تاريخ زوجة الأب الشريرة.. ما أصله؟ وكيف بدأ؟

الحكايات الأسطورية الضاربة جذورها في لا وعي الكثير منا جعلت زوجة الأب معادلاً موضوعياً للشر في مختلف الحضارات (غيتي)

هناك الكثير من القصص الخيالية والأساطير المَرْويّة حول "زوجة الأب الشريرة" التي تبذل كل جهدها لإيذاء أولاد زوجها وبناته، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

من منا لا يتذكر قصة واحدة على الأقل من هذه الحكايات الضاربة جذورها في لا وعي الكثير منا، بحيث غدت زوجة الأب معادلا موضوعيا للشر في مختلف الحضارات، ناسين في الوقت ذاته الكثير من القصص الحقيقية حول "زوجة الأب الطيبة" التي رعت بكل جد وعطف وحنان أولاد زوجها الذين فقدوا أمهم في سن الطفولة.

ولكن من أين جاءت هذه الحكايات "المرعبة" حول زوجة الأب الشريرة، وما جذورها؟

في كتاب "ألف ليلة وليلة" تقوم زوجة الأب "الساحرة الشريرة" في قصة "التاجر والعفريت" بمسخ ابن زوجها بصورة حيوان من حيوانات المرعى، وبما أن السحر لا يفكه إلا سحر أقوى منه، تأتي عجوز بارعة في فنون السحر فتعيد الابن إلى حالته الطبيعية، وتنتقم من زوجة الأب الشريرة فتمسخها بصورة غزالة.

أما في قصة "سندريلا" الذائعة الصيت، فتفعل زوجة الأب الشريرة كل شيء كي تذل ابنة زوجها وتمنعها من الزواج من الأمير الذي عشقها. ويتكرر الحال في قصة "بياض الثلج" بوجهها الشاحب الراقد بلا حراك في تابوت زجاجي بسبب أفعال زوجة الأب الشريرة التي تنكرت بهيئة عجوز شمطاء، وقامت بإهداء تفاحة مسمومة لبياض الثلج كي تتخلص منها.

أفلام ومسلسلات عالمية كثيرة عززت الصورة النمطية لزوجة الأب التي لا هم لها إلا إيذاء أولاد زوجها الأيتام (غيتي)

يتم تغذية هذه الصورة في وعينا الجمعي، وبالذات بعدما تحولت الكثير من هذه القصص إلى أفلام ومسلسلات عالمية صنعتها شركات إنتاج دولية، مثل "والت ديزني" وغيرها، وهو الشيء الذي أدى إلى ترسيخ هذه الصورة النمطية حول زوجة الأب التي هي دائما ساحرة شريرة ولا هم لها إلا إيذاء أولاد زوجها الأيتام.

وبالعودة إلى السؤال السابق: من هي هذه المرأة الشريرة؟ وكيف ومن أين أتت؟

تقول البروفيسورة ماريا تاتار، وهي خبيرة في الفلكلور الألماني في جامعة "هارفارد": "جوهر هذه القصص هو نفسه تقريبا، وهو التنافس السام بين امرأتين، إحداهما أكبر سنا وهي زوجة الأب، والثانية أصغر وهي عادة ما تكون ابنة زوجته المتوفاة، الصغيرة الجميلة"، بحسب ما ذكرت منصة "لايف ساينس" (live science) في تقرير لها أخيرا.

من روما تبدأ الحكاية

يعود أحد الأصول المحتملة لولادة حكاية زوجة الأب الشريرة إلى روما القديمة، وإلى شخصية بارزة محددة على وجه الخصوص، وهي "ليفيا دروسيا"، أول إمبراطورة رومانية. وليفيا كانت الزوجة الثانية للإمبراطور أغسطس، الذي صعد إلى السلطة بعدما واجه يوليوس قيصر نهايته الدموية على يد أقرب المقربين له في عام 44 قبل الميلاد.

وفقا للمؤرخ الإيطالي أوغوستو فراشيتي، فإن ليفيا كان لديها ابن من زواج سابق قبل أن تتزوج الإمبراطور أغسطس، وكان هذا الابن يدعى تيبيريوس، بينما كان لدى أغسطس ولدان من زوجة سابقة، هما غايوس قيصر ولوسيوس قيصر. وتم تعيين الأكبر منهما لخلافة الإمبراطور في حكم الإمبراطورية بعد موته، ولكن حدثت مشكلة لم تكن بالحسبان: مات الولدان وهما في ريعان الشباب.

سرعان ما بدأت الشائعات حول مسؤولية ليفيا عن موت الولدين في الانتشار، وتوسعت أكثر حين تم قتل أغريبا بوستوموس، حفيد الإمبراطور أغسطس، وهو آخر وريث محتمل للعرش من دم الإمبراطور، في ظروف غامضة، ليتولى العرش بعد ذلك ابن ليفيا (تيبيريوس) السالف الذكر.

بدت كل هذه الأحداث غريبة ومريبة لكثير من المواطنين الرومان، رغم أن الموت في سن الشباب كان شيئا عاديا بسبب قصور الطب في ذلك الوقت، وكان الكثير من الناس يموتون وهم في ريعان الصبا من دون أن يثير ذلك أي استهجان بين العامة.

في روما القديمة كان انتقاد الأباطرة شيئا خطيرا، ولكن الشعب كان يجد طرقا أخرى للتعبير عن استيائه، ومنها انتقاد المقربين منه وبالذات من النساء. وفي هذا السياق، تقول بيتا غرينفيلد، وهي مؤرخة وباحثة في شؤون روما القديمة بجامعة سيدني الأسترالية: "إحدى الطرق التي يمكنك بها انتقاد الرجل هي انتقاد النساء اللواتي كان مرتبطا بهن. وهكذا، ربما أصبحت ليفيا كبش فداء"، وفق تقرير "لايف ساينس".

ولكن الرجل المسؤول عن ترسيخ صورة "ليفيا الشريرة" كان المؤرخ تاسيتوس، الذي عاش في عام 56 بعد الميلاد تقريبا.

في نسخة تاسيتوس للتاريخ الروماني، والتي كُتبت بعد عقود من وفاة أغسطس في عام 14 م، تم تصوير ليفيا كامرأة ماكرة متعطشة للسلطة ولا ترحم خصومها، ولا يهمها شيء سوى تمكين ابنها من العرش، وسيتم تخليد هذه الصورة بعد ذلك بوقت طويل في رواية روبرت غريفز "أنا كلاوديوس" الصادرة عام 1934.

وتشرح غرينفيلد أن "الطريقة التي يكتب بها تاسيتوس كانت متأثرة إلى حد بعيد بالطريقة التي كان ينظر بها المجتمع الروماني إلى نفسه".

في بعض أجزاء من العالم اتخذت "زوجة الأب الشريرة" شكل أختا غيورة أو حماة متسلطة (غيتي)

ليفيا موجودة بصور مختلفة في كل الحضارات

رغم أن ليفيا قد تكون زوجة الأب الشريرة الأصلية التي تولدت منها معظم قصص زوجة الأب السيئة في الحضارة الغربية، فإنها ليست الوحيدة. ففي مختلف ثقافات وحضارات العالم ثمة قصص مماثلة. ويكثر التنافس الحاد بين النساء على السلطة والمكانة، وأكبر مثال على ذلك هو حكايات الجواري في قصص "ألف ليلة وليلة" في الحضارة العربية.

وتتغير التفاصيل في كل ثقافة لتلبية المعايير الاجتماعية للمكان، مع احتفاظها بالجوهر. مثلا، في بعض مناطق آسيا وأفريقيا اتخذت زوجة الأب شكل زوجة ثانية شريرة قامت بتعذيب الزوجة الأولى الفاضلة. وفي أجزاء أخرى من العالم، أصبحت أختا غيورة أو حماة متسلطة.

عندما شرع الأخوان "جاكوب وويلهلم غريم" في جمع الحكايات الفلكلورية الألمانية وتبسيطها في أوائل القرن الـ19، شعرا بالفزع بسبب احتواء عدد كبير منها على أمهات شريرات، ولتحسين الصورة استبدلا قصص الكثير من الأمهات بـ "زوجات آباء" في محاولة منهما للحفاظ على قدسية الأمومة.

سبب آخر لظهور زوجات الأب بشكل بارز في الحكايات الشعبية من هذا العصر هو أنها تعكس الواقع ببساطة، فقد كانت الولادة مهمة خطيرة، ولم تنجُ الكثير من النساء من هذه التجربة، إذ كان يموت الكثير منهن أثناء آلام المخاض، فكان ينشأ نصف الأطفال في ظل زوجة أب بسبب موت أمهاتهم أثناء الولادة.

بالطبع، أصبحت حكايات الأخوين غريم الخيالية ذات شعبية كبيرة، وشكلت أساسا للكثير من أفلام "ديزني"، من "بياض الثلج" إلى "تانغلد". هذه الأفلام، بالإضافة إلى تلك المستوحاة من المؤلف الدانماركي هانز كريستيان أندرسن من القرن الـ19، قدمت للأطفال بعضا من أكثر النساء الشريرات شهرة على الإطلاق، من "أورسولا" ساحرة البحر في فيلم "الحورية الصغير" (The Little Mermaid)، والملكة الشريرة من فيلم "بياض الثلج" (snow white) وغيرها الكثير من الأفلام التي رسخّت هذه الصورة النمطية.

زوجة الأب الشريرة خصوصا في الثقافة الغربية المترسّخة جذورها في لا وعي الشعوب الأوروبية جاءت من الميثولوجيا (شترستوك)

صورة زوجة الأب أسوأ في الميثولوجيا اليونانية

تأخذ قصص زوجات الآباء وضعا أسوأ في الميثولوجيا اليونانية، مقارنة بقصص الأخوين غريم الخيالية، كما تقول الكاتبة شارلوت هيغينز في مقالة لها في مجلة "بروسبكت ماغازين" (prospect magazine) البريطانية.

وتأخذ الكاتبة نموذجا هي شخصية "فايدرا" في حكاية "أفروديت" التي تقع في هوى ربيبها يوربيديس هيبوليتوس، كنوع من العقاب للشاب الذي يتبع أرتيمس العازب وكاره النساء. ولكن الأخير يرفضها بقسوة، ويلقي خطابا طويلا ومذهلا عن شرور النساء، يُعبر فيه عن كرهه لهن. ثم يقوم بشنق فايدرا التي تنتقم منه حتى بعد موتها، إذ تترك رسالة تتهم فيها هيبوليتوس بمحاولة اغتصابها. هذه صورة أقسى لزوجة الأب غير الشريفة من قصص زوجات الأب الشريرات التقليديات في حكايات الأخوين غريم.

ولكن مع التقدم والتطور الحضاري في أواخر القرن العشرين وتغير الصورة التي ينظر بها المجتمع إلى النساء، بدأت "ديزني" إعادة تأهيل الكثير من شخصيات زوجة الأب الشريرة أو تخطيها تماما في أفلام مثل "موانا" (Moana) و"فروزن" (Frozen)… وغيرها.

كما عمل عدد من الروايات الشهيرة على تغيير صورة زوجة الأب النمطية، ومنها على سبيل المثال رواية الأميركي روبرت كوفر "زوجة الأب" (Stepmother) الصادرة عام 2004، حيث يحولها إلى بطلة، ينتقد من خلالها الصورة النمطية للمرأة عموما وزوجة الأب خصوصا في الثقافة الغربية المترسّخة جذورها في لا وعي الشعوب الأوروبية.

وبعد، الإنسان هو الإنسان في كل مكان وزمان، أكان هذا الإنسان رجلا أو امرأة، وكم من زوجات أب حنونات وعطوفات ربّين أولاد أزواجهن خير تربية، وكنّ حضنا دافئا لهم بعد موت أمهاتهم. وكم من حكايات أخرى أهملها التاريخ حول هؤلاء النساء الرحيمات، لا لشيء ولكن لأنها لم تكن قصصا مثيرة ترفع الدم في العروق غضبا وحنقا، أو لتشويه صورة النساء عموما في ظل مجتمع أبوي لا يحترم سوى صورة الرجال بصرف النظر عن صدقها من عدمه.

المصدر : مواقع إلكترونية