مقالات

جدل الديني والسياسي في الانتخابات المصرية



كمال حبيب

الديني والسياسي في مصر يتقاطعان بقوة منذ السبعينيات، ولعل القوى الاجتماعية والسياسية المصرية تتذكر المقولة الشهيرة للرئيس السادات "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، وهي بقدر ما تعكس عمق الجدل الديني في السياسة المصرية من تيارات اجتماعية وسياسية من خارج الدولة المصرية خاصة من التيار الإسلامي، تعبر عن رغبة الدولة المصرية في عهد السادات في احتكارها هي للتعبير الديني والسياسي معا.

وفي الواقع فإن النظم العلمانية التي ترفض جدل الديني والسياسي، إنما ترفضه خارجها هي، فالدولة الوطنية الحديثة في مصر عبرت في أبرز تجلياتها عن احتكار التعبير الديني لذاتها وتوظيفه لمصالحها السياسية الداخلية والخارجية معا.

ولم يكن ممكنا للدولة القومية أن تحتكر هي القيام بكل الوظائف السياسية والدينية لمواطنيها، ومن هنا ظهرت تعبيرات سياسية خارجها تعبر عن قوى مجتمعية يمثل الدين جزءا من رؤيتها للمستقبل والحاضر معا.

هذه التعبيرات تمثلت بشكل أساسي في التيار الإسلامي الذي عبر عنه "الإخوان المسلمون" الجماعة التي تمتد بجذورها وخبرتها السياسية إلى العام 1928م، ووفقا للمعلومات المتوفرة لدى مؤرخي الإخوان فإن السادات عرض على الجماعة أن تتحول إلى العمل العام الشرعي بشرط التخلي عن اسمها ولكنها رفضت ذلك وآثرت العمل تحت لافتة الإخوان بشكل غير شرعي على ترك اسمها مع الحصول على صك الشرعية الهام.

"
الملاحظ أن النخب العلمانية التي تثير المخاوف من شعار "الإسلام هو الحل" تطلق مخاوفها وهي في لحظة دفاع وتساؤل أمام حالة تقدم عاقلة للإخوان في طرح شعارهم الذي يعني وفق برنامجهم الانتخابي دولة مدنية بمرجعية إسلامية
"

ويمكن القول إن الانخراط الحقيقي لجماعة الإخوان في العمل السياسي جاء مع تصعيد جيل السبعينيات داخلها مقتحما العمل النقابي أولا عام 1984م ثم التحالف في انتخابات نفس العام البرلمانية مع حزب الوفد العلماني الذي حصل علي 57 مقعدا كان من بينهم 8 مقاعد للإخوان المسلمين، وفي العام 1987م كان المشهد السياسي المصري يتسم ببعض الانفراج الذي سمح لميلاد التحالف الإسلامي وقتها بين حزب العمل والإخوان المسلمين وحزب الأحرار.

وخاض التحالف الانتخابات البرلمانية لهذا العام تحت شعار العنوان المثير للجدل الذي يؤكد عمق العلاقة بين الديني والسياسي في مصر ذلكم الشعار "الإسلام هو الحل"، كان ذلك أول مرة يسمع فيه المواطن المصري هذا الشعار.

واستطاع التحالف الإسلامي أن يحقق فوزا مهما ولافتا بحصوله على 64 مقعدا، وأن يكون قوة المعارضة الرئيسية، وقد توزعت هذه المقاعد بين الإخوان الذين حصلوا على 31 مقعدا وحزب العمل الذي حصل علي 26 مقعدا وحزب الأحرار الذي حصل علي 7 مقاعد، وكانت هذه آخر انتخابات برلمانية فيها قدر من التنافس السياسي بين القوى والأحزاب السياسية المصرية.

ومع التحولات السياسية الجديدة التي تشهدها مصر منذ تعديل المادة 76 من الدستور في فبراير/ شباط الماضي ثم الانتخابات الرئاسية التعددية المباشرة التي شهدتها لأول مرة في تاريخها في سبتمبر/ أيلول الماضي ثم الانتخابات البرلمانية الأولي التي ستجري مرحلتها الأولي يوم 9 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، في ظل حراك اجتماعي وسياسي غير مسبوق في التاريخ المصري السياسي المعاصر، وفي ظل رئيس منتخب من الشعب مباشرة وضمن برنامجه تحقيق تحولات سياسية حقيقية في النظام المصري، بدا الإخوان المسلمون قوة فاعلة وحقيقية لا يمكن تجاهلها ولا حرمانها من اقتحام هذه الانتخابات البرلمانية التي يفترض أن تكون أكثر الانتخابات شفافية ونزاهة في عهد مبارك وفي ظل توجهات داخل الحزب الوطني نفسه تغض الطرف عن حق الإخوان المسلمين في ممارسة حقهم الطبيعي في خوض هذه الانتخابات.

فبدون الإخوان المسلمين يبدو المشهد الانتخابي راكدا وتقليديا وفاقدا حيوية المنافسة وروح التجديد والتغيير.

ويبدو أن الإخوان أدركوا هذه التحولات فقد كانوا قريبين منها وفي قلبها وكانوا طرفا مشاركا فيها، وكانت المعركة الرئيسية التي يستعدون لها في الواقع هي الانتخابات البرلمانية التي تقدموا لها بأكثر من 120 مرشحا.

وهم الآن يرفعون شعارهم "الإسلام هو الحل" كما تحدثوا عن أنفسهم صراحة باسم "الإخوان المسلمين" وليس باسم التيار الإسلامي الذي كان يشير إليهم، وهو ما يعني أن الإخوان يخوضون المعركة الجديدة للبرلمان بشعارهم السافر وهو الذي أعاد طرح جدل الديني والسياسي مرة أخرى في مصر بدرجة حادة.

ولكن الملاحظ أن النخب العلمانية التي تثير المخاوف من هذا الشعار تطلق مخاوفها وهي في لحظة دفاع وتساؤل أمام ما يمكن أن نصفه بحالة تقدم عاقلة للإخوان في طرح شعارهم الذي يعني وفق برنامجهم الانتخابي دولة مدنية بمرجعية إسلامية وليست دولة دينية بالمفهوم القروسطي.

وهنا فإن الإخوان يطرحون منهجا جديدا لفهم السياسة، وهذا المنهج يعتمد قوة العلاقة الجدلية بين الدين والدولة والسياسة بحيث يكون الدين إطارا مرجعيا للسياسة محيطا بها فاتحا الآفاق أمام التعاطي مع الاجتهادات المعاصرة بما في ذلك الديمقراطية وآلياتها وهو مفهوم يتحدى الرؤية العلمانية للقوى السياسية التقليدية المصرية خاصة اليسارية كما أنه يثير المخاوف لدى الأقباط.

ويسعى الإخوان لطمأنة القوى السياسية حول شعارهم "الإسلام هو الحل" فيذكرون أنه مطابق للدستور المصري الذي يجعل من الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع" كما أنه لا يهدد الوحدة الوطنية بل يحترمها ويرعاها.

"
شرعية النظام المصري ذاته مرهونة بكيفية حله لمعضلة السماح للقوى السياسية ذات المرجعية الدينية التي تمثل قوة الاكتساح الرئيسية في الشارع المصري في أن تصبح جزءا من النظام السياسي المصري
"

والمثير أن محكمة القضاء الإداري المصري رفضت دعوى رفعها أحد المتنافسين مع مرشح الإخوان في دائرة الدقي طالب فيها بمنع استخدام شعار "الإسلام هو الحل"، وذكرت المحكمة في حكمها أن استخدام الشعار قانوني ولا يتعارض مع قواعد الدعاية الانتخابية التي تحترم الدستور والقانون والمحافظة على الوحدة الوطنية.

قد طرح شعار "الإسلام هو الحل" إعادة الجدل بين السياسي والديني في المعركة الانتخابية الشرسة التي تشهدها مصر ودفعت بالكثير من المرشحين المنافسين للإخوان لاستخدام لغة دينية جعلت واحدا منهم يرفع شعار "القرآن هو الحل" وقام بتوزيع عشرات المصاحف على الناس.

ولكن يبقى الجدل الرئيسي في المعركة هو الذي يمثله "الإخوان المسلمون" لأن الشعار الذي يرفعونه ليس وليد معركة انتخابية عابرة وتنتهي وإنما هو شعار مرتبط بحركة جماعة لها جذورها العميقة الأكثر تمددا في التربة المصرية من النظام الجمهوري نفسه الذي يمثل مبارك الحلقة الثالثة فيه.

ومن ثم فإن الشعار لا يطرح فقط جدل الديني والسياسي في مجرد معركة انتخابية وإنما يطرحه كمشروع يبدو مخالفا للخيارات السياسية التي ظلت النخبة العلمانية بكافة مشاربها تطرحها على الناس بأشكال مختلفة منذ العام 1923م.

هذا في الواقع يطرح سؤالا مستقبليا خطيرا هو كيف يمكن أن يتعاطى النظام المصري الحالي مع الإخوان المسلمين تلك الجماعة التي وصفت بأنها في "منزلة بين المنزلتين" أي لا هي محظورة ولا هي مسموح لها بالشرعية، كيف يمكن أن تنتقل من المنزلة المضطربة المتأرجحة إلى منزلة الاستقرار والثبات؟

ويبدو لنا أن شرعية النظام ذاته مرهونة بكيفية حل هذه المعضلة، معضلة السماح للقوى السياسية ذات المرجعية الدينية التي تمثل قوة الاكتساح الرئيسية في الشارع المصري في أن تصبح جزءا من النظام السياسي المصري.

بعض المحللين المقربين من أمانة السياسات في الحزب الوطني تحدث في صحيفة الأهرام عن كيف يمكن استيعاب الإخوان داخل العملية السياسية كقوة شرعية ولكن بشرط التحول من الحزب الديني أو الطرح الديني إلي ما يعرفه العالم اليوم عن "الأحزاب المحافظة"، وهذه الأحزاب المحافظة تتبني رؤية لها جذور دينية ولكنها تمارس السياسة وفقا للدساتير ولقواعد اللعبة السياسية كما هو الحال في الأحزاب الديمقراطية المسيحية في الغرب، وكما هو الحال بالنسبة لحزب العدالة والتنمية في تركيا الذي يصف نفسه بأنه حزب يعبر عن الديمقراطية المحافظة وليس تعبيرا عن حزب ديني.

وكان لافتا للنظر أن تكون ورقة الإخوان المسلمين حاضرة بقوة داخل الحزب الوطني، حيث أشار أمين التنظيم الرجل القوي في الحزب إلي ضرورة الاعتراف بالإخوان كقوة سياسية شعبية لها حضورها بينما أشار محمد كمال عضو الأمانة العامة للجنة السياسات وأحد الوجوه الإصلاحية في الحزب الوطني في ندوة بالقاهرة نظمها منتدى مصر الاقتصادي إلى ضرورة دمج التيار الإسلامي في النظام السياسي المصري شرط التمسك بالطابع المدني للدولة، وأدان بشدة التعامل الأمني السابق مع الجماعة وأنشطتها وضرورة التعامل معها في سياق سياسي وليس في سياق أمني.

ولطمأنة الأقباط حرص الإخوان على دعم بعض مرشحيهم كما في دائرة "وادي النطرون"، وفي دائرة محرم بك "بالإسكندرية وهي الدائرة التي أراد مرشحها الانسحاب منها بعد أحداث الفتنة الطائفية الأخيرة، وتمسك الإخوان باستمراره ودعمه.

ويحرص الإخوان علي طمأنة الأقباط وشرح أن شعار"الإسلام هو الحل" إنما هو تعبير عن الإسلام الحضاري الذي يجمع المسلمين وغيرهم تحت مظلته وأن المواطنة التي تعتمد مبدأ المساواة واحترام الكرامة الإنسانية وحرية العقيدة هي جزء من شعار الإخوان في حملتهم الانتخابية الكبرى في كل تاريخهم.

"
الديني والسياسي الذي يمثله الخطاب الإخواني في الحملة الانتخابية الراهنة يعبر عن مزاج الشارع الإسلامي المصري كما يعبر عن التيار القاعدي من شباب الإخوان الذي يأمل أن يرى تقدما ناحية الأهداف التي أعلنها الإخوان المسلمون
"

واستخدم الإخوان لأول مرة شعارا جديرا بالتسجيل وهو "نحمي العهد ونحمي الذمة.. الأقباط أبناء الأمة" وهم هنا يقولون بالأخوة الإنسانية وأخوة الأمة بين المسلمين وغيرهم، فالأقباط هم جزء من الأمة العربية الإسلامية وإن اختلفوا في الدين مع المسلمين.

الديني والسياسي الذي يمثله الخطاب الإخواني في الحملة الانتخابية الراهنة يعبر عن مزاج الشارع الإسلامي المصري كما يعبر عن التيار القاعدي من شباب الإخوان الذي يأمل أن يرى تقدما ناحية الأهداف التي أعلنها الإخوان المسلمون منذ ظهورهم عام 1928م.

وفي النهاية فإن شعار "الإسلام هو الحل" تعبير عن برنامج سياسي وانتخابي قد نختلف أو نتفق معه ولكنه أكثر حداثة وربما عقلانية من شعارات المرشحين الآخرين الذين تغص بهم ساحة الانتخابات البرلمانية المصرية بما في ذلك مرشحو الحزب الوطني نفسه الذين يكتفون ببعض شعارات دينية تستلهم آيات من القرآن الكريم أو بعض أحاديث السنة ولكنها لا تحمل برنامجا سياسيا واضحا هو في الحقيقة جوهر العملية الانتخابية الحقيقية.

جدل الديني والسياسي الذي تضج به الانتخابات البرلمانية له ما بعده في تقديرنا، فما يهدف إليه الإخوان المسلمون من الإصرار علي الاستمرار في رفع شعار يجلب لهم المتاعب والمشاكل لا يقصدون به قصدا إثارة المعارك السياسية والدينية وإنما يهدفون من ورائه إلى إقناع القوى الاجتماعية والسياسية المصرية قاطبة، بما في ذلك تلك التي اعتادت الكيد للإخوان ورفضهم في قلب السلطة والحزب الوطني، أنهم قوة لا يمكن تجاهلها وأن على النظام السياسي أن يستعد لمرحلة ما بعد الانتخابات التي نتوقع أن يسفر غبارها عن تطور جديد نحو مشهد سياسي أكثر ديمقراطية وتعددية جوهره حل مشكلة القوى الإسلامية عبر استيعابها كقوة شرعية داخل النظام السياسي.
__________________
كاتب مصري



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة