دراسة أميركية: المساعدات النقدية للأمهات الفقيرات تزيد نشاط الدماغ لدى الأطفال

الدكتورة كيمبرلي جي نوبل: هذه أول دراسة تظهر أن المال، في حد ذاته، له تأثير على نمو الدماغ.

المساعدات النقدية للأمهات الفقيرات تزيد نشاط الدماغ لدى الأطفال
المساعدات النقدية للأمهات الفقيرات تساعدهن -إلى جانب أمور أخرى- في توفير رعاية صحية أفضل لأبنائهن (غيتي)

أظهرت دراسة أميركية شملت تقديم مساعدات نقدية للأمهات ذوات الدخل المنخفض في السنة الأولى من حياة أطفالهن حدوث تغييرات في نشاط دماغ الأطفال ارتبطت بالنمو المعرفي لديهم.

وفي تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" (New York Times) الأميركية، يقول الكاتب جايسون ديبارلي إن الدليل على أن عاما واحدا من الإعانات للأمهات الفقيرات يمكن أن يؤثر على وظائف دماغ الطفل يُسلّط الضوء على الدور الذي قد يقوم به المال في تنمية مهاراته المعرفية.

مساعدة الأسر

ترى عالمة الأعصاب في جامعة بنسلفانيا مارثا جيه فاراه -التي أجرت مراجعة للدراسة لصالح المجلة العلمية "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" التي نُشرت مؤخرا- أن "هذا الاكتشاف العلمي الكبير يدل على أن مجرد منح الأسر المزيد من المال، حتى لو كان المبلغ متواضعًا، من شأنه الإسهام في تنمية وظائف دماغ الطفل بشكل أفضل".

ويشير الباحث تشارلز نيلسون الثالث من جامعة هارفارد إلى أن تأثير المساعدات المالية لن يكون واضحًا إلا بعد خضوع الأطفال لاختبارات معرفية. ومع أن أنماط الدماغ الموثّقة في الدراسة غالبًا ما ارتبطت بالمهارات المعرفية العليا، إلا أن هذا ليس الحال دائمًا. ويضيف الدكتور نيلسون: "من المحتمل أن تكون هذه الدراسة رائدةً. ولو كنت محل صناع السياسة، لأوليت نتائجها اهتمامًا. لكن من السابق لأوانه تمرير قانون يمنح كل أسرة 300 دولار شهريًا".

وشهد يناير/كانون الثاني الماضي نهاية البرنامج الفدرالي المؤقت لإعانات الأطفال شبه الشاملة -التي تصل إلى 300 دولار شهريًا لكل طفل في أميركا- إذ لم يستطع الرئيس الأميركي جو بايدن توحيد آراء الديمقراطيين حول مشروع قانون اجتماعي كان من شأنه التمديد فيه. كما يعارض معظم الجمهوريين المنح الشهرية بالنظر لتكلفتها وخشية تشجيع الوالدين على عدم العمل.

Cute little baby boy, playing with abacus at home, sunny kids room; Shutterstock ID 1040441335; purchase_order: ajnet; job: ; client: ; other:
منح الأسر المزيد من المال، حتى لو كان المبلغ متواضعًا، من شأنه الإسهام في تنمية وظائف دماغ الطفل بشكل أفضل (غيتي)

 مشروع سنة الطفل الأولى

في مشروع البحث بعنوان "سنة الطفل الأولى"، قُدمت المدفوعات بغض النظر عما إذا كان الوالدان يعملان أم لا. وهناك أدلة كثيرة تفيد بأن الأطفال الفقراء في المتوسط يبدؤون الدراسة بمهارات معرفية أضعف، وأظهر علماء الأعصاب أن الاختلافات تمتد إلى بنية الدماغ ووظائفه. ولكن لم يتضح إذا ما كانت هذه الاختلافات ناتجة مباشرة عن نقص الأموال أو من العوامل ذات الصلة مثل تعليم الوالدين أو تأثيرات المحيط.

وحسب الدكتورة كيمبرلي جي نوبل، وهي طبيبة وعالمة أعصاب في كلية المعلمين بجامعة كولومبيا، فإن الدراسة التي ساعدت في قيادتها هي "أول دراسة تظهر أن المال، في حد ذاته، له تأثير على نمو الدماغ".

وفي إطار الدراسة، جندت الدكتورة نوبل وزملاؤها من 6 جامعات ألف ثنائي مكون من الأمهات والرضع في غضون أيام من الولادة، وقسموا العائلات بشكل عشوائي إلى مجموعتين. تلقت إحدى المجموعتين مبلغا قدره 333 دولارًا، وتلقت المجموعة الأخرى 20 دولارًا فقط.

وباستخدام تخطيط كهربية الدماغ لتقييم الأطفال الذين يبلغون من العمر عامًا واحدًا، وجد الباحثون أن النشاط الدماغي لدى أطفال المجموعة الأولى كان أسرع بكثير مقارنة بأطفال المجموعة الثانية. وكانت الفروق ذات الدلالة الإحصائية ملحوظة في معظم المقاييس، وأكثر وضوحًا في أجزاء الدماغ الأكثر ارتباطًا بالتقدم المعرفي.

وستستمر المدفوعات في إطار هذه الدراسة حتى يبلغ الأطفال 4 أعوام على الأقل، ويخطط الباحثون لإجراء مزيد من الاختبارات. ولا يزال الباحثون يدرسون كيفية تأثير الأموال على نمو دماغ الطفل؛ فقد يعود ذلك لشراء طعام أفضل وتوفير رعاية صحية أفضل، أو تقليل نسبة الإجهاد لدى الوالدين، أو السماح للأمهات بالعمل لساعات أقلّ وقضاء المزيد من الوقت مع أطفالهن.

ويأمل الخبير الاقتصادي بجامعة كاليفورنيا في إيرفين، غريغ دنكان -أحد المؤلفين الـ9 المشاركين في الدراسة- في أن يعيد البحث توجيه النقاش نحو "إذا ما كانت المدفوعات جيدة للأطفال"، عوضًا عن القلق بشأن "إمكانية ترك الآباء لوظائفهم أو إساءة استخدامهم هذه الأموال".

المساعدات النقدية للأمهات الفقيرات تزيد نشاط الدماغ لدى الأطفال
المساعدات النقدية للأمهات الفقيرات تمكنهم من شراء طعام أفضل وتوفير رعاية صحية أفضل لأطفالهن (غيتي)

أطفال الأسر الفقيرة

لطالما سيطر خبراء الاقتصاد وعلماء النفس على الدراسات التي تجرى على الأطفال الفقراء، لكن أصبح لعلماء الأعصاب كلمتهم أيضًا. فعلى مدى الـ15 عاما الماضية، أظهروا أن الأطفال الفقراء يختلفون عن غيرهم من حيث بنية الدماغ ووظائفه، مع وجود تفاوتات أكبر بين الأطفال الأشد فقرًا.

وكشفت اختبارات مخطط الدماغ اختلافات في النشاط الكهربائي، في حين أظهر التصوير بالرنين المغناطيسي اختلافات في حجم القشرة الدماغية، خاصة في المناطق المرتبطة بتطور اللغة والوظيفة التنفيذية. ووجدت إحدى الدراسات أن الاختلافات في حجم القشرة الدماغية تمثل ما يقارب 44% من فجوة التحصيل بين المراهقين من عائلات الدخل المرتفع وغيرهم من ذوي الدخل المنخفض.

آثار المساعدات النقدية

وكما هو الحال مع أي فروق اجتماعية، تؤثر العديد من العوامل الأخرى على التطور المعرفي. ولقد جمعت دراسة "سنة الطفل الأولى" أكثر من 20 مليون دولار من مصادر عامة وخاصة، لاختبار آثار المساعدات النقدية. وعين الباحثون مشاركين من مراكز الولادة في نيويورك ومينيابوليس سانت بول والمناطق الحضرية الكبرى في نيو أورلينز وأوماها، بشكل عشوائي ضمن مجموعات لها مساعدات نقدية عالية وأخرى منخفضة.

وكان متوسط دخل العائلات في أميركا حوالي 20 ألف دولار، أي دون خط الفقر الرسمي لأسرة متوسطة الحجم، مما يعني أن أولئك الذين حصلوا على 333 دولارا في الشهر حققوا مكاسب في الدخل بنحو 20%.

وتوقع الباحثون أن يظهر الأطفال في المجموعة التي تلقت مساعدات نقدية مرتفعة نشاطًا دماغيًا عالي التردد أكثر من أطفال المجموعة الثانية وأقل نشاط دماغي متدني التردد. ووجد بحث سابق أن هذه الأنماط مرتبطة بمهارات معرفية أعلى ومشاكل انتباه أقل. وتتوافق النتائج إلى حد كبير مع توقعات الباحثين.

وكتب العلماء أن المساعدات المالية تسبب تغييرا في أنماط الدماغ، وذكرت الدكتورة نوبل أن هذا الدليل قوي لكنه ليس كافيا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى جائحة فيروس كورونا التي لم تسمح لهم باختبار سوى 435 رضيعًا.

المساعدات النقدية للأمهات الفقيرات تزيد نشاط الدماغ لدى الأطفال
ما أحدثته مساعدة عام واحد فقط، تُظهر مدى تأثر الدماغ بالظروف، بحسب عالم الأعصاب جون غابرييلي (غيتي)

 تحسين القدرات المعرفية

ويعتقد جون غابرييلي، عالم الأعصاب في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، أن الدليل على مدى تغيير المساعدات النقدية لنشاط الدماغ مقنع و"مهم جدا من الناحية العلمية"، مشيرا إلى ضرورة رؤية مدى قدرة هذه الاختلافات على تحسين القدرات المعرفية.

وتقر كاثرين ماجنسون، مؤلفة مشاركة في الدراسة وتدير معهد الأبحاث حول الفقر بجامعة ويسكونسن، بأنها فوجئت بما أحدثته مساعدة عام واحد فقط، مشيرة إلى أنها "تُظهر مدى تأثر الدماغ بالظروف".

ويحذر منتقدو المساعدات النقدية غير المشروطة من أن العائلات ستهدرها أو تسيء استخدامها. لكن ليزا جينيتيان، الخبيرة الاقتصادية في جامعة ديوك والمؤلفة المشاركة في الدراسة، تقول إن النتائج تشير إلى أنه يمكن الوثوق بالوالدين لاتخاذ قرارات جيدة: "ستغطي هذه المساعدات نفقات الطعام لعائلة ما، في حين قد تغطي نفقات السكن لعائلة أخرى". وستدرس أبحاث إضافية كيفية إنفاق الآباء للمال.

المصدر : نيويورك تايمز