هل من حقنا أن نحب أحد الأبناء أقل من الآخر؟

رغم حرص الآباء على المساواة بين أبنائهم فإن الواقع يثبت أن الملايين شبّوا في بيئة تميز بعضهم على بعض (غيتي)

من أبرز القضايا المسكوت عنها في العلاقات العائلية التمييز في المعاملة بين الأبناء، وهو سلوك قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على الصحة النفسية للطفل. فكيف نتصرف إذا كنا نحب ابنا أكثر من الآخر؟

رغم حرص الآباء أن يكون الحب الذي يكنّونه لأبنائهم متساويا، فإن الواقع يثبت أن ملايين الأشخاص شبّوا في بيئة أسرية تميز بعضهم على حساب بعض، ولأسباب تأخذ في الاعتبار السمات الشخصية، على غرار الجنس والسن ومدى التفوق الدراسي.

2شددت مريم رمضان على ان السعادة لا تأتي من الفراغ ، بل من تعاون الزوجين في تربية الاطفال- (بيكسلزعلم النفس: المسألة ليست اختيارية فنحن لا نفعل ذلك قصدا ولا نختار من نحب ومن نكره (بيكسلز)

لا نستطيع أن نحبهم بالطريقة ذاتها

تقول الكاتبة سيغولين فورغار، في تقرير نشرته صحيفة "لوفيغارو" (lefigaro) الفرنسية، إن الحب الذي نكنّه لأطفالنا يرتبط بمجموعة عوامل، منها: الجنس والسن والتفوق الدراسي، لذلك فإننا لا نستطيع أن نحبّهم بالطريقة ذاتها، لكن الخطورة تكمن في أن يؤدي ذلك إلى تمييز في المعاملة بين طفل وآخر.

في هذا الشأن تقول عالمة النفس المتخصصة في مجال إدارة العواطف العائلية فلورنس ميو إن "المسألة ليست اختيارية، نحن لا نفعل ذلك قصدا، لا نختار من نحب ومن نكره".

وتشاطرها الرأي الفيلسوفة والاختصاصية النفسية العائلية نيكول بريور قائلة "هذا أمر خارج عن إرادتنا. كلنا نريد أن نحب أطفالنا بالقدر ذاته، لكن واقع العلاقات الأسرية ليس كذلك، وعندما يحدث ذلك نشعر حتما بالذنب".

وتضيف بريور، مؤلفة كتاب "الخيانات الضرورية-أن تكون تلقائيا"، أن معاملة الأطفال من دون تمييز شيء غير موجود في الواقع، لسبب بسيط هو أن "كل طفل مميز في نظر أبويه، ولديه مكانة خاصة، وقد جاء إلى أمه وأبيه في لحظة مميزة من حياتهما".

الروابط التي ينسجها الآباء مع أبنائهم تختلف من طفل إلى آخر (شترستوك)

اختلاف المشاعر لا يعني حبا أقل

من جانبها، تقول المحللة النفسية المتخصصة في الأطفال فرانسواز دولتو إن المرأة لا تنظر إلى طفلها الذي أنجبته في سن الـ40 مثل طفلها الأكبر الذي أنجبته في سن الـ28، لكن اختلاف المشاعر لا يعني حبا أقل لأحد الأبناء. وتضيف "على سبيل المثال، قد تكون شديد الارتباط بابنك المشاغب، وأقل ارتياحا لرصانة أخيه الأكبر".

وتقول كلودين (61 عاما)، وهي أم لـ6 أطفال، "من دون أن نلاحظ ذلك، تختلف الروابط التي ينسجها الآباء مع أبنائهم من طفل إلى آخر".

وتضيف "ابني البكر يتمتع بحسّ المسؤولية، وأستطيع أن أثق به في المسائل التي تخص العائلة، أما ابنتي الكبرى فهي منفتحة وعاطفية، ولديّ معها علاقة وثيقة. تجمعني مع ابني الثاني بعض النقاط المشتركة، مثل الشغف بالأشياء الجميلة، والشيء ذاته ينطبق على ابنتي الأخريين. أما الأصغر سنا، فإننا نتشارك كثيرا من الأمور لأنه ما زال يعيش معي في المنزل".

بدلا من التركيز على مسألة حب أطفالنا بالقدر ذاته ينبغي أن نعرف كيف نُظهر ذلك الحب للأطفال (غيتي)

اللاوعي يتحكم في المشاعر

يفسر الاختصاصيون الشعور بحب أحد الأطفال بدرجة أقل مقارنة بإخوته بعزوه إلى اللاوعي. في هذا الصدد، تقول بريور "قد يرتبط ذلك بتاريخ العائلة وطبيعة العلاقة الزوجية، أو بقدوم الطفل في ظرف عصيب، مثل الإصابة بمرض أو تقلبات في العلاقة بين الأبوين، أو أثناء فترة طلاق".

وهناك بعض العوامل الأخرى مثل عدم نجاح الطفل في الدراسة، وهو ما يفرز أملا في نفوس الآباء، وقد ينتج عنه تمييز في المعاملة مقارنة بإخوته.

وتضيف فلورنس ميو "في نظر الآباء، إذا كان الطفل مختلفا عنا، ويهتم بأمور وأنشطة مغايرة لاهتماماتنا قد يفرز ذلك برودة في التعامل معه، تعطيه انطباعا بأننا لا نحبه".

وفي بعض الأحيان يمثل مزاج الطفل المتقلب مشكلة داخل العائلة، وتوضح ميو في هذا السياق "سبق لي في إحدى الجلسات العلاجية أن تعاملت مع أم لم تستطع تحمّل طفلها الصغير المشاغب لأنه يذكرها بوالده المسجون بتهمة السرقة".

وتختم الكاتبة بأنه بدلا من التركيز على مسألة حب أطفالنا بالقدر ذاته، ينبغي أن نعرف كيف نُظهر ذلك الحب للأطفال، وأن ندرك أننا نحبهم جميعا، لكن بطرق مختلفة.

المصدر : لوفيغارو