يوم الأم.. في دير أبو مشعل الفلسطينية 3 أمهات بانتظار إغلاق قبور أبنائهن المفتوحة

فلسطين- رام الله- عزيزة نوفل- أمهات الشهداء الثلاثة في منزل براء صالح في قرية دير أبو مشعل - خاص بالجزيرة نت 2022
أمهات الشهداء الثلاثة في منزل براء صالح في قرية دير أبو مشعل، زينب عنكوش (يمين)، آمنة عطا (وسط) وفطوم صالح (الجزيرة)

رام الله- حين تم تسليم جثمان ابن القرية الشهيد محمد مطر في ديسمبر/كانون الأول الماضي، كانت والدة الشهيد براء صالح "فطوم صالح" أول الواصلين إلى بيته.

حرصت أن تكون الأقرب إلى الجثمان خلال توديعه، فهو العائد إلى عائلته من ثلاجات الاحتلال حيث يحتجز ابنها منذ 5 سنوات.

"عندما أمسكت يده كانت مثل قطعة ثلج بيدي منذ ذلك اليوم وأنا أشعر بألم البرد بيدي، إذا كان هذا حاله وهو الذي لم يمض على احتجازه عام ونصف (العام) فكيف حال براء المحتجز في الثلاجات من 5 سنوات؟!" قالت للجزيرة نت.

فلسطين- رام الله- عزيزة نوفل- فطوم صالح والدة الشهيد براء تشير إلى صورة تجمعه مع الشهيد عادل عنكوش - خاص بالجزيرة نت 2022
فطوم صالح والدة الشهيد براء تشير إلى صورة تجمعه مع الشهيد عادل عنكوش (الجزيرة)

ليست فقط والدة براء من حضرت التشييع، أيضا والدة الشهيد "أسامة عطا" و"عادل عنكوش" صديقا براء ورفيقاه في تنفيذ عملية إطلاق النار بالقرب من باب العامود بالقدس المحتلة في يونيو/حزيران 2017.

وتحتجز قوات الاحتلال الإسرائيلي جثامين الأصدقاء الثلاثة منذ ذلك الحين وترفض تسليمها، رغم كل المطالبات التي قامت بها العائلات: "لا يوجد أي رد واضح حول مصير أبنائنا، ولا خبر أكيد عن تسليمهم"، تقول فطوم صالح للجزيرة نت.

محتجزة بثلاجات الاحتلال

منذ ذلك الحين تتشارك الأمهات الثلاث وجع احتجاز جثامين أبنائهن في ثلاجات الاحتلال، ولديهن نفس الأمل أن يتمكنّ من دفن أبنائهن وإغلاق القبور الثلاثة التي فتحت في مقبرة القرية "للأبطال الثلاثة" كما كتب على البوسترات التي علقت في كل مكان في منزل الشهيد براء في دير أبو مشعل شمال غرب رام الله، حيث التقيناهن في يوم الأم.

وصالح هو الابن الأصغر لصالح التي لم تجف دموعها منذ أن بدأت بالحديث عنه: "كلما فتحت الثلاجة أشعر بضيق العالم في صدري، لو آخر يوم في حياتي سأواصل المطالبة بدفن جثمانه".

ودفن براء وإغلاق قبره هو الأمنية الوحيدة للوالدة التي رزقت بـ3 أحفاد حملوا جميعهم اسم الشهيد، "أجيبه وأدفنه" قالت وهي تضم يديها إلى صدرها، "سأقيم له عرسا وأملأ الشارع بالحلوى حينها".

فلسطين- رام الله- عزيزة نوفل- صورة أرشيفية لوالدة الشهيد عادل عنكوش من فعالية مطالبة بتسليم جثمانة في رام الله- الصورة من أرشيف الجزيرة نت - تصوير ميرفت صادق
والدة الشهيد عادل عنكوش (وسط) من فعالية مطالبة بتسليم جثمانه في رام الله (أرشيف – الجزيرة)

ودّعها في الأقصى قبل استشهاده

تتشارك هذه الأمنية كل من زينب عنكوش والدة عادل وأسامة، تقول زينب للجزيرة نت: "أرواحهم عند الله ولكن من حقنا أن نعلم مصيرهم، أنا مثل أي أم أريد يكون لابني قبر أزوره، هل هناك أحد في العالم لا يعلم أين جثمان ابنه".

زينب كانت تصلي في الأقصى حين إعلان نبأ العملية، وخلال عودتها سمعت أن من قام بالعملية 3 شبان، ولكنها لم تعرف أن عادل أحدهم إلا بعد وصولها القرية "عندما وصلنا القدس اتصلت به وأخبرته أنني في الأقصى، فجاء مع أسامة وعند صلاة العصر ودعني وغاب".

فلسطين- رام الله- عزيزة نوفل- زينب عنكوش- خاص بالجزيرة نت 2022
زينب عنكوش: لا معلومات حتى الآن عن مكان الشهداء الثلاثة (الجزيرة)

وبحسب زينب عنكوش فإن لا معلومات لديهم حتى الآن عن مكان الشهداء الثلاثة، فحينا يبلغهم المحامي أنه تم دفنهم في مقابر جيش الاحتلال لحين تسليمهم عند إتمام صفقة تبادل، وحينا آخر يُبَلغوا أنهم ما زالوا في الثلاجات. "لا يوجد أي اهتمام رسمي ولا شعبي بهذه القضية، السلطة تستطيع أن تضغط لتسليمهم ولكن لا أحد يهتم بهذه القضية".

وتشارك الأمهات الثلاث في كل الفعاليات التي تنظم للمطالبة بجثامين أبنائهن، ولكن "دون جدوى" كما تقول زينب عنكوش، و"كأن هذا الألم خاص بأهالي الشهداء المحتجزة جثامينهم فقط".

وتحتجز إسرائيل منذ عودتها لسياسة احتجاز جثامين الشهداء بعد هبة الأقصى في عام 2015 جثامين 94 شهيدا، بينهم 9 أطفال وسيدتان و7 أسرى.

وعدد منهم قامت بدفنهم في مقابر الأرقام والبقية لا يزالون في الثلاجات، بحسب الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء المحتجزة والكشف عن مصير المفقودين.

فلسطين- رام الله- عزيزة نوفل- أمنة عطا والدة الشهيد أسامة عطا وأخر صورة لهما في الأقصى قبل استشهاده بساعات - خاص بالجزيرة نت 2022
آمنة عطا والدة الشهيد أسامة عطا وآخِر صورة لهما في الأقصى قبل استشهاده بساعات (الجزيرة)

فقدان متكرر

رغم أن وجعهن واحد، فإن لوالدة أسامة "آمنة عطا" تجربة مختلفة وهي التي فقدت بعد استشهاده شقيقه محمد (27 عاما) عقب إصابته بمرض عضال.

تقول للجزيرة نت: "عندما ودعته وحضنته برد حزن قلبي عليه وتذكرت شقيقه أسامة، كل ما أتمناه أن أتمكن من وداعه للمرة الأخيرة".

والدة أسامة أيضا كانت في الأقصى والتقته هناك قبل أن ينفذ العملية: "كان كأنه يودعني التقطنا الصور سويا وبقي معي حتى العصر، وعندما طلبت منه أن يعود معنا للبيت قال لي: إن كان لي نصيب سأعود غدا".

ولعل أكثر ما يؤلمها أنها لم تستطع تحقيق أمنية ابنها "محمد" قبل وفاته بتوديع أخيه بعد استلام جثمانه، وأوصاها في أيامه الأخيرة أن يدفن بجانبه إذا توفي قبل استرداد جثمانه.

وبعد هذه السنوات فقدت الأم أي أمل بمساعدة أي جهة لهم لاسترداد جثمان ابنها، "كنت كلما اقتحم الاحتلال منزلنا أعتقد أنهم جاؤوا ليسلموا جثمانه، ولكن الآن رجائي من الله فقط".

فلسطين- رام الله- عزيزة نوفل- صورة أرشيفية من فعالية للمطالبة بتسليم جثامين الشهداء في رام الله- الصورة من أرشيف الجزيرة نت - تصوير ميرفت صادق
من فعالية للمطالبة بتسليم جثامين الشهداء في رام الله (أرشيف-الجزيرة)

في يوم الأم

خلال الحديث الطويل مع الأمهات الثلاث عن وجعهن المستمر باستشهاد أبنائهن واحتجاز جثامينهم، تكلمن بحب وشوق كبيرين عن ذكرياتهن بيوم الأم معهم. حيث كان يحرص الثلاثة على تحضير الهدايا والمفاجآت لهن، ليعدن بعد دقائق على الاتفاق على أن كل المناسبات والأعياد لا معنى لها دون تحقيق أمنية وحيدة لهن وهي "إغلاق قبور أبنائهن ودفنهم".

المصدر : الجزيرة