد وصل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل إلى قطاع غزة، في أول زيارة له في حياته لهذا الجزء الغالي من أرض فلسطين، غزة الثورة، وغزة العزة، وغزة الصمود والصبر والثبات رغم الفاقة وآلام والحصار، غزة الإرهاصات الأولى للمقاومة منذ العام 1956، وغزة الشرارة الساطعة في سماء فلسطين، شرارة الانتفاضة الكبرى الأولى، التي اشتعلت انطلاقاً من مخيم جباليا أواخر العام 1987.

خالد مشعل في قطاع غزة، للمشاركة بمرور ربع قرن على انطلاقتها الفدائية المسلحة والتنظيمية تحت عنوانها المعروف، وقد اكتوت واندعكت خلال ربع قرن من عمرها بميدان ومراس التجربة والعمل اليومي، وواجهت الكثير من العواصف والأزمات التي مرت على البيت الفلسطيني وعلى عموم المنطقة.

فكيف نقرأ معاني وأبعاد تلك الزيارة الأولى لخالد مشعل للقطاع مع مرور ربع قرن من انطلاقة الحركة، خصوصاً وأنها تأتي مترافقة مع معلومات مؤكدة عن انتهاء الانتخابات الداخلية لحركة حماس بما فيها انتخاب رئيس المكتب السياسي الجديد للحركة، ورئيس مجلس الشورى فيها؟

الزيارة الأولى
نبدأ الإجابة بالقول، إن زيارة خالد مشعل لقطاع غزة هي الأولى له في حياته لتلك الأرض الفلسطينية التي انطلقت منها شرارات العمل الفدائي المقاوم لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) أواخر العام 1987، والتي أُطلق منها أيضاً البيان التأسيسي الأول للحركة والذي أُعلِنَ فيه عن قيام حركة حماس من رحم الحركة الإخوانية الإسلامية في فلسطين.

عودة مشعل إلى قطاع غزة، جاءت بعد صمود غزة الأخير، الذي شكّل نتاج مرحلة ونقلة نوعية في مسار العمل الوطني الفلسطيني ومن الصراع مع المشروع الصهيوني

فقد كان خالد مشعل قد غادر الضفة الغربية مطلع صباه باتجاه دولة الكويت التي عاش فيها، ودرس وتَعَلَمَ في جامعتها متخصصاً في العلوم الأساسية (قسم الفيزياء)، وبنى وصقل خلال وجوده فوق أرضها شخصيته السياسية والفكرية عبر انتمائه، وعبر نشاطه بين الطلبة في جامعة الكويت وصولاً لالتحاقه وإسهامه بتأسيس حركة حماس في فلسطين.

فزيارة خالد مشعل وبرفقته عدد من أعضاء المكتب السياسي للحركة من المقيمين في الخارج ومن الشخصيات المحترمة والمرموقة وذات التجربة الميدانية في صفوف حركة حماس كـ(موسى أبو مرزوق، وعزت الرشق، ومحمد نصر وغيرهما..) ليست زيارة الغريب للدار، بل تمثل عودة أهل الدار للدار، وعودة الأهل للأهل، بعد مَنعٍ قسري عن التوجه لتلك الديار الفلسطينية التي صَنَعت مجد الانتفاضة الكبرى الأولى نهاية عام 1987 انطلاقاً من مخيم جباليا.

وقد هزّت تلك الانتفاضة العالم كله، وقلبت موازين الصراع بمعناها العام على أرض فلسطين، لتعود فلسطين لصدارة الحدث وعلى طاولة وأجندة المجتمع الدولي بعد محاولات شطبها وتغييبها مرة ثانية منذ الخروج الفلسطيني المسلح من بيروت نهاية العام 1982 وبعد وقوع الانشقاق الفلسطيني الكبير الذي وقع في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية منتصف عام 1983 وذيوله التي بقيت إلى حين اندلاع الانتفاضة الكبرى الأولى.

وعليه، فعودة خالد مشعل إلى قطاع غزة، تتم الآن بعد صمود غزة الأخير، الذي شكّل نتاج مرحلة ونقلة نوعية في مسار العمل الوطني الفلسطيني ومن الصراع مع المشروع الصهيوني، حيث شلال الدماء التي نزفت وروت أرض فلسطين، وقد تَصدرت حركة حماس في هذا الميدان وهذا المعمعان دوراً ريادياً إلى جانب عموم القوى الفلسطينية ومنها حركة فتح وحركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها من القوى التي كانت في استقبال مشعل على أرض القطاع.

كما تَصَدرت دوراً رئيسياً في المشهد الوطني الفلسطيني في قطاع غزة خلال العقدين الأخيرين. فحركة حماس تحتفظ بثقلها الرئيسي داخل فلسطين، وعلى الأخص في قطاع غزة.

أفضل ألف مرة ومرة
إن عودة خالد مشعل ومعه العديد من أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس يُفتَرض به أن يتحول مع إطلالات المرحلة التالية من العمل الوطني الفلسطيني لعودة دائمة تقريباً (إن أمكن) لعموم الكوادر الفلسطينية المنتمية لمختلف الفصائل والقوى الفلسطينية، بحيث لا تكون تلك العودة عودة موسمية أو عودة بروتوكولية، فالوجود على أرض الصراع في أي موقعٍ من أرض فلسطين أفضل (ألف ألف ألف مرة) من الوجود خارج أرض الصراع ولو كان هذا الخارج على تخوم الوطن الفلسطيني في بلدان الطوق المحيطة بفلسطين في مخيمات وتجمعات الشعب الفلسطيني اللاجئ.

وقد بذل كاتب هذه السطور ومن خلال موقعه السياسي السابق في الساحة الفلسطينية، جهوداً كبيرة خلال سنوات مضت من أجل عودته لفلسطين, وما زالت تلك العودة تمثل حلماً وطنياً مشروعاً بالنسبة له، وصولاً إلى قلب الوطن السليب في حيفا ويافا وعكا حتى وإن طال الزمن.

دفع الناس وعموم القيادات لمختلف القوى والتنظيمات والفصائل، للعودة إلى الداخل الفلسطيني، يَفترض به أن يراعي المسألة الأمنية، ومهام وطبيعة عمل كل المفاصل القيادية

وبالطبع، فإن أهمية دفع الناس وعموم القيادات لمختلف القوى والتنظيمات والفصائل، للعودة إلى الداخل الفلسطيني وخصوصاً للكوادر المجربة في العمل السياسي والتنظيمي وغيره، يَفترض به أن يراعي المسألة الأمنية، ومهام وطبيعة عمل كل المفاصل القيادية ودون إهمال أو تفريغ للشتات الفلسطيني من الكوادر القيادية التي يَقع على كاهلها قيادة الحركة السياسية في الخارج وضبط إيقاع تلك الحركة السياسية ما بين الداخل والخارج، وهذا الأمر يَفترض بالضبط أهمية توفير إمكانية تَنقل معظم قيادات المكتب السياسي وغيره من المفاصل القيادية ما بين الداخل والخارج، مع أهمية تواجد رئيس المكتب السياسي في الخارج نظراً لعدة اعتبارات، منها ضرورة قيادته للحركة السياسية في الخارج وتوحيده لأداء الداخل والخارج.

لقد نجحت عموم فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة التي نشأت خارج الأرض الفلسطينية بحدود نسبية جيدة حتى (لاحظوا: نقول كلمة حتى) في ظل اتفاق أوسلو وخطاياه ومثالبه في تحقيق "إنجاز مضيء نسبياً" تَمَثَلَ بعودة عدد كبير من الكوادر الوطنية المجربة إلى ساحة الصراع الرئيسية في الداخل الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، وهو أمر يُسجّل لها، انطلاقاً من أهمية التواجد على الأرض وبين عموم الشعب الفلسطيني الذي وجد نفسه بعد احتلال العام 1967 في الضفة الغربية والقدس والقطاع دون قيادات مفصلية تستطيع أن توجه دفة مسيرته.

ومع هذا بادر من تبقى في حينها من قيادات وطنية فلسطينية لتشكيل لجنة التوجيه الوطني في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي انبثقت منها الجبهة الوطنية في الداخل لتصبح بعد حين الذراع السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وهو ما حدث كذلك داخل الأرض المحتلة عام 1948 حين وجد ما تبقى من الشعب الفلسطيني نفسه هناك بعد النكبة دون قيادات أو أطر وطنية جامعة وقد استغرق بناؤها أكثر من عقدين ونيف من الزمن.

نتوءات وندبات تنظيمية
إلى ذلك فإن عودة وزيارة خالد مشعل لقطاع غزة وبرفقته عدد جيد من أعضاء المكتب السياسي للحركة من المقيمين في الخارج ومعظمهم من أبناء الضفة الغربية ومن الذين حَملوا أعباء قيادة العمل السياسي والإعلامي الدعاوي لحركة حماس في الخارج وفي تقديمها صورتها وسياستها للعالم (موسى أبو مرزوق، وعزت الرشق، ومحمد نصر،…..) سيساعد على حلحلة العديد من النتوءات والندبات التنظيمية الموجودة في جسم حركة حماس، وهي نتوءات وندبات برزت خلال العامين الماضيين، وبدت واضحة وجلية من خلال بعض المناكفات الإعلامية تجاه هذا الموضوع السياسي أو ذاك، تجاه هذا الموضوع التنظيمي أو ذاك، ومنها على سبيل المثال ما حصل بشأن إعلان الدوحة الذي وقعه كلاً من الرئيس محمود عباس وخالد مشعل قبل أقل من عام مضى، وقد أثار في حينه زوبعة داخلية عبر بعض التصريحات التي أطلقت على لسان الدكتور محمود الزهار بشكل رئيسي.

فحركة حماس، تنظيم كبير وواسع، وقد بات يشكل القطب الآخر في المعادلة الفلسطينية منذ أكثر من عقدين من الزمن، وقد كان من المنطقي أن تظهر في صفوفه بعض الاجتهادات والتقديرات، لكن الهام في هذا الجانب ألا تتحول تلك الاجتهادات والتقديرات لأوجاع مزمنة لحال الحركة أو لبروز تيارات انشقاقية فيها مهما تواضع حجمها (كما حصل مع العديد من القوى الفلسطينية ومنها حركة فتح ومعظم فصائل اليسار الفلسطيني خلال تاريخها المديد). من هنا إن زيارة خالد مشعل ستساعد جداً جداً على إنهاء تلك النتوءات والندبات التي ظهرت في وقت سابق، وبلسمتها ومعافاتها.

وانطلاقاً من الوارد أعلاه، فإن زيارة مشعل للقطاع توفر فرصة جيدة لإعادة النظر بالعديد من القضايا الداخلية التي تَمس تقييم عمل المفاصل القيادية لحركة حماس في قطاع غزة، وصولاً لتمتين الوضع الداخلي لها، وتزكية شخص الرئيس الجديد للمكتب السياسي ورئيس مجلس الشورى العام للحركة، حيث يتوقع أن يكون خالد مشعل رئيساً جديداً في فترة ثالثة للمكتب السياسي للحركة.

كما وفرت الزيارة إياها، الفرصة لعقد اجتماعات قيادية لحركة حماس ومكتبها السياسي في قطاع غزة وتحت سقف الأرض الفلسطينية، وبالتالي إجراء وقفة نقدية جادة ومسؤولة لتقييم المرحلة الماضية، ولمسيرة العمل في قطاع غزة من كافة جوانبها، وخاصة العلاقات الميدانية بين حركة حماس وباقي القوى الفلسطينية التي شهدت توترات معينة في فترات سابقة، والبناء عليها من أجل المبادرة لطرح أفكار خلاقة وجديدة تساعد على فتح الطريق أمام رأب الصدع الفلسطيني الداخلي وإنهاء حالة الانقسام.

وجود كل القوى الفلسطينية دون استثناء في استقبال مشعل مؤشر مريح وإيجابي، ويدل على روح المسؤولية عند الجميع، ويبعث على التفاؤل في سياق المساعي المبذولة من أجل رأب الصدع الفلسطيني الداخلي

النموذج المطلوب
ويلحظ في هذا المسار من الزيارة التاريخية لخالد مشعل لقطاع غزة، وجود كل القوى الفلسطينية دون استثناء في استقباله من حركة فتح إلى الجبهة الشعبية/القيادة العامة وما بينهما، وهو مؤشر مريح وإيجابي، ويدل على روح المسؤولية عند الجميع، ويبعث على التفاؤل في سياق المساعي المبذولة من أجل رأب الصدع الفلسطيني الداخلي، والوصول إلى النموذج الذي يريده الشعب الفلسطيني لقيادة مؤسساته الوطنية وصياغة برنامجه الوطني على أساس النموذج التشاركي الائتلافي الوطني القائم على التشاركية الوطنية قولاً وعملاً بين الجميع في صنع القرار وفي إدارة دفة السياسات الوطنية الفلسطينية على كل مستوياتها، وهو نموذج لا يمكن الوصول إليه مع فقدان الوحدة الوطنية داخل البيت الفلسطيني.

وعليه، إن خطاب خالد مشعل المليء والمفعم بالروح الوحدوية في مهرجان انطلاقة حركة حماس في القطاع، ولقاءات غزة، والتي جمعته مع باقي القوى الفلسطينية الموجودة على ساحة العمل في القطاع، ولقاءات القيادات الأولى لحركة حماس بما فيها المكتب السياسي والتي التقت لأول مرة فوق أرضٍ فلسطينية، هي أرضِ قطاع غزة بالذات، تُشكّل الآن خطوة ممتازة لتحفيز إطلاق قاطرة العودة لتطبيق ما تم الاتفاق عليه لجهة إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، وصولاً لإنهاء الانقسام وإسدال الستار عليه، والانطلاق بالعملية الوطنية الفلسطينية نحو أفق وطني جديد ومتجدد.



المزيد من الكاتب

حول هذه القصة

تستعد الحكومة الفلسطينية المقالة لزيارة مرتقبة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، برفقة رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل إلى قطاع غزة.

بدأ في غزة اليوم احتفال جماهيري ضخم بالذكرى الخامسة والعشرين لانطلاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، يجري لأول مرة بحضور رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل الذي وصل إلى القطاع أمس بصحبة عدد من أعضاء المكتب السياسي في زيارة تاريخية.

استهل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل زيارته التاريخية إلى غزة الجمعة بتأكيد أمنيته في "الشهادة" على أرض القطاع، معتبرا عودته إلى غزة "مقدمة للعودة إلى القدس وكل فلسطين".

قبل عام أو حتى أقل لم يكن واردا مجرد التفكير في قيام رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل بزيارة قطاع غزة، اللهم إلا إذا كانت هذه الزيارة ستتم في سرية تامة وعبر الأنفاق ولساعات معدودة.

الأكثر قراءة