بوش عاجز عن تغيير إستراتيجيته



– بوش يبحث عن مخرج لنفسه
– المخرج الإقليمي من المغامرات الأميركية

مزيد من الجنود، ومزيد من المحاولات لإنقاذ الهيبة العسكرية الأميركية من السقوط عالميا، دون أمل حقيقي في النجاح، وهذا ما يعني مزيدا من المضي على طريق "الكارثة" -بالمنظور الأميركي- التي يزعم الرئيس الأميركي جورج بوش الابن أنه يريد تجنبها، برفضه الانسحاب العسكري من العراق الآن.

ومجرد الحديث عن تركيز النسبة العظمى من 21 ألف جندي يريد إرسالهم إلى العراق في بغداد العاصمة يكشف عن حجم العجز الأميركي، إذ لم يمكن بسط سيطرة الاحتلال على العاصمة على الأقل، بعد ما يقارب أربع سنوات على الاحتلال العسكري، واستخدام القوة الباطشة دون حدود.

ومن الأمثلة على ذلك الترهيب بالتعذيب في السجون كما في أبو غريب، وقتل الأسر علنا في الشوارع والبيوت كما في الحديثة، والتدمير الفتاك الشامل بالقنابل الفسفورية والعنقودية والانشطارية كما وقع في الفلوجة.

"
ليس من الواقعية في شيء انتظار أن يعلن طاقم صناعة الحرب عن هزيمته، وأن يتحول إلى صناعة السلام تحولا جادا، لأن السلام في عرفه هو تحقيق نصر عسكري
"

بوش يبحث عن مخرج لنفسه
الحديث المكثف عن انتظار "صيغة إستراتيجية" جديدة من جانب الرئيس الأميركي، كما بات يريد الساسة الأميركيون لا الناخبون فقط، والحلفاء الغربيون لا دول المنطقة المرتبطة بواشنطن وحسب، كان حديث من لم يضع في حسابه العوامل النفسية -لا السياسية فقط- التي تحرك صانع القرار الأميركي.

ولم يتبدل طاقم صناعة القرار السياسي والعسكري في واشنطن رغم النتائج المعروفة للانتخابات النصفية الأخيرة وسقوط رمسفيلد على وجه التحديد.

وليس من الواقعية في شيء انتظار أن يعلن طاقم صناعة الحرب عن هزيمته، وأن يتحول إلى صناعة السلام تحولا جادا، لأن السلام في عرفه هو تحقيق نصر عسكري لا يبقي مقاومة شعبية ولا إرادة محلية مستقلة، ولا يدفع قوى أخرى في المنطقة إلى التخلي عن الارتباط والتبعية للدولة العظمى.. إن سحبت قواتها في ظل هزيمة فاضحة.

تغيير "الإستراتيجية" الذي كان منتظرا كان يعني فيما يعنيه:
1- طرح مخطط زمني للانسحاب يعطي الساسة العراقيين قدرة أكبر على التفكير خارج نطاق الإملاءات الأميركية المصحوبة بالطائرات والدبابات، ويعطي الدول الأخرى الراغبة في المشاركة في إعادة بناء ما دمرته الحرب شيئا من الثقة لتعلن عن استعدادها للمشاركة في التغطية على هزيمة عسكرية "غربية" بعملية تطوير حقيقية، ويعطي غالبية الديمقراطيين الجديدة بعض الاطمئنان إلى أن تخصيص مزيد من المليارات لن يكون لتمويل مزيد من القتل والتدمير دون تحقيق أهداف مشروعة ولا غير مشروعة.

2- طرح رؤية سياسية أخرى لا ترفع شعارات "شرق أوسط جديد وكبير وقديم" ولا تلجأ إلى إحياء سياسات المحاور الإقليمية كما كانت في الحرب الباردة، بل تطرح الاستعداد الحقيقي للتعامل مع القوى الموجودة فعلا في المنطقة، لتطويق ما أشعلته الحروب الأميركية من فتن بالغة الخطورة، وطرح دعوة جادة، غير إملائية، للتمكين من قيام شبكة أنظمة حكم محلية تتحرر من خلالها الإرادة السياسية والإرادة الشعبية على السواء.

3- طرح الاستعداد للتخلي عن محاولات الهيمنة الانفرادية في صناعة عالم أميركي جديد في "قرن أميركي جديد" خارج نطاق أي شكل من أشكال الشرعية الدولية ودون إيجاد نظام شرعي دولي جديد، بدلا من الانسياق وراء زرع مرتكزات إقليمية للهيمنة الأميركية، دعما للهند النووية في الشرق، وللاحتلال الإسرائيلي القائم في فلسطين، وللحبشة في القرن الأفريقي، والتحرك على هذه المحاور وسواها، دون مجرد التشاور، مع أصحاب العلاقة المباشرة بهذه القضايا، بل حتى مع الحلفاء الجدد والأقدمين للولايات المتحدة الأميركية عالميا، بمن فيهم بريطانيا نفسها.

4- الإقرار بما أصبح واضحا للقريب والبعيد، والصديق والعدو، من أن قضايا المنطقة العربية والإسلامية لا يمكن فصل بعضها عن بعض، وأن قضية فلسطين ستبقى هي القضية المركزية المحورية، إلى أن تعود الحقوق إلى أصحابها الشرعيين، ويتوقف نزيف الدم بالدعم الأميركي عسكريا وماليا والتغطية السياسية الأميركية الدائمة، وأن محاولة استبدال خطر شيعي بخطر صهيوني أو إيراني بإسرائيلي لا يمكن أن يؤدي إلى أي شكل من أشكال الاستقرار، ناهيك عن أن يوجد الثقة الضائعة بين الشعوب وحكامها.

"الصيغة الإستراتيجية" وفق مفهوم الكلمة الغربي تعني أطروحات جديدة، سياسيا لا عسكريا، ولم يكن في كلمة بوش الابن ليلة 11/1/2007م ما يشير من قريب ولا من بعيد إلى أي تغيير حقيقي في "الإستراتيجية" التي وضعها هو وسواه من المحافظين الجدد في مطلع التسعينيات من القرن الميلادي العشرين.

"
أمام بوش عامان في منصب الرئاسة، من المستبعد أن يحدث خلالهما تحول في صيغة عسكرة الهيمنة، إلا إذا شهد العراق على وجه التحديد من الأحداث ما يوصل إلى كارثة أميركية علنية غير قابلة للتغطية والتمويه
"

ورغم أن محطة العراق التي كانت مذكورة في تلك الإستراتيجية من قبل غزو الكويت والحرب الأولى على العراق وحصاره، ومن قبل تفجيرات نيويورك وواشنطن وتوظيفها لشن سلسلة حروب "وقائية" إرهابية على الإرهاب.. محطة العراق قوضت أركان تلك "الإستراتيجية" للهيمنة وصناعة "قرن أميركي جديد" على أنقاض مخلفات الحرب الباردة.

العنصر الجديد الوحيد كان في لهجة خطاب بوش لا في محتواه، فهنا غابت لهجة العجرفة والتهديد إلى حد كبير واقتصرت على حكومة المالكي التي قامت وما تزال موجودة بقرار من جانب الاحتلال نفسه.

فلم يعد الحديث "إما معنا أو ضدنا"، ولا عن "تغيير خريطة المنطقة"، ولا عن "ملاحقة الإرهابيين في كل مكان" ولا عن "تجفيف منابع الإرهاب" بما في ذلك "تعديل مناهج التربية"، إنما كانت لهجة الخطاب لهجة من يدرك تماما أن صاحبه عاجز عن تحقيق نصر عسكري أو غير عسكري، إلا إذا كان مجرد التقتيل والتدمير نتيجة التفوق في التسلح الإجرامي "نصرا".

ويبدو أن الرغبة في التغطية على انتشار الإحساس بهزيمة لا يراد الاعتراف العلني الرسمي بها، كان هو السبب الأول وراء إعطاء الضوء الأخضر للحبشة اعتمادا، على دوافعها العدوانية الذاتية المعروفة تاريخيا، للتحرك عسكريا في الصومال لصالح حكومة مرتبطة بواشنطن، عجزت عن البقاء شهورا معدودة أمام أضعف خصم داخلي، ثم المشاركة الأميركية المباشرة من الأجواء في قصف جنوب الصومال.

وهذا ما يعزز النظرية القائلة إن تقلص طاقات السيطرة الحقيقية لدى الدولة الكبرى هو الذي يدفعها إلى اختيار أضعف الخصوم، لتوجيه الضربات العسكرية إليهم، من الأجواء عن بعد.

وفي تحريك الآلة العسكرية في القرن الأفريقي، إشارة ذات مغزى أبعد وأهم من جميع ما ورد في خطاب بوش الابن "غير الإستراتيجي".

الرئيس الأميركي ومعه معاونوه ومساعدوه من السنوات الماضية، لا يريد أن يدخل التاريخ أنه أول رئيس أميركي أدخل بلاده في حرب مدمرة وانتهت بهزيمة يعلن عنها بنفسه قبل انتهاء مدة ولايته.

ولا يزال أمام بوش عامان في منصب الرئاسة، من المستبعد أن يحدث خلالهما تحول في صيغة عسكرة الهيمنة، إلا إذا شهد العراق على وجه التحديد من الأحداث ما يوصل إلى كارثة أميركية علنية غير قابلة للتغطية والتمويه.

وعلى غرار التصرف مع الصومال، لا يستبعد أن يلجأ بوش الابن إلى مزيد من الخطوات المشابهة، خارج نطاق ساحة المواجهة المباشرة في العراق أو أفغانستان، ما يفسر أنه لم يذكر شيئا كان منتظرا ذكره بصدد مستقبل العلاقة مع إيران وسوريا ولبنان وفلسطين والسودان، أي مع ما لا يزال مطروحا على جدول أعمال مشروع الهيمنة القديم للمحافظين الجدد، ولم يعد وصف "الجدد" مناسبا لهم.


"
لا ينبغي لمن يرون أنفسهم من النخب الوطنية والعربية والإسلامية أن ينتظروا استجابة الحكومات للتلاقي على صيغة عمل "إستراتيجية" مشتركة، بل عليهم أن يتحولوا إلى تيار ضغط شعبي شامل، بدلا من البقاء في نطاق تيارات متعددة متصارعة
"

المخرج الإقليمي من المغامرات الأميركية
إن أخطار المغامرات العسكرية ما زالت قائمة، وقد تزعج القوى الدولية الأخرى، ولكنها لن تبدل شيئا في نظرتها إلى علاقاتها "الإستراتيجية" البعيدة المدى مع الولايات المتحدة الأميركية، بل قد تفيد من ذلك في طريقة التعامل عبر الأطلسي مع حكومات أميركية قادمة.

إن أمام ساسة المنطقة طريقين للتعامل مع عجز الرئيس الأميركي بوش الابن عن طرح جديد في سياسته للعامين المقبلين:

إما انتظار نهاية ولايته، والبقاء في موقع المشاركة الخطيرة في تنفيذ البقية القادمة من مغامراته العسكرية، وهذا ما لا يدفع خطرا ولا يستقر عليه وضع قطري ولا إقليمي، أو الخروج من دوامة الانسياق وراء سياسات الهيمنة الأجنبية بمختلف أشكالها.

لا يمكن سلوك هذا الطريق عبر سياسات المحاور، التي تحاول واشنطن زرعها وزرع الأوتاد بين دول المنطقة من خلالها، كما هو واضح من مسلسل اجتماعات مجموعة مختارة من الدول العربية مع واشنطن، إنما قد تؤدي هذه السياسات إلى الإعداد لجولات صراع خطيرة قادمة تبقى حصيلتها النهائية في صالح هيمنة حكومات أميركية قادمة، وحكومات إسرائيلية على الصعيد الإقليمي.

ولا يمكن سلوك هذا الطريق عبر الفتن الطائفية وغير الطائفية، بغض النظر عمن يشعل أوارها، فلولا أنه يجد الدعم والتغطية إقليميا، سرا وعلنا، لما أمكن أن يصنع بها ما يصنع حاليا، بدءا بنزيف الدم العراقي، مرورا بالأزمة السياسية اللبنانية، انتهاء بمخاطر حرب أهلية فلسطينية.

إن دول المنطقة، لاسيما الدول الرئيسة ذات العلاقة بالأزمات الإقليمية، وفي مقدمتها السعودية وإيران ومصر وسوريا وتركيا والسودان وباكستان والأردن واليمن والكويت، مدعوة إلى التلاقي على وضع صيغة "إستراتيجية" إقليمية حقيقية، تدعو أطراف النزاع المحليين في كل من العراق ولبنان وفلسطين والصومال وأفغانستان، للاتفاق على حلول واقعية عملية للأزمات القائمة، بما يراعي الإرادة الشعبية في كل من هذه البلدان على حدة، والمصلحة العليا لكل بلد على حدة، لا يعتمد فيها على ارتباط خارجي أجنبي، ولا على محاور إقليمية متصارعة.

والخطوة الأولى هي الدعوة إلى مؤتمر إقليمي، دون مشاركة أجنبية، يطرح المطالب على المجتمع الدولي بدلا من انتظار انعقاد مؤتمرات دولية تطرح المطالب على أصحاب الحق الأول في قضاياهم القطرية والإقليمية بأساليب الترغيب والترهيب، ومن خلال إغراءات "الحماية" لهذا النظام أو ذاك، في الوقت الذي أصبحت فيه الأزمات المسلحة وغير المسلحة تنال من جميع الأنظمة دون استثناء، ناهيك عن الشعوب وما تتطلع إليه من أهداف الحياة العزيزة الكريمة.

ولا ينبغي من يرون أنفسهم من النخب الوطنية والعربية والإسلامية في هذه المنطقة أن ينتظروا استجابة الحكومات للتلاقي على صيغة عمل "إستراتيجية" مشتركة يمكن من خلال طرحها وتبنيها والدعوة إليها وسلوك مختلف السبل للتوعية الشعبية بها، بل عليهم أن يتحولوا إلى تيار ضغط شعبي شامل، بدلا من البقاء في نطاق تيارات متعددة متصارعة، أصبح صراعها هو التربة التي يقوم عليها الاستقرار الاستبدادي القمعي قطريا و"الفوضى الخلاقة" الإجرامية عالميا.



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة