مشاعر.. سودانية تواجه غلاء المعيشة بوجبات إفطار اقتصادية في رمضان

«مشاعر» بائعة طعام سودانية تستشعر مرارة الاقتصاد في موائدها الرمضانية
الشابة مشاعر تقوم بترتيب مقر عملها استعدادا لتحضير وجبات الإفطار (الجزيرة)

الخرطوم- حين تغيب الشمس مؤذنة بحلول موعد الإفطار في العاصمة السودانية، تطل مشاعر محمد عبد الرسول بموائدها المعدّة بخبرة وإتقان على الفُرش بمنطقة وسط الخرطوم.

وقبل وقت كاف من الإفطار، تكون الشابة -التي دخلت عقدها الثالث- أكملت ترتيب مقر عملها البسيط، الذي يستوطنه عدد من المقاعد البلاستيكية، والفُرش المنثورة بانتظام.

«مشاعر» بائعة طعام سودانية تستشعر مرارة الاقتصاد في موائدها الرمضانية
مائدة مشاعر مزيج من الأكل المحلي وبعض الأطعمة المشهورة في المائدة العربية (الجزيرة)

طعام محلي وأطعمة عربية مشهورة

وفي التوقيت ذاته، قبل المغيب، انتهت مشاعر -التي تعمل وحدها من دون مساعدين- من إعداد الطعام، وهو مزيج من الأكل المحلي (البلدي) وبعض الأطعمة المشهورة في المائدة العربية.

وبجوار الطعام، اصطف عدد من أواني المشروبات المحلية المكسوة بالندى، و"ثرامس" وأكواب الشاي المعبأة بالشاي والقهوة.

تقول مشاعر التي تعمل في إعداد الطعام منذ سنوات، للجزيرة نت، من وراء دكة إسمنتية مكسوة بالسيراميك، تعد خلفها الطعام، إن التدهور الاقتصادي الذي تعانيه البلاد أثر بشكل كبير على تجهيزاتها لإعداد الطعام، وصولا إلى مدخولاتها في نهاية كل يوم.

يوم مرهق

وتبدأ مشاعر يومها مبكرا، بتحركها من ضاحية أمبدة الحارة 14 (التابعة لمحلية أم درمان) إلى أحد أسواق بيع الخضروات واللحوم، وتستجلب مؤنتها من مواد إعداد الطعام، ومن ثم تتوجه إلى عملها في وسط الخرطوم.

وتشكو مشاعر من الزيادات المتوالية في أسعار الخضار والفواكه والمواد الغذائية التي يعزوها أصحاب المحال إلى تراجع العملة المحلية.

ولتخفيض كلفة النقل، تضطر مشاعر إلى التنقل باستخدام مركبات النقل العام، وهو أمر يكلفها دفع مزيد من الأجرة مقابل تحميل بضاعتها.

وارتفع معدل التضخم في السودان، إلى 263% في آخر تقارير الجهاز المركزي للإحصاء، في حين تراجع سعر العملة المحلية إلى نحو 566 جنيها مقابل الدولار في التعاملات الرسمية بالبنوك والمصارف التجارية.

وفي درجات حرارة تتخطى 40 درجة مئوية، تتزامن مع موسم الصوم في رمضان، تعمل مشاعر في ظروف قاسية لإعداد الطعام، وتقول في جلد وصبر "الرزق يحتاج إلى السعي".

«مشاعر» بائعة طعام سودانية تستشعر مرارة الاقتصاد في موائدها الرمضانية
مشاعر تبدأ  يومها مبكرا متوجهة إلى أحد أسواق بيع الخضروات واللحوم، لجلب مؤنتها (الجزيرة)

أشهر وجبات رمضان

وتعد "العصيدة" (إدام قوامه طحين الذرة يتم خلطه عادةً بحساء من البامية المجففة) أشهر وجبات رمضان في السودان، وبالطبع لها محل مميز في مائدة مشاعر، بجانب وجبات اللحوم، والفول، والسلطات.

وفي جانب المشروبات، يبرز عصير "الحلو مر" وهو مشروب يعد بطريقة معقدة، قوامه الذرة التي يجري تحضيرها وتخميرها بطريقة خاصة، قبل أن يتم طهيه في عملية تسمى "العواسة"، ليخرج في شكل رقائق تخلط بالماء، ويتم شراب منقوعها بعد تصفيته.

وتبيع مشاعر كذلك مشروبات كعصير البرتقال والليمون والمانغو، ومنقوع الكركديه البارد، إضافة إلى المشروبات الساخنة بداية من الحساء "المرق"، وصولاً إلى الشاي والقهوة.

وتستهدف مشاعر بموائدها الصحفيين بشكلٍ خاص، إذ تعمل في منطقة تعج بالصحف، وتعاقدت معها يومية "الصيحة" السياسية لإعداد الطعام لمنسوبيها طوال شهر رمضان.

وإلى جانب هذا التعاقد، تقدم مشاعر وجباتها لبقية الصحفيين، وضيوفهم وقاصدي منطقة وسط الخرطوم. ويبلغ سعر الوجبة التي تكفي شخصا واحدا مع مشروباتها نحو 1500 جنيه سوداني.

«مشاعر» بائعة طعام سودانية تستشعر مرارة الاقتصاد في موائدها الرمضانية
سعر الوجبة التي تكفي شخصا واحدا مع مشروباتها نحو 1500 جنيه سوداني (الجزيرة)

إقبال ضعيف

وتشكو مشاعر من تأثير كبير طال روادها في رمضان الحالي جراء شح الزبائن، نتيجة خفوت حركة المواطنين بعد زيادة كلفة نقل الوجبات، وتفضيل كثير منهم تناول وجبة الإفطار في منازلهم، خشية تضاعف فواتيرهم الشهرية.

وفي أيام المواكب الاحتجاجية، تضطر مشاعر عادةً إلى التوقف عن خدماتها لأسباب أمنية، تتصل بإغلاق الجسور، واستهداف التظاهرات للقصر الرئاسي القريب من محيط وسط الخرطوم حيث تقع غالبية الصحف.

يقول رئيس قسم الأخبار بصحيفة الصيحة، محمد البشاري، للجزيرة نت، إن مائدة مشاعر كفتهم وعثاء التنقل اليومي بين منازلهم ومقر الصحيفة، وشر البحث عن إفطار يومي في منطقة مكتظة بالمقار الحكومية التي توصد أبوابها منذ الرابعة عصرا.

أما مجدي خالد، وهو أحد الزوار الواصلين إلى وسط الخرطوم، فيقول من على أحد الفرش، للجزيرة نت، إن طعام مشاعر ذكره بالوجبات التي تعدها والدته في إحدى قرى نهر النيل.

وينتهي يوم مشاعر الطويل عند الساعة 8 مساء بتوقيت السودان، وتعود إلى منزلها البعيد نسبيا بكامل الإرهاق، ولكنها تستشعر في الوقت ذاته طعم أن تكون فردا منتجا وسط مرارة الظروف الاقتصادية بالبلاد.

المصدر : الجزيرة