بطلات على منصة تتويج الحياة.. هذا ما يفعله الدعم النفسي للاعبات الأولمبياد

بطلات عربيات مشاركات في أولمبياد طوكيو 2021 (من اليمين) فريال أشرف، وهداية ملاك، ويسرا مارديني (وكالات)

"مصر تحقق الذهبية الأولى منذ ذهبية كرم جابر في أثينا 2004″، الجملة لم يكن يتوقعها أحد خاصة مع لعبة الكاراتيه التي تنافس فيها مصر للمرة الأولى.

فعلتها بطلة الكاراتيه المصرية فريال أشرف التي لم يتابعها أحد، ولم يتذكر أحد مواعيد مبارياتها. فجأة لمع اسمها حين وصلت لنصف النهائي، ثم تأتي خاصية "الفار" لتنصفها وتتأهل للنهائي منافسةً على الميدالية الذهبية، وتتحقق المعجزة فتفوز فريال بأول ذهبية لمصر في طوكيو 2021، لتصبح أول سيدة تحصل على ذهبية أولمبية في تاريخ مصر.

أهدت فريال إنجازها لوالدتها، الداعمة الأولى والوحيدة لابنتها، وفي اللحظة التي توجت فيها فريال بذهبية النصر كانت أمها تدعو لها "أنت اتحرمتي (حُرِمْتِ) من حاجات كتير، وربنا عوضك يا حبيبتي".

الانسحاب لأسباب نفسية

دعم الأم الذي تلقته فريال أشرف فحازت من أجلها الذهبية، كان بعيدا عن فضاء ملعب الجمباز الذي شعرت فيه السمراء الأميركية سيمون بايلز بالوحشة، كان جسدها كاملا يحلق بعيدا عن الأرض، تثق في تقديرها للمسافات، وعقلها يعي جيدا القفزة القادمة، وعضلاتها تستجيب لإشارات عقلها التي عرفها مرارا، كان الأمر ينجح في كل مرة، ويصفق الجمهور لروعة الأداء، لكن فجأة تتعطل الإشارات هذه المرة، وترتبك الخطوات، ولا ينجح الأمر كالعادة.

ربما تكون حدثت نفسها هكذا قبل أن يتوقف عقلها عن الاستجابة الصحيحة للإشارات المحفوظة، فسقطت سيمون بايلز، بطلة الجمباز الأميركية، ليخسر الفريق الأميركي للجمباز أولى منافساته في أولمبياد طوكيو، وتقرر البطلة الأولمبية -الحائزة على 4 ميداليات ذهبية في أولمبياد ريو- الانسحاب من جميع منافسات الفرق، ثم تقرر بعد ذلك الانسحاب أيضا من المنافسات الفردية.

"لم يكن لدي أدنى فكرة عن ماذا أفعل في الجو، كان يمكنني إيذاء نفسي"، تتحدث سيمون بايلز عما حدث في ذلك اليوم، يكمن الخطأ في حدوث "القليل من الالتواءات"، لكن هذه الالتواءات ليست بالأمر اليسير في لعبة مثل الجمباز، فهي تتسبب في أن يفقد اللاعب سيطرته على جسده في الهواء، وحينها قد يفقد السيطرة على كل شيء.

لأسباب نفسية، أنهت سيمون بايلز -بطلة الجمباز الأميركية- مشوارها مبكرا في أولمبياد طوكيو 2021، فبرغم الإنجازات غير المتكررة، التي حازتها النجمة السمراء، فإنها لم تنس تعرضها للتحرش من مدرب الفريق السابق، ورغم خضوعها للعلاج النفسي، فإن الشابة -التي صرحت سابقا بأنها تعاني من مرض فرط الحركة وتشتت الانتباه- كانت معاناتها النفسية تزداد سوءا في كل مرة كانت تواجه فيها ذكرياتها الأليمة، ورغم الانسحاب والخسارة فإن بايلز لم تخسر دعم محبيها.

خرج العديد من الرياضيين ليشدوا من أزر البطلة الأميركية قائلين "كلنا بشر"، ليس الرياضيون فقط هم من دعموا سيمون، فقد قالت هيئة الرياضة الأميركية "إن قرار بايلز بالانسحاب وإعطاء الأولوية لصحتها النفسية يظهر لماذا هي بطلة حقيقية"، الدعم الكبير الذي حازته بايلز كان دافعا قويا لتتجاوز لوم ذاتها على تخليها عن الحلم الأميركي قائلة "شعرت أنني بالنسبة إليهم أكثر من كوني لاعبة جمباز".

بشر وليسوا ميداليات

الدعم الذي حازته الأميركية المنسحبة سيمون بايلز، حصلت عليه قبلها يسرا مارديني، السباحة السورية المشاركة في أولمبياد ريو السابق، ثم أولمبياد طوكيو ضمن فريق اللاجئين، كممثلة لـ80 مليون لاجئ.

الطفلة التي أنقذت قارب هروبها من سوريا إلى تركيا، ثم أكملت طريقها برا إلى ألمانيا، أنقذتها السباحة مرتين، مرة وهي تسبح ممسكة بالقارب هي وشقيقتها لتنقذ 20 شخصا آخرين على متنه، وأنقذتها مرة ثانية حينما دعمت اللجنة الأولمبية الدولية فريقا للاجئين في أولمبياد ريو 2016 كانت يسرا من بين أعضائه.

دعم مطلق حصدته يسرا من مواطنيها داخل سوريا وخارجها، ومن جميع أطياف اللاجئين حول العالم، مما دعاها لشكر رسائل الدعم والتشجيع التي تأتيها من العالم أجمع "أنا فخورة جدا برسالتي التي تصل للعالم عن اللاجئين، نحن لسنا رقما في نشرات الأخبار، نحن بشر لدينا أحلام وقصص وإنجازات، ولا نستسلم بسهولة وسنبقى على الحلم".

دعم هداية

اهتمام المصريين بالرياضة يتوقف دائما عند كرة القدم، لكن مؤخرا أصبحت كرة اليد منافسا قويا بسبب النجاحات العالمية التي يحققها المنتخب المصري لليد، لا يعرف المصريون عن التايكوندو سوى أنه تدريب الصغار على لعبة قتالية تمنحهم ثقة بالنفس، لكن لم يكن أحد يعرف أن اللعبة كذلك قادرة على منح أبنائها المخلصين ألقابا أولمبية، وكانت منهم البطلة المصرية هداية ملاك.

لم يعرف أحد اسم البطلة الأولمبية الحائزة على الميدالية البرونزية، لم تستضفها البرامج ولم تتح لها المقابلات الصحفية، كل شيء كان يتم التجهيز له بعيدا عن الأضواء، الدعم المعنوي ساهم بشكل كبير في مشوار بطلة التايكوندو المصرية "هداية ملاك"، الحائزة على الميدالية البرونزية في أولمبياد طوكيو.

ليس فقط الدعم في أثناء البطولة، لكن خلال فترة الاستعداد الطويلة التي تسببت كورونا في مدها عاما إضافيا، حازت هداية على دعم المقربين منها، والدتها الأميركية التي اهتمت بتنشئتها نشأة رياضية، وزوجها لاعب الكرة الطائرة الذي لم يعارض تأجيلها الزفاف من أجل البطولة، ثم موافقتها على إتمام الزواج بعد تأجيل البطولة، لكن الاستعداد المستمر للأولمبياد، جعل الزواج مع إيقاف التنفيذ.
⁠كذلك لاقت هداية دعم رعاتها الرسميين، الذين لم يتوقفوا لحظة عن تجهيزها للبطولة برغم آثار كورونا، ثم ومع ظهور اسمها في ساحة التنافس الأوليمبي، بادر المصريون إلى دعمها بحماس شديد، والاحتفال بفوزها.

المصدر : الجزيرة